الهدية مندوب إلى بذلها؛ فقد أمر بها الشارع الحكيم وحث عليها (٢) وإن كانت قليلة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» (٣).
وجاء في فضل الهدية نصوص كثيرة، منها: عن أبي هريرة
_________________
(١) ينظر: إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٢ - ١٥٤ وفتاوى السبكي ١/ ٢١٤ وفتح الباري ٥/ ١٩٧، ٢١٠ والمغني ٨/ ٢٥٠ والنهاية في غريب الحديث ٣/ ٣٨٠.
(٢) المغني ٨/ ٢٤٠.
(٣) البخاري: ٢٥٦٦. والفرسن - بكسر الفاء وفتح السين -: عُظيم قليل اللحم، وهو للبعير: موضع الحافر. ويطلق على الشاة، مجازًا، وجمعه فراسن. المصباح المنير ص٤٦٨ وفتح الباري ٥/ ١٩٨.
[ ١٦ ]
﵁ عن النبي - ﷺ - قال: «تهادوا تحابوا» (١).
ودل الإجماع على استحبابها (٢).
ولما يترتب عليها من الآثار والمعاني الاجتماعية الحسنة؛ فهي تئول إلى التوسعة على الآخذ، ونفي الشح عن نفس الباذل (٣) وهي وسيلة للإكرام والإجلال كالهدية للوالد والعالم، وللتلطف والتودد كالهدية للزوج والقريب والصديق والجار، وللمكافأة على فعل معروف أو دفع ضر ممن لا يجبان عليه بعمل في ولاية لسلطان ونحوه (٤).
وكل هذه الأمور حث عليها الإسلام، ومن مقاصده العظام، وطرقه القويمة في تأليف المجتمع الذي امتن الله سبحانه عليه بالألفة؛ في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
_________________
(١) البخاري في الأدب المفرد: ٥٩٤، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. التلخيص الحبير ٣/ ١٠٤٧.
(٢) مغني المحتاج ٢/ ٣٩٦.
(٣) كشاف القناع ٤/ ٢٩٩.
(٤) ينظر: إحياء علوم الدين ٢/ ١٥٣ والتعيين وأثره في العقود المالية ص٣٩٩، ٤٠١، ٤١٥ وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص٦٨ - ٧٥.
[ ١٧ ]
بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣].
والهدية وسيلة للتآلف؛ لأنها تجلب المحبة بين المتهادين، وتؤلف بينهم إذا تنافروا (١) والمحبة بين المسلمين وعدم تنافرهم، طريقان لأمنهم وسعادتهم في الدنيا، وفوزهم بالجنة في الآخرة؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (٢) فإذا كانت الهدية بالسلام تفعل هذا، وهي مجرد كلام، فكذا الهدية بالمال تفعل مثله أو أكثر!
وقبول الهدية فيه إدخال للسرور على باذلها؛:
* قال الخطابي: «قبول النبي - ﷺ - الهدية، نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق؛ يتألف به القلوب وكان أكل الهدية شعارًا له - ﷺ - وأمارة من أماراته، ووصف - ﷺ - في الكتب المتقدمة: بأنه يقبل الهدية» (٣).
_________________
(١) ينظر: تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية ص/٥٥ - ٩٩.
(٢) مسلم: ٥٤.
(٣) معالم السنن ٣/ ١٦٨.
[ ١٨ ]
فيستحب قبولها؛ ويكره ردها؛ فعن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «لا تردوا الهدية» (١).
وتمتلك ويباح التصرف فيها؛ قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].
ففي الآية دلالة على إباحة قبول الهدية؛ لأن الله تعالى أمر الزوج بأكل ما طابت به نفس امرأته مما أعطته من مهرها، ووصفه بأنه هنيئًا مريئًا (٢) وهو منها لزوجها هدية. وهذان: الأمر والوصف، من أقوى الأدلة على إباحة قبول الهدية.
ويكره قبول الهدية إذا ترتب عليها ما يناقض القصد الذي شرعت له؛ لأن المقاصد في العقود معتبرة (٣).
ويجب ردها إن علم أنها بذلت بغير طيب نفس؛ لما روى أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل: ٨٣٨٣. وصححه الألباني. إرواء الغليل ٦/ ٥٩.
(٢) ينظر: تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية ص٥٥ - ٩٩.
(٣) ينظر: فتح الباري ٥/ ٢٠٣، ٢٢١ والنية وأثرها في الأحكام الشرعية ٢/ ٢٦٢ والقواعد ص٣٤٨.
[ ١٩ ]
بطيب نفسه» (١) أو كانت مما لا يحل للمهدي أخذه (٢).
ويباح ردها إن كان باذلها منانًا؛ دفعًا للمنة.
وتستحب المكافأة على الهدية (٣) ولو بأقل منها؛ فعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها» (٤) وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أهدى إليكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه» (٥).
والأفضل أن تكون المكافأة على الهدية بأعلى منها وإلا فبمثلها (٦)؛ وصدق الله العظيم: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل: ٢٠٩٧١ والدارقطني ٣/ ٢٦. وصححه الألباني إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩.
(٢) فتح الباري ٥/ ٢٢١ والفتاوى الكبرى الفقهية ٤/ ٣١٠ ومنار السبيل إلى شرح الدليل ٢/ ٢٥.
(٣) ينظر: معالم السنن ٣/ ١٦٨ وذكر قولًا: بوجوب المكافأة.
(٤) البخاري: ٢٥٨٥.
(٥) الحاكم ١/ ٤١٢ وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي.
(٦) ينظر: فتح الباري ٥/ ٢١٠.
[ ٢٠ ]