الأفضل للموظف عدم قبوله هذه الهدايا لا سيما في بلدة وظيفته ومن أهلها؛ وذلك بعدًا عن التهمة لدينه وعرضه (١)؛:
قال ابن حبيب (٢): «لم يختلف العلماء في كراهتها إلى السلطان والقضاة والعمال وجباة الأموال» (٣).
وهذه الهدايا، ست عشرة هدية:
الهدية الأولى: الهدية لرسول الله - ﷺ -
تجوز الهدية لرسول الله - ﷺ - وهي من خصوصياته (٤)؛:
قال الماوردي: «فإن قيل: قبل رسول الله - ﷺ - الهدايا من المسلمين وغيرهم من ملوك الأقطار وقال: «لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» (٥) قيل عنه ثلاثة أجوبة:
_________________
(١) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨١ ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٤.
(٢) أبو مروان عبد الملك بن حبيب الأندلسي المالكي، له عدة مؤلفات في الحديث والفقه والأدب، ت٢٣٩هـ تقريب التهذيب ٢/ ٥١٨ والأعلام ٤/ ١٥٧.
(٣) الذخيرة ١٠/ ٨٠ وفتاوى السبكي ١/ ٢١٥.
(٤) الذخيرة ١٠/ ٨١، ٨٢ والدر المختار ٥/ ٣٧٢.
(٥) البخاري: ٥١٧٨.
[ ٥٨ ]
أحدها: أن الله تعالى قد ميزه عن الخلق؛ فقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] والثاني: إنه - ﷺ - كان يكافئ على الهدايا والثالث: إنه - ﷺ - بعيد عن الميل، منزه عن الظنة، ظاهر العصمة، فامتنع أن يقاس بغيره» (١).
وقال القرافي: «إن عظم منصبه - ﷺ - أوجب الفرق المنة لرسول الله - ﷺ - على الداعي، جزمًا، والأمر فينا بالعكس، إنما ندعى؛ لتكون المنة علينا، وذلك هوان بنا، وعز به - ﷺ - فحصل الفرق» (٢).
وقال ابن عبد البر: «وليس النبي - ﷺ - في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار يكون له دون سائر الناس، ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصة دون سائر المسلمين بإجماع من العلماء؛ لأنها فيء لمن سمى الله في آيات الفيء» (٣).
_________________
(١) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٢، وفيه (طاهر العصمة) بالطاء، ولعل الصواب (ظاهر) بالظاء. كما أثبته.
(٢) الذخيرة ١٠/ ٨٢.
(٣) الاستذكار ١٤/ ١٩٩، ٢٠٠.
[ ٥٩ ]
وقال محمد بن الحسن: «إذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند بهدية، فلا بأس أن يقبلها، ويصير فيئًا للمسلمين ؛ لأنه ما أهدي إليه بعينه بل لمنعته، ومنعته للمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين، وهذا بخلاف ما كان لرسول الله - ﷺ - من الهدية؛ فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فلهذا كانت الهدية له خاصة» (١).
الهدية الثانية: الهدية للسلطان ممن لم يهد له قبل توليته، ولا يريد منه وظيفة في الدولة، ولا مجازاته على جميل قام به للمهدي.
تباح هذه الهدية؛ لأنها لجاه السلطنة. لكن وإن كافأ السلطان عليها، صارت له (٢) أما إن لم يكافئ عليها، فهل يردها أو يقبلها لبيت المال؟ سيأتي في كيفية التصرف في الهدية.
الهدية الثالثة: هدية أهل الحرب للسلطان:
يباح للسلطان قبول هذه الهدية؛ لأنه يحل له استباحة
_________________
(١) شرح كتاب السير الكبير ٤/ ١٢٣٧، ١٢٣٨.
(٢) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٤.
[ ٦٠ ]
أموالهم. لكن لمن تكون؟ يختلف باختلاف القصد منها، وهو لا يخلو من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تكون الهدية لمودة سابقة بين السلطان وبين المهدي، وليست لكونه سلطانًا، فالهدية تكون للسلطان.
