الأدلة من الكتاب على مشروعية عمارة المساجد جاء الحث على عمارة المساجد في كتاب الله تعالى إما
[ ٩ ]
في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الإنفاق في سبيل الخير وإما نصا صريحا في عمارة المساجد فهي على نوعين:
النوع الأول: النصوص العامة: ومن ذلك:
(١) قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] ففي هذه الآية حث على الإنفاق في سبيل الخير، واستنهاض للهمم في الإنفاق من أغلى ما يملكه الإنسان في سبيل الله تعالى، ولذلك لما سمع أبو طلحة ﵁ هذه الآية بادر إلى وقف أحب أمواله إليه، وهي بيرحاء (حديقة مشهورة) .
(٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥]
النوع الثاني: الأدلة الخاصة بعمارة المساجد: ومن ذلك:
(١) قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] والمراد بالبيوت هنا المساجد، ومعنى
[ ١٠ ]
أذن: أي أمر وقضى، ومعنى ترفع: تبنى وتعلى، قاله مجاهد وعكرمة فيما نقله القرطبي.
وقال الشيخ ابن سعدي: ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بنائها، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسات، وعن الكفار، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله. فالله تعالى أمر ووصى بعمارة المساجد والقيام عليها وصيانتها، بل ذكر تعالى أن عمارة المساجد هي وظيفة الأنبياء كما في قوله تعالى:
(٢) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] فالله تعالى يشيد بنبيه وخليله إبراهيم ﵇ ببناءه للبيت الحرام. وتشير الآية إلى أن بناء المساجد من الأعمال الخيرية التي يثاب عليها الإنسان مع القبول، فجاء في آخر الآية ما يرشد إلى أن بناء البيت من الأعمال الصالحة التي عملها
[ ١١ ]
إبراهيم مع ابنه إسماعيل، حيث سألا ربهما أن يتقبل منهما عملهما إنه هو السميع العليم.
(٣) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] ففي هذا النص القرآني شهادة لعُمَّار المساجد، ذلك أن عمارة المساجد من شأن المؤمنين وهم الحقيقيون بعمارة المساجد حسيا ومعنويا.