تصرف الموظف في الهدايا المحرم بذلها له، وقبوله لها
هذه الهدايا لها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الموظف لم يستلم هذه الهدية
فحينئذ يجب عليه أمران:
الأمر الأول: عدم قبوله هذه الهدية.
الأمر الثاني: نهيه - إن استطاع - باذل الهدية عن هذا المنكر، وتذكيره بأن هديته هذه ليست مباحة، وإنما هي: إما رشوة، وقد لعن الشارع الحكيم متعاطيها. وإما هدية مقابل عمل واجب متعلق بالدولة، وهي هدية محرمة؛ لأنه لا يحل أخذ العوض على هذا العمل. ويذكره: أنهما من الرشوة أو الهدية المحرمة، وأنهما من الفساد في الأرض العائد ضرره على الباذل والآخذ والمجتمع، وقد حرم الله تعالى الفساد في الأرض (١).
وذلك؛ أن إنكار المنكر واجب، وهذه الهدية من المنكر، فيجب النهي عنها.
_________________
(١) ينظر: ما تقدم ص (٢٢ - ٢٦).
[ ٨٢ ]
الحالة الثانية: أن يكون الموظف أخذ هذه الهدية.
فحينئذ اختلف الفقهاء في كيفية تصرفه فيها، على قولين:
القول الأول: يحفظها؛ ليردها إلى المهدي، فإن تعذر ردها؛ لعدم معرفته بالمهدي أو بعد مكانه، فيضعها في بيت المال. وإليه ذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣).
واستدلوا لعدم أخذ الموظف هذه الهدية: أنه أخذها بغير حق، فأشبه المأخوذ بعقد فاسد، فلا تحل له (٤).
واستدلوا لحفظه لها إن جهل صاحبها: كي يردها عليه إذا عرفه؛ لأنها حينئذ كاللقطة المجهول ربها، فإن جاء ربها أعطاها إياه (٥).
واستدلوا لردها في بيت المال إذا تعذر الرد: أنها أهديت إلى الموظف بسبب عمله، وهو فيه نائب عن المسلمين، فكانت الهدايا من حيث المعنى لهم وليست له (٦).
_________________
(١) فتح القدير وشرح العناية ٧/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٣٩٣.
(٣) المغني ١٤/ ٦٠.
(٤) والمغني ١٤/ ٦٠ وينظر: فتح القدير والعناية ٧/ ٢٧٢، ٢٧٣ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٢.
(٥) فتح القدير والعناية ٧/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٦) المصدر نفسه ٧/ ٢٧٢.
[ ٨٣ ]
القول الثاني: لا يردها على باذلها، وإنما يجعلها في بيت مال المسلمين. وإليه ذهب المالكية (١) وذكره ابن قدامة احتمالًا في مذهب أحمد (٢).
واستدلوا: أن النبي - ﷺ - لم يأمر ابن اللُّتيبة ﵁ بردها إلى أربابها (٣)، فدل على عدم ردها لمهديها.
واعترض عليه: النبي - ﷺ - لم يأخذ الهدايا من ابن اللتبية ﵁ حتى يكون وضعها في بيت المال (٤).
ويمكن الرد عليه: يسلم هذا، لكن لعل النبي - ﷺ - أذن فيها لابن اللتبية ﵁ (٥) فتكون مما أذن فيه ولي الأمر، فتباح للموظف كما تقدم.
الترجيح: الراجح القول الثاني، توضع الهدايا في بيت المال، ولا ترد لأصحابها؛ وذلك لقوة دليل هذا القول؛ حيث
_________________
(١) ينظر: مواهب الجليل ٦/ ١٢٠، ١٢١ وفتح الباري ١٣/ ١٦٧.
(٢) المغني ١٤/ ٦٠.
(٣) المغني ١٤/ ٦٠ وفتح الباري ١٣/ ١٦٧، وينظر: أخبار القضاة ١/ ٥٩، ٦٠.
(٤) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٥.
(٥) ينظر: المصدر نفسه.
[ ٨٤ ]
استدل بدليل نقلي وارد في هدايا العمال غير المباحة.
ولأن النبي - ﷺ - لم يأمر عماله بأن يردوا على المهدين إليهم هداياهم، بل قال: «من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة» ثم قال للرجل الأسود، من الأنصار، الذي قال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال له: «وما لك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى» (١) إلا أن يقال: إن المراد بقليله وكثيره، ما كان متعلقًا بنفس العمل، والهدية ليست متعلقة به.
ولما روي عن عمر ﵁: أنه كان يحصي على عماله أموالهم عند استعماله لهم، ثم بعد إنهائهم العمل، يحصي أموالهم، ويشاطرهم ما زاد على رءوس أموالهم. وإنما لم يأخذ الزائد كله؛ لكونه قد يكون من تجارة ونحوها لا من هدية (٢).
ولما جاء أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ﵃ خرجا في جيش إلى العراق، فلما قفلا، مرَّا على أبي موسى
_________________
(١) صحيح، وتقدم تخريجه في صفحة الإهداء.
(٢) الذخيرة ١٠/ ٨١، وهذا الأثر عن عمر ﵁ سكت عنه الحافظ. التلخيص الحبير ٣/ ١٠٣٠.
[ ٨٥ ]
الأشعري ﵁ - وهو أمير بالبصرة - فرحب بهما وسهّل ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما به لفعلت. ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأُسلفكماه، فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما. فقالا: وددنا ذلك ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب: أن يأخذ منهما المال. فلما قدما، باعا فأربحا. فلما دفعا ذلك إلى عمر. قال: أكُلّ الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما! أديا المال وربحه. فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله، فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين: لو جعلته قراضًا. فقال عمر: قد جعلته قراضًا. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر، نصف ربح المال» (١).
ولكي يكون وضعها في بيت المال رادعًا لباذلها وآخذها، ولمن تسول له نفسه مثل فعلهما.
_________________
(١) الموطأ: ١٣٨٥، وإسناده صحيح. ينظر: التلخيص الحبير ٣/ ١٠٢٩.
[ ٨٦ ]