الأمر الثاني: أن تكون لأجل سلطانه، فالهدية لبيت المال؛ لأن سلطانه بالمسلمين فكانوا أحق بها.
الأمر الثالث: أن تكون الهدية لحاجة، فإن كان السلطان يقدر عليها بغير سلطانه فهو أحق بها، وإلا فالبيت مال المسلمين؛ لأن سلطانه بهم، فكانوا أحق بها (١).
الهدية الرابعة: هدية الأعداء المحاربين لأمير جيش محاربيهم أو لأحد عسكره.
تباح هذه الهدية لمن أهديت إليه؛ لأنه يباح في حالة الحرب أن يستولي على أموال الأعداء المحاربين. لكن إن أهديت لأمير الجند، فهي غنيمة لسائر الجند أو فيئًا للمسلمين؛ لأن قوة هذا الأمير بهم وليس بنفسه (٢).
_________________
(١) المصدر نفسه ١٦/ ٢٨٢.
(٢) شرح كتاب السير الكبير ٤/ ١٢٣٧ والمغني ١٤/ ٥٨ والقواعد ص٣٤٨.
[ ٦١ ]
وإن أهديت لأحد الجند، فهي له؛ لأن الهدية لمثله لا تكون على وجه الخوف منه أو طلب الرفق به. وإن كانت لذلك، فقوة الجندي بنفسه لا بغيره، فكانت الهدية له (١).
الهدية الخامسة: الهدية للموظف ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، ولم يقصد بها استمالة قلبه، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة؛ لقرابة ونحوها، ولم تزد الهدية بعد الوظيفة فوق المعتاد إلا بزيادة مال المهدي:
تباح هذه الهدية؛ لانتفاء الاتهام فيها بالرشوة، ولعدم المجازات بها على عمل (٢) ولما روي أن زيد بن ثابت ﵁ كان يهدي لعمر بن الخطاب ﵁ لبنًا فيقبله، حتى اقترض زيد مالًا من بيت المال، وأهدى اللبن، فرده عمر، فقال زيد: لم رددته؟ فقال: لأنك اقترضت من بيت المال مالًا، فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك، فرد المال، وأهدى
_________________
(١) شرح كتاب السير الكبير ٤/ ١٢٣٨.
(٢) فتح القدير ٧/ ٢٧٢ والدر المختار ورد المختار ٥/ ٣٧٤، ٣٧٥ والذخيرة ١٠/ ٨٠ ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٢، ٢٤٣ ومغني المحتاج ٤/ ٢٩٢ والمغني ١٤/ ٥٨، ٥٩.
[ ٦٢ ]
اللبن، فقبله (١).
فعمر ﵁ رد اللبن على زيد ﵁ حين كان لزيد حاجة عنده، مع أن زيدًا كان قبل ذلك يهديه إليه، ولم ينكر زيد على عمر رده لهديته، ولم يرد عمر هدية زيد بعد إرجاعه المال، فدل على جواز هذه الهدية.
وعند المالكية وجه: يكره قبول هذه الهدية (٢) وعند الشافعية وجه: لا يحل للموظف قبول هذه الهدية (٣).
وذلك خشية أن تحدث للمهدي حاجة ينسب بها الموظف إلى الممايلة للمهدي (٤).
ويمكن الرد على هذا الوجه، بما استدل به للقول الأول، وما سيأتي في دليل القول بإباحة الهدية السادسة.
_________________
(١) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٣، ولم أعثر عليه فيما اطلعت عليه من كتب الآثار.
(٢) الذخيرة ١٠/ ٨٠.
(٣) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٦.
(٤) الذخيرة ١٠/ ٨٠ والحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٦.
[ ٦٣ ]
الهدية السادسة: الهدية للموظف ممن لا يُقبل له حكمه لو كان قاضيًا كولده، أو من ذي رحمه المحرم كأخيه، ولم يكن يهدي للموظف قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف.
