إنّ اشتراط الذكوريّة في وليِّ النِّكاح من أهمِّ مسائل الولاية في النِّكاح؛ إذ هو أهمُّ مميزاته عن عقود المعاملات؛ ولذلك فقد اشتهر في كتب الخلاف أنَّه إذا أطلق الوليّ في النكاح فإنّما يقصد به الذَّكر لا الأنثى، وكذلك إذا أطلقت الولاية في النكاح فإنّما يقصد بها الولاية على الإناث، لا على الذكور، وعلى هذا فقد اشتهر في كتب الخلاف أنَّ الولاية في النكاح شرط عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة ﵀، مع أن الإمام أبا حنيفة - ﵀ - يقول كغيره من الفقهاء باشتراط الولاية في النِّكاح على الصغار، والمجانين، والأرقّاء مطلقا ذكورًا وإناثًا.
ولأنَّ الرجال الأحرار المكلّفين لا ولاية عليهم في النكاح، ولا في غيره إجماعًا. إلاّ ما قيل في المحجور عليه لسفه، وإنّما الخلاف المشتهر إنّما هو في الولاية على الحرة المكلّفة، ولهذا فقد أفردت لهذه المسألة أوّل فصل في هذه الرسالة١، وقد تقدَّم فيه من التفصيل والتدليل ما يكفي ويشفي، بحمد الله.
ولمّا كان القول باشتراط الذكوريّة في وليّ النكاح أخصّ في رأي بعض الفقهاء من القول باشتراط الولاية في النكاح، بينما هو فرع على مذهب الجمهور عن ثبوت تلك الولاية على الحرة المكلّفة، ناسب أن
_________________
(١) ١ أي بعد الفصل التمهيدي.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
نذكر هنا الفرق بين إنكاح المرأة نفسها، وولايتها على غيرها، من خلال ما تبيَّن لنا من هذا البحث وهو:
أوّلًا: يتَّفق الأئمة الثلاثة- أعني مالكًا والشافعيَّ وأحمد - وكذلك أهل الظاهر على أنَّ المرأة لا تزوّج نفسها، ولا ولاية لها في النكاح على غيرها، إلاّ ما روي عن الإمام أحمد ﵀ من أنَّ للمرأة أن تزوّج أمتها، وقد خرّج بعض أصحابه عليها قولًا له بصحة عبارة النِّساء في النكاح، ولو صحَّت هذه الرواية لكانت قاصرة على ما ذكر، فكيف وهي محتملة أن يكون الإمام أحمد ﵀ قد قصد بها حكاية مذهب غيره، كما قاله ابن قدامة رحمه الله١.
وأمَّا ما اشتهر عن الإمام مالك ﵀ من أنَّ الولاية في النكاح شرط في الشريفة دون الدنيئة، وكذلك ما ذهب إليه داود الظاهري من اشتراط الولاية في البكر دون الثيّب، فليس معنى ذلك أنّه يجوز للدنيئة أو الثّيب أن تنكح نفسها، وإنّما معناه عندهم: أن توكِّل رجلًا، مسلمًا، عدلًا، فينكحها، كما سبق بيانه في محلِّه٢.
_________________
(١) ١ انظر: المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٩والشرح ٤٢١)، وتقدم نقل نصّ كلامه هذا في ولاية المرأة على أمتها (ص١٣) في مبحث تزويج الأسياد أرقّاءهم". ٢ انظر مذهب الإمام مالك هذا (١/٢٣٩) . ومذهب داود الظاهري (١/٢٣٧) .
[ ٢ / ٢٠٨ ]
ودليل الأئمة هنا في اشتراط الذكوريَّة في وليّ النكاح هو نفس أدلّة اشتراط الولاية في نكاح الحرّة المكلّفة التي سبق بيانها في أوّل فصول هذه الرسالة وأصرحها لهذه المسألة حديث أبي هريرة المرفوع "لا تُنْكِح المرأةُ المرأةَ، ولا تُنْكِح المرأةُ نفسَها"١.
ثانيا: يصحُّ للمرأة عند المالكية أن تكون وكيلة في النكاح، أو وصيّة عليه٢.
مع أنَّه لا يختلف القول عن الإمام مالك وأصحابه في أنَّ النِّساء لا يباشرن عقده لا لأنفسهنَّ ولا لغيرهنَّ من النِّساء٣، وإنَّما تقوم الوكيلة أو الوصيَّة بالتمهيد للنكاح، ثم توكِّل رجلًا ليعقد، ولا يخفى أنَّ تمهيد النِّساء للنِّكاح مما لا مشاحّة فيه، وقد كان وما زال للنِّساء مشاركة فيه لأنفسهنَّ ولغيرهنَّ، وإنَّما الشأن في العقد الذي تستباح به الفروج.
ولكن يَرِدُ هنا إشكال: وهو أنَّ وكيل المرأة قائم مقامها، مما يدلُّ على صحّة نكاحها لو باشرته بنفسها.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (١/١٣١) . ٢ انظر: المدوّنة (٢/١٤٧، ١٥٠-١٥١، ١٥٨)، والخرشي والعدوي (٣/١٨٧)، والشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٣٥)، ومنح الجليل (٢/ ٢٤) . ٣ أمَّا لو وكّلها رجل في قبول النكاح له فيصحّ كما في مختصر خليل وشروحه. انظر: الشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٣١)، والخرشي والعدوي (٣/ ١٨٩) .
