المقرّر لدى عامّة المسلمين: أنّ الإسلام قد حرص على إشاعة روح الصفاء والإخاء بين الأفراد، بما يُحقِّق لهم كلَّ ما من شأنه إحداث الودّ والسعادة في الدنيا ليعود هذا على دينهم حبًا وتنمية لكلِّ ما يقرِّب إلى الله سبحانه، فيسعدوا في الدارين؛ ولهذا فقد شرع الله - فضيلة إفشاء السلام بين المؤمنين، وجعل هذا الصنيع علامة على الحب في الله ولله سبحانه، ورتّب على هذا بعد تحقّق الإيمان دخولَ الجنة.
فقد ورد من رواية الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن سلام١ ﵁ قوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا أيها الناس، أفْشوا السّلام، وأطعِموا الطعام، وصَلُّوا باللّيل والناسُ نيام، تَدخلوا الجنة بسلام" ٢.
_________________
(١) ١ عبد الله بن سلام بن الحارث، قيل: إنه من نسل يوسف بن يعقوب. أسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة. شهد مع عمر فتح بيت المقدس، وأقام بالمدينة المنورة إلى أن مات بها عام ٤٣هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٤/ ٩٠. ٢ أخرجه الترمذي ٤/٦٥٢، وأحمد ٥/٤٥١، وابن ماجة ١/٤٢٣.
[ ٢٧ ]
كما روى الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده! لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. أوَلا أدُلُّكم على شيء إذا فعلْتموه تحاببْتم؟ أَفْشوا السّلام بينكم" ١.
هذا فضلًا عن أنّ الإسلام قد حثّ أيضًا على حُسن استقبال المسلم لأخيه، فرغّب في طلاقة الوجه وبشاشة صاحبه عند اللقاء، وجعل ذلك صَدَقة يرتفع بها أجر صاحبها. فقد روى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: "لا تحقرَنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلْقَى آخاك بوجْهٍ طلْق" ٢. وروى جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كلُّ معروف صدقة. وإنّ من المعروف: أن تلقى أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك" ٣. والمعروف أنّ طلاقة الوجه هي: تهلُّله بالانشراح والابتسام عند اللقاء٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/٧٤، وأحمد في مسنده ٢/٣٩١. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٠٢٦ والإمام أحمد في مسنده ٥/١٧٣. ٣ حديث حسن أخرجه الترمذي في البر والصلة رقم ٤/٣٤٧، وأحمد في مسنده ٣/٣٦٠. ٤ دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علاء الصديقي ٣ /١٦٤.
[ ٢٨ ]
وفي هذا يقول الشيخ شمس الدين البديري١:
بشاشةُ وجْهِ المرْءِ خيرٌ من القِرى٢ فكيف بمَن يأتِي به وهو ضاحِكُ٣
وعلى هذا، كانت المصافحة مع البشاشة وطلاقة الوجه خيرَ دليل على الودّ والصفاء والمحبة بين المتصافحين؛ وهذا من أوجُه حُسن الإسلام وقوّة الإيمان بالله. فإلقاء السلام إيذانٌ بالأمان قولًا، والمصافحة مع البِشْر توكيد لهذا الأمان.
ولذا كانت المصافحة من تمام التحية؛ فمِمّا رُوي عن رسول الله ﷺ من حديث ابن مسعود قولُه: "مِن تمام التحية: الأخْذُ باليد" ٤. وفي
_________________
(١) ١ شمس الدين البديري هو: محمد بن محمد شمس الدين أبو حامد البديري الحسيني الشافعي الدمياطي، من علماء مصر توفي سنة ١١٤٠هـ. راجع: عجائب الآثار لعبد الرحمن الجبرتي ١/١٣٩. ٢ قريت الضيف أقرِيهِ، وقِرى الضيف: قصْعَة أو جفنة أو عُسّ، وهو ما يُقدّم إلى الضيف. راجع لسان العرب لابن منظور ١٥/١٧٤، والمصباح المنير للفيومي ٢/٥٠١، والمعجم الوسيط لإبراهيم حسن الزيات صفحة ٧٣٢. ٣ راجع: المستطرف في كل فن مستظرف لمحمد بن أحمد الأبشيهي صفحة ٨٥٦. ٤ راجع: جامع الترمذي ٥/٧٥.
[ ٢٩ ]
حديث ابن ماجه: "وتمام تحيّتِكم بينكم: المصافحة" ١.
هذا، ويُستحبّ تقديم السلام على المصافحة؛ فيسلِّم المسلم على أخيه أوّلًا عند اللقاء، ثم يُصافحه. فقد روى جندب ﵁ "أنّ النبي ﷺ كان إذا لَقِيَ أصحابه لم يصافحْهم حتى يُسلِّم عليهم"٢.
كما يُستحب عند المصافحة كذلك: حمْدُ الله تعالى، فيقول: "يغفر الله لنا ولكم"؛ وذلك فيما رواه البراء بن عازب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا التقى المسلمان فتصافحا، وحمِدا الله واستغفراه، غفر لهما" ٣، وفي رواية أخرى ثبت عنه ﷺ أنه قال: "أيّما مسلمَيْن التقَيا، فأخذ أحدُهما بِيد صاحبه فتصافحا، وحمِدَا الله تعالى جميعًا، تفرّقا وليس بينهما خطيئة" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٥/٢٥٩، والترمذي ٥/٧٥، والروياني في مسنده ٢/٢٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٦/٤٧٢ من حديث أبي أمامة الباهلي. ٢ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢/١٧٦. راجع: مجمع الزوائد ٨/٣٦، وفيض القدير ٥/١٦٠. ٣ أخرجه أبو دواود ٤/٣٥٤، وأبو يعلى في مسنده ٣/٢٣٤. ٤ أخرجه أحمد ٤/٢٨٩، وأبو داوود ٤/٣٥٤، وابن ماجة ٢/١٢٢٠ من حديث البراء بن عازب ﵁، وصححه الألباني.
[ ٣٠ ]
ويستحب أيضًا: الدعاء عند المصافحة والمفارقة؛ فقد ثبت في حديث حذيفة بن اليمان ﵁ "أنّ النبي ﷺ كان إذا لقِيَه الرّجل من أصحابه مسَحه –يعني: صافحه - ودعا له"١. وهكذا روى أنس قال: "ما أخذ رسول الله ﷺ بيَد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" ٢.
هذا، فضلًا عن أنه يُستحبّ كذلك: ألاّ يَنزع المصافحُ يدَه من يد المصافح له حتى يَنزع هو؛ وذلك على نحو ما استبان لنا عند الحديث عن كيفيّة المصافحة.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان في صحيحه ٤/٦٨. ٢ راجع: عون المعبود لشمس الحق العظيم آبادي ١٤/٨١، والأذكار المنتخبة للنووي صفحة ٢٤١.
[ ٣١ ]