المصافحة من الرجل للرجل وكذا من المرأة للمرأة: سُنّة، ويُندب إليها عند التلاقي؛ وقد أجمع على هذا كافّة الفقهاء في جميع الأعصار والأمصار. وجاء في "الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار ص": "اعلَمْ أنّها سُنّة مُجمَع عليها عند التلاقي"١. وقال المناوي: "فإنّ المصافحة سُنّة مؤكّدة "٢.
وقد أوضحتْ كثير من الأدلة مشروعيَّتها واستحبابها؛ فقد وردت السُّنّة النبوية المطهّرة والآثار الواردة عن صحابة النبي ﷺ، فضلًا عن إجماع الأئمة - ﵏ -، بما يفيد تلك المشروعية على وجْه السُّنّة والاستحباب.
فمن السُّنّة المطهّرة:
_________________
(١) ١ راجع: محيي الدين النووي صفحة ٢٣٩. ٢ فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/١١.
[ ١٩ ]
١ - ما رواه البراء بن عازب١ ﵁ قال: "ما مِن مُسلمَيْن يلْتقِيان فيتصافحان، إلاّ غُفر لهما قبل أن يتفرّقا" ٢.
٢ - ما رواه أنس بن مالك ﵁ أنه قال: "قال رجل: يا رسول الله، الرجل منّا يلْقَى أخاه أو صديقه، أيَنْحَني له؟ - يعني: يُميل الرأس والظهر تعظيمًا وتواضعًا -، فقال: "لا". قال: فيَلتزمه ويُقبِّله؟ قال: "لا". قال: فيأخذ بِيدِه ويُصافحُه؟ قال: "نعم" ٣.
٣ - ما رواه سلمان الفارسي٤ ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) ١ البراء بن عازب بن الحارث، الخزرجي. يُكنى: أبو عمارة. قائد صحابي من أصحاب الفتوح. أسلم صغيرًا وغزا مع رسول الله ﷺ خمس عشرة غزوة، أوّلُها غزوة الخندق. وشهد مع علي ﵁ الجمل وصفِّين. وتوفي في إمارة مصعب بن الزبير سنة ٧١هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٢/٤٦. ٢ راجع المسند ٤/٢٨٩، وسنن أبي داوود ٤/٣٥٤، وجامع الترمذي ٥/٧٤. ٣ راجع: الترمذي ٥/٧٥، وقال: "حديث حسن". ٤ سلمان الفارسي: صحابي من مقدَّميهم، كان يُسمِّي نفسه: سلمان الإسلام. أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان. قصد بلاد العرب فلقيَه ركب من بني كلب فاستخدموه، ثم استعبدوه وباعوه. فاشتراه رجل من قريظة، فجاء به إلى المدينة. وعلِم سلمان بخبر الإسلام، فقصد النبي ﷺ بقباء وسمع كلامه، ولازمه أيامًا. أعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه، فأظهر. إسلامه. وكان قوي الجسم، صحيح الرأي. وهو الذي دل المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب حتى اختلف عليه المهاجرون والأنصار كلاهما يقول: "سلمان منّا"، فقال ﷺ: "سلمان منّا، أهل البيت". جُعل أميرا على المدائن، فأقام فيها إلى أن توفي سنة ٣٦هـ. راجع: الإصابة في تمييز الصحابة للعسقلاني ٣/١٤١، الأعلام للزركلي ٣/١١-١١٢.
[ ٢٠ ]
"إنّ المسلمَ إذا لقِيَ أخاه المسلم فأخذ بيده، تَحاتّتْ عنهما ذنوبُهما كما تَتحاتّ ١ الورقة في الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلاّ غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثْلَ زبَد البحر" ٢.
٤ - ما رواه البراء أيضًا أنّ رسول الله ﷺ قال: "أيّما مسلميْن يلتقيان، فأخذ أحدُهما بيدِ صاحبِه فتصافحَا، وحمِدا الله تعالى جميعًا، تفرّقا وليس بينهما خطيئة" ٣.