[ ٢ / ٢٠٩ ]
والذي يظهر لي في هذا أنَّ الوكيل هنا ليس قائمًا مقامها في الحقيقة، وإنَّما هو قائم مقام الوليِّ؛ لما استقرّ عندهم معرفته من أنَّ المرأة لا تعقد لنفسها، ولا لغيرها من النِّساء، وبهذا يتَّفق مذهب المالكية هذا مع ما يقوله الشافعية من أنَّ الوليِّ إذا أذن لمولِيّته أو غيرها أن توكّل رجلًا عنه صحّ ذلك لها؛ لأنَّ ما تختاره وكيلًا عن الوليِّ لا عن المرأة١. والله أعلم.
ثالثًا: يتفق أئمة الحنفية الثلاثة- أعني أبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمَّدًا- على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح مع وجود العصبة بالنفس - أي نسبًا أو ولاء بالعتق- وإن اختلفوا- كما تقدم- في صحة تزويج المرأة الحرة المكلّفة نفسها بدون إذن وليّها٢.
وذلك لأنَّ الولاية في النكاح معتبرة عند الصاحبين بالتعصيب، وفاقًا للجمهور، وعند أبي حنيفة ﵀ معتبرة بالإرث، وإنَّما التعصيب سبب للتقديم لا للحصر٣.
وبهذا نرى اتفاق الأئمة الأربعة وأصحابهم على أنَّه لا ولاية للمرأة في النكاح مع وجود العصبة من الذكور نسبًا أو ولاء بالعتق.
وذلك لأنَّ الولاية المتفق عليها في النكاح هي الولاية على الصغار، والمجانين، والأرقّاء، والخلاف إنَّما هو في الولاية على الحرّة المكلّفة، وقد
_________________
(١) ١ انظر: للشافعية: روضة الطالبين (٧/٥٠)، ومغني المحتاج (٣/١٤٧) . ٢ انظر ما تقدم (١/ ١٥٣ وما بعدها) . ٣ انظر ما تقدم (ص ٦٢ وما بعدها) .
[ ٢ / ٢١٠ ]
تقدَّم أنَّ الرَّاجح هو مذهب الجمهور، وهو ثبوت الولاية عليها أيضًا١. وبهذا لا تكون المرأة وليًّا في النكاح، كما لا تزوّج نفسها. والله أعلم.
"تتمة في مسائل يصحّ فيها عقد المرأة النِّكاح"
إنً الأحكام الشرعيًة جميعًا إنًما تتقرًر بناء على الحالات الاختياريّة، أمّا الحالات الاضطراريّة فلها استثناءاتها المعروفة في أصول الشريعة، وفروعها، كما قال تعالى فيمن أكره على التلفظ بكلمة الكفر: ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ ٢، وقوله تعالى بعد بيان المحرمات من المطعومات كالميتة ونحوها قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
وعلى هذا فيستثنى من منع تزويج المرأة نفسها أو غيرها الحالات الاضطراريّة اتفاقًا كغيرها من الأحكام الشرعية، ونحن نذكر بعض الأمثلة
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم (١/ ٢٤٧ وما بعدها) . ٢ سورة النحل- آية رقم:١٠٦. ٣ سورة المائدة- آية رقم: ٣. ٤ سورة البقرة- آية رقم: ١٧٣.
[ ٢ / ٢١١ ]
لذلك، والتي نصّ عليها بعض الشافعية مع ما عرف من أنَّ مذهبهم أشدّ المذاهب كلّها منعًا لعقود النِّساء للأنكحة، وإليك بعض تلك الأمثلة:
أولًا: إذا زوّجت المرأة نفسها في حال الكفر، ثمَّ أسلمت فإنَّها تقرّ على ذلك بعد الإسلام١.
ثانيًا: إذا ابتُلي المسلمون بإمامة امرأة، فإنَّ أحكامها تنفذ للضَّرورة، ومنها تصحيح تزويجها، وقيّده صاحب٢ (تحفة المحتاج) بتزويج غيرها، وظاهره دون تزويج نفسها، ولعلّه أراد أنَّها غير مضطرّة إلى ذلك بخلاف غيرها٣.
ثالثًا: إذا عدم الوليُّ والحاكم فلها أن تولّي مع خاطبها رجلًا، عدلًا، مجتهدًا فيزوِّجها؛ وذلك لأنَّ ذلك الرجل يكون محكّمًا حينئذ، والمحكّم كالحاكم، بل لو ولّت عدلًا صحّ على المختار عندهم وإن لم يكن مجتهدًا لشدّة الحاجة إليه٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: مغني المحتاج (٣/١٤٧)، وتحفة المحتاج (٧/١٣٧) ونهاية المحتاج (٦/٢٢٥) . ٢ هو: أحمد بن حجر الهيتمي (بالهاء ثم الياء المثناة من تحت ثم التاء المثناة من فوق ثم الميم) الشافعي. انظر ترجمته في: الأعلام (١/٢٢٣)، ومعجم المؤلفين (٢/١٥٢) . ٣ انظر: مغني المحتاج (٣/١٤٧)، وتحفة المحتاج (٧/١٣٧) ونهاية المحتاج (٦/٢٢٥) . ٤ انظر نفس المصادر السابقة، وروضة الطالبين (٧/٥٠)، وقد تقدم الكلام على هذا في فصل أسباب الولاية في النكاح (٢٠١ وما بعدها) .
[ ٢ / ٢١٢ ]
بل قيل: لو كان الحاكم لا يزوّج إلا بدراهم لا يحتملها الزوجان - عادة - صحَّ لها أن تولّي مع خاطبها رجلًا كذلك١.
هذه بعض الأمثلة التي نصّ عليها بعض الشافعية، وإن كان بعضها محلَّ نظر لبعضهم، إلاّ أنَّها أمثلة لما قيل في هذا، والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: تحفة المحتاج (٧/١٣٧)، ونهاية المحتاج (٦/٢٢٥) .
[ ٢ / ٢١٣ ]