من البديهي: أنّ مصافحة المريض مَرَضًا غيرَ مُعْدٍ باقيةٌ على الأصل المقرَّر في حُكم المصافحة، وهو: كونها سُنّة؛ بل إنّها آكَد في السُّنِّيّة لِما تَحملُه من مُواساةٍ ومؤازرة لذلك المريض، وبثِّ روح الطّمْأنة في نفسه، مع تقوية أواصر الأُلفة والإخاء والتواصل بين المسلمين، لأنّ الواضحَ أنّ زيارة المريض - فضلًا عن أنّها مطلوبة شرعًا، عملًا بقوله ﷺ: "أطعِموا الجائعَ، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني" ١. ففي المصافحة، الشّدُّ على يدَيِ المريض من الأمور المهمّة - إن لم يتألّم - التي تَطِيب نفسُ المريض ويهدأُ قلبُه معها، وتَشُدّ مِن أزْره، وتَبعث فيه الأمل في الشفاء - إن شاء الله تعالى - لا سيما إنِ ارتبطتْ بالدعاء له بالشفاء، لِما ثَبت عن رسول الله ﷺ "أنّه عاد سعدَ بن أبي وقاص٢ وهو مريض، فوضَع يدَه على جبْهته، ثم
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/٢٠٥٥، والإمام أحمد في المسند ٤/٣٩٤. ٢ سعد بن أبي وقاص: مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، الصحابي، فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحَدُ الستة الذين عيّنَهم عُمر للخلافة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، وأحَد العشرة المبشَّرين بالجنة. أسلم وهو ابن ١٧ سنة، وشهِد بدرًا، وأفتتح القادسية. مات بالمدينة بقَصْره بالعقيق عام ٥٥ هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٣/٨٧.
[ ١٣٤ ]
مَسَح صدْرَه وبطْنَه، ثم قال: "اللهم اشْفِ سعدًا، وأتمِمْ له هجْرَتَه" ١. كما أن النبي ﷺ قال أيضًا: "إذا جاء الرجلُ يعود مريضًا، فلْيقُلْ: اللهمّ اشْفِ عبدَك، يَنْكَأُ لك عدوًّا، أو يمشي لك إلى جنازة" ٢.
وعلى هذا، كانت مصافحة المريض مستحبّة؛ وهي من ملامح أدب زيارته مع الدّعاء له بالشفاء. ويدل على استحباب المصافحة للمريض: ما أخرجه الترمذي عن أبي أمامة٣: أنّ رسول الله ﷺ قال: "مِن تَمام عيادةِ المريض: أنْ يَضَعَ أحدُكم يدَه على جبْهتِه – أو قال: على يدِه -، فيسأله كيف هو؟ وتمامُ تحيّتِكم بينكم المصافحة" ٤.
فقد دلّ هذا الحديث على: أنّ المصافحة من تمام عيادة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٥/٢١٤٢، وأبو داود ٣/١٨٧. ٢ أخرجه أبو داود في الجنائز ٣/١٨٧، والحاكم في المستدرك ١/٤٩٥. ٣ صدي بن عجلان بن وهب، من قيس بن عيلان ثم بني الأعصر، صاحب رسول الله رضي الله نزل حمص. روى علْمًا كثيرًا، وروي أنه بايع تحت الشجرة. توفي عام ٨٦هـ. راجع: سير أعلام النبلاء ٥/٣٥٩. ٤ أخرجه الترمذي ٥/٧٦، وأخرجه أحمد في مسنده ٥/٢٥٩.
[ ١٣٥ ]
المريض. كما يُستحبّ للزائر أنْ يسألَه عن حاله، فيقول له: كيف تجِدُك؟ أو كيف أصبحْتَ؟ وقد ذكَر ابن حجر الهيثمي في "الإفادة": أنّ من آداب عيادة المريض: المصافحة والسؤال.
هذا، والذي تقرّر هنا هو: حُكم الشرع بالنسبة لمصافحة المريض عامّة، خاصّةً مَن ليس مرضُه مُعدِيًا.
أمّا بالنسبة لمصافحة مَن كان مرضُه مُعديًا، أو كان به عاهة مثْل: الجُذام والبرص، وفي معناهما كلّ مرضٍ ضارٍ ينتقل إلى الآخَرين بالملامسة، فإنّ مصافحتَه على هذا النحو مكروهة. وعلى هذا، فإنّ المريض بمرضٍ مُعْدٍ تُكرهُ مصافحتُه لمِا ثَبَت "أنّ رسول الله ﷺ أرسل إلى رجلٍ مجذوم كان في وفْد ثقيف، قال له: "إنا قد بايعناك، فارجِعْ! ".١
وما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد! " ٢، وما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يورد مُمرضٌ على مُصحّ" ٣، يعني: مَن له إبِل مَرْضى لا يُوردها على الإبل الصحيحة عمَلًا بهذا النهي٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ٤/١٧٥٢، وابن ماجة ٢/١١٧٢. ٢ أخرجه البخاري ٥/٢١٥٨. ٣ أخرجه البخاري ٥/٢١٧٧، ومسلم ٤/١٧٤٢. ٤ راجع: فتح الباري ١٠/٢٥٢، ٢٥٣ للوقوف على معنى الممرض والمصحّ من الإبل.
[ ١٣٦ ]