بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمْد المُحبِّين له والطائعين لأوامره ونواهيه، الملتزِمين بآداب ومحاسن الدِّين. نحمده حمْد المُذعِنين الممتثِلين لإرشادات سيِّد النبيِّين، والمُتحلِّين بكامل أدبه المبين وشرْعه إلى يوم الدِّين. والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيّدنا محمد المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ ١. ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ ٢.
وبعد.
فإن ممّا يميِّز شريعة الإسلام عن غيرها من الشرائع، أنها جاءت لتُوافق فطرة الناس التي خلقهم الله عليها حسبما كانت الحكمة مِن خلْقهم؛ فكما حَوَتِ الأوامر والنواهي المقرِّرة للضوابط
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: الآية ٨٩. ٢ سورة المؤمنون: الآيتان ٩٧، ٩٨.
[ ٥ ]
المطلوبة في المعاملات -فضلًا عن جانب العبادات -، شملت أيضًا ما يتعلق بالأخلاق والآداب، وما يُعَدّ من محاسن السلوك ومكارم الأخلاق؛ بل إننا نجِد أنّ الإسلام قد أوْلى دائرة الأخلاق والآداب ومحامد السلوك كاملَ العناية وغايةَ الرعاية، عنايَته بالعبادات ورعايته للمعاملات، باعتبار أنّ الأخلاق هي ملاك الفرد الفاضل المؤدَّب بأدب الإسلام، وهي في ذات الوقت قوام المجتمع الرّاقي.
ولهذا، كان جانب الأخلاق والآداب، والقِيَم والشمائل والفضائل المرعيّة بين الناس، محلَّ اهتمام كبير في نظر الإسلام؛ فمكانةُ الأخلاق لديْه عظيمة، ومنزلته سامية، وقَدْره عالٍ مرفوعٌ. وهكذا مدح الله - المصطفى ﷺ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١. وقال - ﵊ -: "إنّما بُعثتُ لأُتمِّم مكارمَ الأخلاق" ٢.
والجدير بالإشارة إليه: أنّ الأخلاق والآداب هي السِّياج
_________________
(١) ١ سورة القلم: الآية ٤. ٢ أخرجه البيهقي في السنن الكبرى من حديث أبي هريرة ١٠/١٩١، والقضاعي في مسند الشهاب ٢/١٩٢.
[ ٦ ]
والإطار المعوَّل عليه في سلامة كافة التكاليف الشرعية الأخرى: عبادات، أو معاملات، أو غير ذلك فبدون تحقّق الأخلاق والالتزام بالآداب المرعيّة، لا تُؤدَّى هذه التكاليف على الوجه الأكمل، ولا تقع موقعَها اللائق بها.
ومما يجب التّفطّن له: أنّ الإسلام الحنيف قد اعتمد في التعامل بين أبناء المسلمين - بعد التزامهم بالعبادات على الوجه الصحيح - على حُسن الخُلُق والتّحلِّي بمحاسن الآداب الشرعية. فقد رُوي في الحديث الصحيح: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحْسنُهم خُلُقًا" ١. وفي هذا، يقول ابن قيِّم الجوزية: "الدِّين كلّه الخُلُق؛ فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الدِّين"٢.
ولهذا، كان من الضروري عدم الاستهانة بالجانب الأخلاقي بحُجّة أنّ مخالفة هذا الجانب غيرُ قادحة في كمال إيمان العبد؛ وذلك لأنّ السلوك المعتبَر إطارًا لحياة الإنسان، إذا كان قد ارتضاه ذلك الإنسان أن يكون من خلال الشريعة الإسلامية الغرّاء، فإنه مطالَب بضرورة الإتيان به على وجْه ما ترتضيه تلك الشريعة
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة ٣/٤٦٦، وأحمد في مسنده ٢/٢٥٠. ٢ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ٢/٣٠٧.
[ ٧ ]
المحمودة بين كافّة الشرائع.
ومن هذه السلوكيات الإسلامية والآداب المطلوبة: آداب التحية في الإسلام عند اللقاء وعند المفارقة، من خلال آداب المصافحة. وقد وجدْتُ المناوي يقول في كتابه "فيض القدير": " أي تأديبًا لهم وتعليمًا لمعالم الدِّيانة ورسوم الشريعة، وحثًا على لزوم ما خُصَّتْ به هذه الأمّة من هذه التحية العظمى التي هي: تحيّة أهل الجنّة في الجنة"١.