تباح هذه الهدية؛ لعدم دخول الظنة بها؛ للشدة الداخلة والمنافية بين الموظف والمهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل قلبه أكثر من حرمة الهدية (١).
الهدية السابعة: الهدية للموظف من صاحب الهدية السادسة، لكن له حاجة عند الموظف تتعلق بوظيفته.
اختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية، على قولين:
القول الأول: لا يباح للموظف قبولها، وإليه ذهب الحنفية في قول (٢).
واستدلوا: هذه هدية تلحق التهمة؛ بطلب المهدي ميل الموظف إليه في حاجته المتعلقة بوظيفته (٣).
_________________
(١) الهداية وفتح القدير ٧/ ٢٧١ وبدائع الصنائع ٧/ ٩ والذخيرة ١٠/ ٨٠ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٢.
(٢) فتح القدير ٧/ ٢٧١، ٢٧٢ وبدائع الصنائع ٧/ ٩.
(٣) بدائع الصنائع ٧/ ٩.
[ ٦٤ ]
القول الثاني: يباح للموظف قبول هذه الهدية، وإليه ذهب الحنفية في قول (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣).
واستدلوا: هذه الهدية لا تدخل بها الظنة على الموظف؛ للشدة الداخلة والمنافية بينه وبين المهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل القلب أكثر من حرمة الهدية، فهي لصلة الرحم بينهما (٤).
الترجيح: الراجح، القول الأول عدم إباحة هذه الهدية للموظف؛ وذلك لقوة دليله. ولما تقدم في هدايا القسم الثاني من كلام الغزالي في الأولى منها، والشوكاني في الرابعة، ولأن هذه الهدية لو كانت لصلة الرحم، لقدمت قبل الوظيفة، وقبل أن تكون حاجة عنده، وجمع الرحم من الحرمة أكثر من الهدية، هذا صحيح لو سلمت الذمم من الميل بغير الحق لمن أحسن إليها. نعم لو كان هذا القريب لا يهدي للموظف قبل توليته؛ لكونه فقيرًا، ثم استغنى بعد ذلك فأهدى، لأبيحت هديته كما
_________________
(١) الهداية وفتح القدير ٧/ ٢٧١، ٢٧٢.
(٢) الذخيرة ١٠/ ٨٠.
(٣) مغني المحتاج ٤/ ٣٩٢.
(٤) رد المحتار ٥/ ٣٧٤ الذخيرة ١٠/ ٨٠ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٢.
[ ٦٥ ]
تقدم (١).
الهدية الثامنة: الهدية المأذون بها للموظف من ولي الأمر:
إذا أذن ولي الأمر للموظف بقبول الهدية، فإنه يباح له أخذها (٢).
ويدل على هذا، دليلان:
الدليل الأول: عن معاذ ﵁ قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فقال: «أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول» (٣).
فالهدية للموظف تكون غلولًا إن كان بغير إذن الإمام، أما إن كانت بإذنه فليست غلولًا، بل مباحة.
الدليل الثاني: عن معاذ ﵁: أنه قدم من اليمن فرأى عمر ﵁ عنده غلمانًا قال: ما هؤلاء؟ قال: أصبتهم في وجهي
_________________
(١) في الهدية الثانية من هدايا القسم الثاني.
(٢) فتح الباري ١٣/ ١٦٧.
(٣) الترمذي وقال: (حديث حسن غريب): ١٣٣٦ وسكت عنه ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ١٦٧.
[ ٦٦ ]
هذا. قال عمر: من أي وجه؟ قال: أهدوا إلي، وأكرمت بهم. فقال عمر: أذكرتهم لأبي بكر؟ فقال معاذ: ما ذكري لأبي بكر. ونام معاذ فرأى كأنه على شفير النار، وعمر آخذ بحجزته من ورائه؛ أن يقع في النار ففزع معاذ، فذكره لأبي بكر ﵁ فسوغه له أبو بكر. فقال عمر: هذا حين حل وطاب (١).