٥ - كما روى أيضًا قولَ النبي ﷺ: "ما مِن مسلمَيْن يلتقيان، فيُسلِّم أحدُهما على صاحبه، ويأخذُ بيَدِه لا يأخذه إلا لله لا يتفرّقان حتى يغفر لهما" ٤.
_________________
(١) ١ تحاتّتْ: تساقطت. راجع: المصباح المنير للفيومي١/١٢٠. ٢ راجع: الطبراني في الكبير ٦/٢٥٦. ٣ أخرجه أحمد ٤/٢٨٩، وأبو داوود ٤/٣٥٤، وابن ماجة ٢/١٢٢٠، وصححه الألباني. ٤ حديث حسن أخرجه الإمام أحمد في المسند ١٤/٢١٨ وصححه الألباني.
[ ٢١ ]
ومن الآثار:
١ - ما رواه كعب بن مالك١ ﵁ قال: "دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله٢ يهرول حتى صافحني وهنّأني"٣.
٢ - ما رواه البخاري عن قتادة٤ ﵁ قال: قلت لأنس: "كانت المصافحة في أصحاب النبي ﷺ؟ قال: نعم"٥.
_________________
(١) ١ كعب بن مالك بن عمرو، أبو عبد الله الأنصاري السّلمي، من أكابر الشعراء من أهل المدينة. اشتهر في الجاهلية، وكان في الإسلام من شعراء النبي ﷺ، وشهد أكثر الوقائع. ولما قُتل عثمان، قعد عن نصرة علي فلم يشهد حروبه. وعمي في آخر عمره. وقيل: مات بالشام في خلافة معاوية سنة ٥٠هـ. راجع: الإصابة في تمييز الصحابة ٥/٦١٠، والأعلام للزكلي ٥/٢٢٨. ٢ طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، أحد العشرة المبشّرين، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. شهد أُحُدًا، وثبت مع رسول الله –ﷺ-، وبايعه على الموت، فأصيب بأربعة وعشرين جرحًا. شهد الخندق وسائر المشاهد. قُتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة، ودُفن بالبصرة سنة ٣٦هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٣/٢٢٩. ٣ أخرجه البخاري ٤/١٦٠٧، ومسلم ٤/٢١٢٦. ٤ قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز، أبو الخطاب السدوسي البصري، مفسِّر حافظ، ضرير أكمه. مات بواسط سنة ١١٨هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٥/١٨٩. ٥ رواه البخاري ٥/٢٣١١، والترمذي ٥/٧٥.
[ ٢٢ ]
هذا فضلًا عن الإجماع:
فقد أجمع الفقهاء وأئمة المذاهب على مشروعية المصافحة، وأنّها سُنّة؛ وفي هذا يقول الإمام النووي عن المصافحة: "اعلَمْ أنّها سُنّة مُجمَع عليها عند التلاقي"١.
وقال ابن بطال: " المصافحة حَسنة عند عامّة العلماء، وقد استحبّها مالك"٢.
وجاء في "فتح الباري" قولُ ابن حجر: "قال ابن عبد البر٣: روى ابن وهب٤ عن مالك: أنّه كرِه المصافحةَ والمعانقة؛ وذهب
_________________
(١) ١ راجع: الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار صفحة ٢٣٩، والمجموع ٤/٤٧٥. ٢ راجع: فتح الباري ١١/٥٧. ٣ هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، أبو عمر النمري الأندلسي. وُلد بقرطبة عام ٣٦٨هـ، ورحل رحلات طويلة في غربي الأندلس وشرقيها. ولي قضاء لشبونة وشنترين. له مصنّفات كثيرة منها: "التمهيد" و"الاستذكار". توفي بمدينة شاطبة شرق الأندلس عام ٤٦٣هـ. راجع: سير أعلام النبلاء ١١/٣٥٩-٣٦٤، الديباج المذهّب ٢/٣٦٧-٣٧٠، والأعلام ٨/٢٤٠. ٤ عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري بالولاء المصري، أبو محمد. من أصحاب الإمام مالك. كان حافظًا ثقة مجتهدًا. عُرض عليه القضاء فخبأ نفسه ولزم منزله. توفي بمصر سنة ١٩٧هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٤/١٤٤.
