الجنابة لا تمنع المصافحة، ولا تُؤثِّر على أفضليّتها باعتبار أنّ المصافحة لا يُشترط فيها كوْن المرء طاهرًا من الحدثيْن الأصغر والأكبر. فلا بأس بمصافحة الجُنب، وكذلك الحائض والنفساء. فلكلٍّ منهم أن يصافح أو يصافَح، ولا يؤثِّر هذا في استحباب المصافحة، ولا يقدح في فضْلها المقرَّر شرعًا.
ويدلّ على هذا: ما رُوي عن حذيفة١: "أنّ رسول الله ﷺ لَقِيَه، فقال: "يا حذيفة، ناولْني يدَك! " فقبض حذيفةُ يدَه. ثم قال له الثانيةَ، ففعل. ثم قال الثالثةَ، ففعل. فقال له النبي ﷺ: "مَا يمْنعُك؟ "
_________________
(١) ١ الصحابي الجليل: حذيفة بن حِسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، حليف الأنصار، من السابقين. أعلَمه الرسول ﷺ بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة. ولاّه عمر ﵁ على المدائن بفارس. توفي ﵁ في أوّل خلافة علي ﵁ عام ٣٦هـ. راجع: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/٢٢٣، والأعلام للزركلي ٢/١٧١.
[ ١٣١ ]
فقلتُ: إنِّي جُنب. فقال الرسول ﷺ: "إنّ المؤمن إذا لقي المؤمنَ فسلّم عليه وأخذ بيده فصافَحَهُ، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورقُ الشجر" ١. وهذا له شاهد أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁: "أنّ النبي ﷺ لقي حذيفة فأراد أن يصافحَه، فتنحّى حذيفةُ فقال: إني كنتُ جُنُبًا. فقال النبي ﷺ: "إنّ المسلم إذا صافح أخاه تحاتَّتْ خطاياهما كما يتحاتُّ ورقُ الشجر" ٢.
وقد ثبت أيضًا في الصحيح عن حذيفة – رضي لله عنه -: "أنّ رسول الله ﷺ لقِيَه وهو جُنُب فحادَ عنه فاغتسل، ثم جاء، فقال: كنت جُنُبًا، فقال: "إنّ المؤمنَ لا ينجس" "٣. وقد ورد في النسائي بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا لقي الرجل من أصحابه ماسَحَه ودعا له". قال: - أي: حذيفة -: "فرأيته يومًا بكرة فحِدْتُ عنه، ثم أتيْتُه حين ارتفع النهار. فقال: "إني رأيتُك فحِدْتَ عنِّي! " فقلت: إنِّي كنتُ جنبًا، فخشيتُ أن تمسّني. فقال الرسول ﷺ: "إنّ المسلم لا يَنْجَس" ٤. ويُؤيِّد هذا أيضًا: حديث
_________________
(١) ١ رواه الطبراني في الكبير ٦/٢٥٦. ٢ راجع: الترغيب والترهيب ٣/٢٩٠، ومجمع الزوائد للهيثمي ٨/٣٧. ٣ أخرجه مسلم ١/٢٨٢، والنسائي ١/١٤٥. ٤ أخرجه مسلم ١/٢٨٢، والنسائي ١/١٤٥.
[ ١٣٢ ]
أبي هريرة ﵁ في "الصحيحيْن" قال: "لقيَني رسول الله ﷺ وأنا جُنُب، فأخذني معه بيده، فمشيْتُ حتى قعد. فانسلَلْتُ فأتيتُ الرَّحْلَ فاغتسلتُ، ثم جئتُ وهو قاعد. فقال: "أين كنتَ يا أبا هريرة؟ " فقلت له. فقال: "سبحان الله! يا أبا هريرة، إنّ المؤمن لا ينجَس" ١.
وفي هذا يقول المباركفوري: "في حديث أبي هريرة المذكور: جواز مصافحة الجُنُب ومخالطتِه"٢. وجاء في "صحيح" الترمذي في أبواب الحيض: باب ما جاء في مصافحة الجُنب، وقال: "وقد رَخّص غيرُ واحد من أهل العلْم مصافحةَ الجُنُب"٣.
وهكذا يتّضح لنا الآن: أنّ المصافحة لا يُشترط فيها طهارةُ المصافِح ولا المصافَح؛ فالجنابة لا تَمنع المصافحةَ ولا تُؤثِّر على أفضليّتها.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ١/١٠٩، ومسلم ١/٢٨٢. ٢ راجع: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ١/٢٠٧. ٣ راجع: جامع الترمذي ١/٢٠٨.
[ ١٣٣ ]