فعمر ﵁ أنكر على معاذ ﵁ عدم إخباره أبا بكر ﵁ بهداياه التي جاءته أثناء عمله في اليمن، وأبو بكر سوغها لمعاذ حين أخبره بها، فدل على جواز الهدية للعامل بإذن الإمام.
ويدخل في هذه الهدية: الهدايا التي يقدمها للموظف أصحاب الحاجات على سبيل إكرامه، وأذن له فيها رئيسه في العمل، وكان رئيسه مأذونًا له بذلك ممن ولاه هذه الرئاسة، أو أعطاه صلاحية بما يراه من مصلحة العمل، ورأى هذا الرئيس أن من مصلحة العمل الإذن للموظف بأخذ هذه الهدية؛ مكافأة له على جهوده في خدمة العمل، وأمانته واحترامه لأنظمة العمل وللمراجعين. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) فتاوى السبكي ١/ ٢١٣، ٢١٤ وعزاه إلى مسند أحمد، ولم أعثر عليه في وإنما في الطبقات الكبرى ٣/ ٥٨٨.
[ ٦٧ ]
الهدية التاسعة: الهدية للموظف من الأعلى منه في وظيفته
هذه الهدية يباح بذلها من الأعلى من الموظف كرئيسه والسلطان، ويباح للموظف قبولها، لكن بشرطين: أن تكون معتادة لمثل الموظف، وأن لا يتغير قبل الموظف عن التصميم عن الحق (١).
وذلك؛ لانتفاء التهمة بالرشوة؛ حيث إن مراعاة الموظف للأعلى منه في وظيفته أو للسلطان، لا تكون بهديتهم إليه، بل بالمركز والقوة المستمدة من نفوذ مراكزهم (٢).
وبه يتبين جواز الهدايا التي تقدمها الدوائر الحكومية والمؤسسات لبعض موظفيها.
تنبيه: الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم مقابل تغيير تاريخ صلاحية المنتجات ونحوها.
الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم، إنما تباح إذا لم تكن مقابل عمل محرم، فإن كان في مقابله، لم يحل بذلها ولا قبولها. وبه يتضح تحريم الهدايا المقدمة للموظفين من مسئوليهم في
_________________
(١) نهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣.
(٢) رد المحتار ٥/ ٣٧٤ وجريمة الرشوة في الشريعة ص٧٦.
[ ٦٨ ]
المحلات التجارية والمؤسسات الخاصة ونحوها؛ مقابل قيامهم بتغيير تاريخ صلاحية المنتجات، أو تغيير أسماء شركات التصنيع، أو بترويج أدوية، أو طلب تحاليل ونحوها لا يحتاج إليها المرضى بل قد تضرهم، فهذه الأعمال محرمة، والهدايا عليها من الرشوة المحرمة؛ لأنها مقابل عمل محرم، ومن قبيل التعاون على الإثم والعدوان. والله تعالى أعلم.
الهدية العاشرة: الهدية للموظف بعد تركه الوظيفة
إذا ترك الموظف وظيفته، لانتهاء فترتها، أو استقالته منها، ثم قدمت له هدايا من إدارة عمله أو غيرها، أفرادًا كانوا أو جهات. فإنه يباح بذلها وقبولها (١)؛ وذلك لحديث ابن اللتبية ﵁ من قول رسول الله - ﷺ -: «فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له» (٢).
ووجه: أن الموظف إذا ترك العمل، يكون قد جلس في بيت أبيه وأمه، فإذا أهدي إليه حينئذ؛ جازت؛ لانتفاء الريبة بالرشوة (٣).
_________________
(١) إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٤.
(٢) صحيح، وتقدم.
(٣) إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٤ وينظر: رد المحتار ٥/ ٣٧٤ وفتح الباري ٥/ ٢٢١ و١٣/ ١٦٧.
[ ٦٩ ]
وعلى هذا: تباح الهدايا التي تقدم لبعض الموظفين عند تقاعدهم، ولو كانت من المراجعين لهم في عملهم. والله تعالى أعلم.