[ ٢٣ ]
إلى هذا سحنون١ وجماعة. وقد جاء عن مالك٢ جوازُ المصافحة؛ وهو الذي
يدلّ عليه صنيعُه في "الموطإ". وعلى جوازه جماعة العلماء سلفًا وخلَفًا"٣.
هذا، وأوّل مَن صافح وعانق: خليلُ الله سيدُنا إبراهيم ﵇، وذلك عندما اجتمع بالإسكندر الأكبر بالحرم المكي الشريف؛ فقد صافحه خليل الرحمن وعانقه وقبّله بين عيْنيْه قبل المفارقة، وأعطاه الراية وأهداه للخير، وعمَّمَهُ. وتشرّع الإسكندر بشريعته ودخل معه في ملّته٤.
_________________
(١) ١ محمد بن عبد السلام سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي. فقيه مالكي مُناظر، كثير التصانيف، من أهل القيروان. رحل إلى المشرق سنة ٢٣٥هـ، وتوفي بالساحل، ونقل إلى القيروان فدفن فيها سنة ٢٥٦هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٦/٢٠٤-٢٠٥، الديباج المذهب لابن فرحون ٢/١٦٩. ٢ مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله. إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تُنسب المالكية. كان صلبًا في دينه، بعيدًا عن الأمراء والملوك. مولده بالمدينة، وتوفي بها سنة ١٧٩هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٥/٢٥٧. ٣ راجع: أحمد بن حجر العسقلاني ١١/٥٨. ٤ غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للشيخ محمد السفاريني ١ /٣٢٨ -٣٢٩.
[ ٢٤ ]
ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا: أنّ أوّل من حيَّا المسلمين بالمصافحة هم أهل اليمن؛ وفي هذا يروي أنس بن مالك ﵁ قوله: لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله ﷺ: "قد جاءكم أهلُ اليمن؛ وهُم أوّلُ من جاء بالمصافحة" ١.
وفي رواية أخرى: "قد أقبل أهلُ اليمن؛ وهُم أرقُّ قلوبًا منكم". قال أنس: "وهُم أوّل من جاء بالمصافحة" ٢.
والمراد من مجيئهم بالمصافحة: إظهارُهم لها في الإسلام.
وقد روى الإمام أحمد عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: "يَقْدَمُ عليكم غدًا أقوامٌ هم أرقُّ قلوبًا للإسلام منكم"، فقدِم الأشعريّون، فيهم أبو موسى الأشعري٣. فلما دنَوْا من المدينة
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في باب المصافحة رقم ٤/٣٥٤، والإمام أحمد في المسند ٣/٢١٢. ٢ الحديث: أخرجه البخاري في الأدب المفرد صفحة ٣٣٦، والإمام أحمد في المسند رقم ٣/٢٥١. ٣ عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، أبو موسى، من بني الأشعر من قحطان، صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين. وُلد في زبيد باليمن عام ٢١ قبل الهجرة، وقدم مكة عند ظهور الإسلام، فأسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم استعمله رسول الله ﷺ على زبيد وعدن. وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة ١٧هـ، فافتتح أصبهان والأهواز. ولما ولي عثمان أقرّه عليها ثم عزله، فانتقل إلى الكوفة ومات بها عام ٤٤هـ. راجع: سير أعلام النبلاء ٢/٣٨٠، والأعلام ٤/١١٤.
[ ٢٥ ]
جعلوا يرتجزون يقولون: "غدًا نلقى الأحبّة: محمدًا وحزبَه". فلما أن قدموا تصافحوا؛ فكانوا أوّل مَن أحدث المصافحة"١ أي: أظهروها في الإسلام.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٣/١٥٥.
[ ٢٦ ]