الرشوة من المكاسب المحرمة، والمتوعد عليها بلعنة الله تعالى، وفيها أضرار عظيمة، ومفاسد وخيمة على الفرد والمجتمع؛ فهي مما يخل بأمن المجتمع وسعادته؛ بينما الإسلام يؤكد الأخوة والأمانة بين المسلمين؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
* ومما تعنيه الأُخوة: التعاون على قضاء حاجات الإخوان بأمانة، وبدون رشوة؛ عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (١)، والمؤمن لا يحب أن تقضى حاجته برشوة، فكيف هو لا يقضي حاجة أخيه إلا بها!
وبينما يأمر الإسلام بالعزة وعلو النفس والكرامة، وبأسباب المحبة بين المسلمين من التزاور والتواضع، ومن التعاون بالهدية والصدقة والشفاعة الحسنة وقضاء الحاجات والنصح لهم وأداء الأمانة، ويحرم عليهم القطيعة والخيانة والغش
_________________
(١) البخاري: ١٣.
[ ٢٢ ]
بينهم. تأتي الرشوة مناقضة لذلك، فتفسد الخلق؛ روي عن كعب (١): «الرشوة تسفه الحليم، وتعمي عين الحكيم» (٢)، وتحدث في المجتمع القهر والحقد في النفوس، وتنتشر العداوة والظلم والأنانية؛:
* قال الطريقي: «والرشوة من أهم العوامل التي تنشر الفساد، وتضيع الحقوق، وتنصر الظالم على المظلوم ولأن أخذ الرشوة، خيانة لهذه الأمانة - أمانة الوظيفة - وفيه غش وخديعة للأمة» (٣).
* وقال القرضاوي: «ولا غرابة في تحريم الإسلام للرشوة، وتشديده على كل من اشترك فيها، فإن شيوعها في مجتمع،
_________________
(١) لم أقف على المراد به. ولعله كعب الأحبار؛ فهو المشهور. ابن مانع الحميري، العلامة الحبر، كان يهوديًا فأسلم، مخضرم، روى عن جمع من الصحابة، وروى عنه جمع منهم ﵁ مات في خلافة عثمان ﵁ ينظر: تقريب التهذيب ٢/ ١٣٤، ١٣٥، وأخبار القضاة ١/ ٥٥، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩ - ٤٩٤.
(٢) فتاوى السبكي ١/ ٢١٤ والمغني ١٤/ ٦٠، ولم أقف على هذا الأثر في مظانه من كتب الحديث والسير. وعه: «هذه الرشوة أخذها يطمس البصر، ويطبع القلب» أخبار القضاة ١/ ٥٥.
(٣) جريمة في الرشوة في الشريعة الإسلامية ص١٥٣.
[ ٢٣ ]
شيوع للفساد والظلم: من حكم بغير حق، أو امتناع عن الحكم بالحق، وتقديم من يستحق التأخير، وتأخير من يستحق التقديم، وشيوع روح النفعية في المجتمع، لا روح الواجب» (١).
* والنفعية: تقديم الشخص منفعة نفسه على ما يجب عليه من نفع غيره. فيصير الموظف لا يقوم بحقوق غيره الواجبة عليه بطريق وظيفته مقابل راتبه، بل مقابل انتفاعه بما يتقاضاه منهم من رشوة أو هدية محرمة؛ فيكون كل من الموظف والباذل له قد عملا لمنفعتهما لا للمصلحة العامة، بل على حسابها! فيضران غيرهما، ويحدثان في المجتمع الأنانية التي هي من أوائل أسباب الفساد فيه.