الهدية الحادية عشرة: الهدية على وجه إكرام العلم والصلاح، المقدمة للمفتي والواعظ وإمام المسجد والمعلم الذي لا علاقة له باختبار الطالب ودرجاته
هذه الهدية يباح بذلها وقبولها (١)؛ لانتفاء الريبة بالرشوة؛ بانتفاء ما يدعو إليها؛ لأن الحامل للإهداء إلى هؤلاء معنى خاص فيهم، هو إكرام العلم أو الصلاح الذي اتصفوا به، ولأن هؤلاء لا يرجى منهم جاه ولا عون على خصم (٢) ولا يطلب منهم الحكم بإبطال حق، أو إحقاق باطل؛ لعدم أهلية الإلزام فيهم؛ فليس لهم أمر في الحكم في خصومة، أو سلطة في تنفيذ حكم، أو قهر وتسلط على من دونهم، أو في تقدير المقدرات
_________________
(١) رد المحتار ٥/ ٣٧٣ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٣ وكشاف القناع ٦/ ٣٠١، ٣١٧ وينظر: شرح كتاب السير الكبير ٤/ ١٢٣٩ وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٢١٩ ومواهب الجليل ٦/ ١٢١ وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص٧٤، ٧٥.
(٢) الشرح الكبير ٤/ ١٤٠.
[ ٧٠ ]
من زكاة وأرش جناية (١).
فإن كانت الهدية للمفتي ونحوه ليست على وجه الإكرام، وإنما لجاه الوظيفة، أو لحثهم على القيام بعملهم، أو لتحقيق شيء منهي عنه، حالًا أو مستقبلًا، فإنها تدخل في الهدايا المنهي عنها، فإن علم المهدي إليه بهذا القصد، لم يجز له قبولها (٢).
تنبيه: الهدية للمفتي والواعظ والمعلم في المسجد الموظفين من قبل ولي الأمر أو غيره
من وظفته الدولة أو غيرها من المفتين والواعظين والمعلمين الذين ليس لهم علاقة بدرجات الطلاب ونجاحهم كالمدرسين في الحرمين الشريفين ونحوهما من المساجد، لا يشملهم النهي عن الهدايا في حديث: «من استعملناه» (٣)؛ لأن العلماء أطلقوا إباحة الإهداء إلى هؤلاء، دون تقييده بمن لم توظفه الدولة (٤) ولأن العلة في منع الإهداء للموظف؛ ذات الوظيفة، وخشية التهمة بالرشوة، وهؤلاء يهدي إليهم ليس لذلك كما تقدم في
_________________
(١) رد المحتار ٥/ ٣٧٣ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٣.
(٢) رد المحتار ٥/ ٣٧٣ ومواهب الجليل ٦/ ١٢١ وإعلام الموقعين ٤/ ٢٣٢.
(٣) جزء من حديث صحيح تقدم تخريجه.
(٤) ينظر: رد المحتار ٥/ ٣٧٣ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٣.
[ ٧١ ]
الدليل للهدية الحادية عشرة. والله تعالى أعلم.
فإن عملوا أن هذه الهدايا إنما هي لإكرامهم؛ إجلالًا للعلم والصلاح، فالأفضل لهم قبولها (١)؛ لأن باذلها يتقرب بها إلى الله تعالى، وفي قبولها تعاون على البر والتقوى. أما إن علموا أنها ليست لذلك وإنما مقابل ما يحصل منهم من عمل، فالأفضل لهم عدم قبولها؛ وذلك لتكون أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولدفع الريبة عن أعراضهم وكسبهم. والله تعالى أعلم.
الهدية الثانية عشرة: ضيافة الموظف المسافر المجتاز في بلد وظيفته، ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، أو كان الموظف قد أنهى حاجة مضيفه.
هذه الضيافة: يجوز بذلها، وقبولها (٢).
ويمكن الاستدلال لهذه: الضيوف يستوون في هذه الضيافة، فليس فيها مجازاة للموظف على حاجة للمضيف قضاها بجهة وظيفته، ولانتفاء الاتهام بالرشوة؛ لكون هذه الضيافة إما لعدم الحاجة في وظيفة العامل، أو بعد إنهائها.
