هذه الهدايا: ما يقدمها المهدي للموظف بعد ترشيحه للوظيفة، أو توليه لها؛ لقصد استمالة قلب الموظف في غير الحق حالًا أو مستقبلًا؛ وذلك ليقدمه هو أو من يشفع له على غيره، أو ليغض الطرف عنه فيما اشترطته جهة عمله، أو ليموه أو يخفي الحقيقة إن كان محققًا، أو ليحكم له بباطل إن كان حاكمًا كقاض ونحوه.
فهذه في ظاهرها قد تكون هدية، لكنها في باطنها رشوة ألبست ثوب الهدية، فيحرم على المهدي بذلها، ويحرم على الموظف قبولها، ويشتد تحريمها عليه إن علم بقصد المهدي (١).
وهي حرام في حق جميع الموظفين: الحاكم والقاضي
_________________
(١) ينظر: الهداية وفتح القدير ٧/ ٣٧١ والحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٣ والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ١٤٠ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٢ والمغني ١٤/ ٥٨، ٥٩ والنية وأثرها في الأحكام الشرعية ٢/ ٢٦٠ وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص٧٥.
[ ٣٧ ]
والعمدة ومديرو الدوائر ومشايخ الأسواق والحرف والبلدان ومباشرو الأوقاف وغيرهم من الموظفين.
لكنها في حق الحاكم والقاضي أعظم جرمًا من غيرهما (١)؛ لأنها للحاكم والقاضي؛ لأجل ولايتهما، وهي من مناصب النبوة، فلا تقابل بعوض. والهدية لهم تحدث تهمة تهين بمناصبهم، وتخل بهيباتهم، وتئول للخيانة فيهم وفي أتباعهم؛ فتختل المصالح (٢).
والحاكم منزلته عظيمة؛ فهو المؤمل بعد الله تعالى لدى رعيته في إسعادهم: بإقامة العدل، ونبذ الظلم، ونشر الأمن. فتنزهه عن هدايا رعيته وتعامله المالي معهم؛ أمر مطلوب شرعًا؛ فعن أبي الأسود المالكي (٣) عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - قال: «ما عدل والٍ اتجر في رعيته» (٤).
_________________
(١) فتح القدير ٧/ ٢٧٢ ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي ٨/ ٢٤٣ وفتاوى السبكي ١/ ٢١٥.
(٢) الذخيرة ١٠/ ٧٩، ٨٠ وينظر: الفتاوى الفقهية الكبرى ٤/ ٢٩٤، ٢٩٥.
(٣) لم أر تعريفًا به. وذكره الذهبي بلا تعريف به. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٩١.
(٤) الحاكم في الكنى. الجامع الصغير: ٧٩٤١ وقال السيوطي: حديث ضعيف. وقال الذهبي: قال أبو أحمد الحاكم: (ليس حديثه بالقائم) وذكر الحديث المذكور. ميزان الاعتدال ٤/ ٤٩١.
[ ٣٨ ]
والقضاة هم أمل الأمة، ومؤتمنوها في حفظ الحقوق والدفاع عنها، وهم القدوة لغيرهم من الموظفين في إنجاز الأعمال والإخلاص فيها؛ لما شرفهم الله تعالى من علم الشرع، والحكم بين الناس، والتوقيع فيه عن الشارع الحكيم (١).
والهدية للحاكم والقاضي من أحد المتخاصمين فيها إيذاء للخصم الآخر؛ بكسر قلبه، وذريعة للرشوة في الحكم عليه؛ لميل النفوس لمن أهدى إليها، فيندرج هذان - الحاكم والقاضي - في الذين اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا (٢)؛:
قال الماوردي (٣): «قضاة الأحكام، فالهدايا في حقهم أغلظ مأثمًا وأشد تحريمًا؛ لأنهم مندوبون لحفظ الحقوق على أهلها دون أخذها، يأمرون فيها بالمعروف، وينهون فيها عن المنكر، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) ينظر: فتاوى السبكي ١/ ٢١٦ وإعلام الموقعين ١/ ٣٦ - ٣٩.
(٢) الهداية ٧/ ٢٧٥ وشرح العناية ٧/ ٢٧٣ والذخيرة ١٠/ ٨٠ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٢ والمغني ١٤/ ٥٨، ٥٩.
(٣) أبو الحسين علي بن محمد الماوردي البصري الشافعي، ولد ٣٦٤هـ، له مصنفات كثيرة، منها: الحاوي الكبير، والأحكام السلطانية، توفي ٤٥٠هـ، مقدمة تحقيق الحاوي الكبير.
[ ٣٩ ]
الراشي والمرتشي في الحكم» (١) فخص الحكم بالذكر؛ لاختصاصه بالتغليظ» (٢) وروي عن مسروق (٣): «القاضي إذا أكل الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغ به الكفر» (٤).
والأصل في الهدايا للموظفين تحريم بذلها وقبولها (٥) فإن كان للشخص حق مرتبط إنجازه بموظف، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بدفع مال لهذا الموظف، فصبره وعدم دفعه أولى. فإن أبى الموظف إلا الدفع، فإنه يحرم على الموظف مماطلة صاحب
_________________
(١) الترمذي: ١٣٣٦ وقال: «حسن صحيح» سنن الترمذي ٥/ ١٦ وتقدم تخريجه بدون لفظ: «في الحكم».
(٢) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٦ وينظر: الذخيرة ١٠/ ٨٠. ولفظ الحاوي وقد روى أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لعن الله» وما ذكرته، هو في سنن الترمذي، وتقدم.
(٣) لم أقف على المراد به، ولعله ابن الأجدع؛ فهو المشهور، ابن مالك أبو عائشة الإمام العَلَم، مخضرم وأسلم في حياة النبي - ﷺ - ت٦٢هـ. ينظر: تقريب التهذيب ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣ وسير أعلام النبلاء ٤/ ٦٣ - ٦٩.
(٤) أخبار القضاة ١/ ٥٣. ومعنى: قبول الرشوة يبلغ الكفر. قيل: إن استحلها. وقيل: إنها طريق وسبب موصل إليه، كما قيل: المعاصي بريد الكفر. مغني المحتاج ٤/ ٣٩٢.
(٥) ينظر: ما سيأتي من كلام الغزالي في الهدية الأولى من هدايا القسم الثاني.
[ ٤٠ ]
الحق، وقبوله ما يدفعه إليه تجاهه؛ لأنه مرتشٍ.
أما البذل له من صاحب الحق، فللفقهاء في جوازه قولان:
الأول: يجوز البذل؛ لأن الباذل يدفع به الظلم عن نفسه، وهو جائز؛ لاستنقاذه حقه بذلك كما يستنقذ الرجل أسيره، وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
والثاني: يحرم البذل؛ لعموم حديث: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي (١).
تنبيه: ومن هذه الهدايا المحرمة بذلًا وقبولًا؛ ما يقدمه أصحاب المحلات التجارية والمستشفيات ونحوها لموظفيها؛ مقابل قيامهم بتغيير صلاحية المنتج، أو أسماء الشركات، أو طلب تحاليل من المرضى، أو ترويج أدوية (٢).
_________________
(١) فتح القدير ٧/ ٢٥٥ وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني ٧/ ٣١٣ ومواهب الجليل ٦/ ١٢١ ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣ والحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٣ والمغني ١٤/ ٦٠ وسبل السلام ٤/ ٢٥٠ ونيل الأوطار ١٠/ ٢٥٩ - ٢٦١. وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص٥٥ - ٦٢، وتقدم تخريج حديث: «لعن الراشي».
(٢) ينظر: ما سيأتي ص٦٨.
[ ٤١ ]