فالإسلام قد حثّ على حُسن استقبال المسلم لأخيه، فرغّب في طلاقة الوجه وبشاشة صاحبه عند اللقاء، وجعل ذلك من الصَّدَقة التي يرتفع بها أجْر صاحبها؛ وذلك فيما رواه أبو زر ﵁ فقد قال ﷺ: "لا تحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تَلْقى أخاك بوجْه طلْق" ٢. وطلاقة الوجْه هي: تَهَلُّلُه بالانشراح والابتسام عند اللقاء. وقد روى جابر بن عبد الله٣ ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: "كُلُّ مَعروفٍ
_________________
(١) ١ فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٥/١٦٠. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٢٦. ٣ جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، الخزرجي الأنصاري السّلمي: صحابي من المكثرين في الرواية عن النبي ﷺ روى عنه جماعة من الصحابة. له ولأبيه صحبة. من أهل بيعة الرضوان، وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي، يؤخذ عنه العلْم. توفي سنة ٧٨هـ. راجع: الأعلام للزركلي ٢/١٠٤، سير أعلام النبلاء للذهبي ٣/١٨٩-١٩٢.
[ ٨ ]
صَدَقة. وإنّ مِن المعروف أن تَلْقَى أخاك ووجْهُك إليه مُنبَسط" ١.
ولهذا، كانت المصافحة مع البشاشة وطلاقةِ الوجه خيرَ دليل على الودّ والصّفاء والمحبة. فإلقاء السلام إيذانٌ بالأمان قولًا، والمصافحة مع البشر توكيدٌ لهذا الأمان. وفي هذا يقول فضل الله الجيلاني: " واعلمْ: أنّ التّصافح عند الملاقاة للتّأنيس، وتوكيد للتسليم القولي؛ فإنّ التسليم إيذان بالأمن قولًا، والتصافح نحو بيْعةٍ وتلقينٌ على ذلك، وتوكيد لما تلفّظاه بالتسليم، ليكون كلٌّ من المتلاقِيَيْن على أمْن من صاحبه"٢.
فالمصافحة من تمام التحية؛ فقد روي ابن مسعود ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "من تمام التحية: الأخْذُ باليد" ٣، كما روي
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في جامعه ٤/٣٤٧ وقال: "حديث حسن". ٢ فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني ٣/١٧٤. ٣ أخرجه الترمذي في جامعه ٥/٧٥ وقال: "هذا حديث حسن".
[ ٩ ]
عنه قوله: "وتمامُ تحيّتِكُم بينكُم: المصافحة" ١.
ولما كان الاختلاف بشأن بعض أحكام المصافحة، وذلك من حيث وصْفها بالحكم الشرعي المناسب، فضلًا عن الخلاف بشأن المصافحة عقِب الصلوات، ومصافحة المرأة الأجنبية وما تعلّق بذلك من خلافهم في مدَى تأثير تلك المصافحة على الوضوء بالنقض من عدمه، فضلًا عن المصافحة عند اللقاء وعند المفارقة، ومصافحة الأمرد والمريض ومَن به عاهة، ومصافحة الجُنُب، ومصافحة غير المسلم، ونحو ذلك من الأحكام المتعلِّقة بالمصافحة.
لما كان الشأن هذا، استخرتُ الله سبحانه وعزمت على الكتابة في هذا الموضوع الذي أسميتُه: المصارحة في أحكام المصافحة، معتمدًا على الله تعالى، سائلًا العون والمدد بكلّ ما من شأنه أن يوفِّقني الله سبحانه لإتمامه على الوجه المظهر لحكم الشرع فيه، وعلى هدْي مَن سبقني ممن وفّقهم الله في هذا السبيل.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في مسنده ٥/٢٥٩، والترمذي ٥/٧٥، والروياني في مسنده ٢/٢٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٦/٤٧٢ من حديث أبي أمامة الباهلي.
[ ١٠ ]
وقد اشتمل البحث على مباحث تسعة على النحو الآتي:
المبحث الأول: التعريف بالمصافحة.
المبحث الثاني: مصافحة المرأة الأجنبية.
المبحث الثالث: مدى تأثير مصافحة المرأة على الوضوء.
المبحث الرابع: المصافحة عقب الصلاة.
المبحث الخامس: المصافحة عند المفارقة.
المبحث السادس: مصافحة الجُنُب.
المبحث السابع: مصافحة المريض ومَن به عاهة.
المبحث الثامن: مصافحة الأمرد.
المبحث التاسع: مصافحة غير المسلم.
والله سبحانه أسأل: أن يوفِّقني لإخراجه على الوجه اللائق - فمنه سبحانه العون -، وأن يرفع عنِّي الزلات والعثرات، وأن يكون هذا العمل في سجلّ حسناتي يوم العرض على الله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
[ ١١ ]