_________________
(١) حاشية رد المحتار ٥/ ٣٧٣ ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣، ٢٤٤ ومغني المحتاج ٤/ ٣٩٣.
(٢) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٧.
[ ٧٢ ]
الهدية الثالثة عشرة: نزول الموظف المسافر ضيفًا في غير بلده
يباح للموظف قبول هذه الضيافة إن كان عابر سبيل في هذه البلدة، ويكره إن كان مقيمًا فيها (١).
ويمكن الاستدلال لهذا: إباحتها إن كان الموظف عابرًا؛ بانتفاء التهمة بالرشوة؛ لأنه صار في حق الضيافة كسائر المسلمين العابرين، فلا منة فيها، ولا سبيل بها للتهمة بالرشوة؛ من وجود الحاجة أو بلد الوظيفة.
أما كراهيتها للمقيم؛ فلعدم الأحقية له في الضيافة حينئذ، ولخشية حدوث حاجة للمضيف تتعلق بالوظيفة.
الهدية الرابعة عشرة: الهدية للموظف من غير أهل بلد الوظيفة، ويرسلها المهدي إلى بلد الوظيفة، وليس للمهدي حاجة عند الموظف تتعلق بالوظيفة.
للشافعية ي قبول الموظف هذه الهدية وجهان:
أوجههما: الحرمة (٢).
ويمكن الاستدلال لها: أنه يخشى أن تحدث حاجة
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣.
[ ٧٣ ]
للمهدي، فتكون هذه الهدية من الرشوة.
الوجه الثاني: يجوز قبولها، والأولى عدم قبولها (١).
وهذا هو الأرجح؛ لأن الأصل في الهدية الإباحة، وليست هذه من الهدايا الممنوع منها الموظف؛ خشية التهمة بالرشوة، أو المجازاة على عمل واجب. والله تعالى أعلم.
الهدية الخامسة عشرة: الهدية للموظف في غير بلد الوظيفة، من أهل بلده أو غيرهم.
هذه الهدية: يباح للموظف قبولها ما لم يشعر أنها مقدمة لحاجة في وظيفته (٢).
وذلك؛ لدخولها في عموم إباحة الهدية، وعدم ما يمنعها.
لكن تنزهه عنها، أولى (٣)؛ خشية أن تكون لأجل الوظيفة، وهي مما لا يجوز التكسب بها.
أما إن شعر أنها قدمت لحاجة في وظيفته، فيحرم عليه قبولها؛ كما تقدم.
_________________
(١) ينظر: فتح القدير ٧/ ٢٧١.
(٢) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٦ ونهاية المحتاج ٨/ ٢٤٣.
(٣) الحاوي الكبير ١٦/ ٢٨٦، ٢٨٧.
[ ٧٤ ]
الهدية السادسة عشرة: الهدية للموظف من زميله في عمله الذي تعرف عليه فيه، أو مُراجع في العمل صارت بينهما صداقة؛ لكثرة مراجعته.
تحصل أحيانًا ألفة بين موظف وزميله في العمل، أو بينه وبين مراجع له، وذلك لحسن التعامل المباح بينهما، فيبذل الزميل أو المراجع هدية لهذا الموظف؛ تحببًا وتوددًا إليه وإكرامًا له، لا بقصد الوظيفة، وليس للمهدي عند الموظف حاجة تتعلق بالوظيفة.
وهذه الهدية: أرجو أن يكون بذلها وقبولها مباحين (١).
وذلك؛ لعدم التهمة فيها بالرشوة، ولأن هذا الموظف لو ترك وظيفته، لن تذهب صداقته مع هذين الصديقين، ولأن حسن تعامل الموظف، خُلقٌ له - ومن لوازمه الأمانة في العمل - وكسبه الهدية كان بخلقه لا بالوظيفة، ولو كان بالوظيفة لأهدي لغيره من الموظفين الذين لا يحسنون التعامل مع الآخرين ولا إحداث الصداقة معهم. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ينظر: إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٣.
[ ٧٥ ]