أمّا معنى السَّفَه لغة: فهو ضد الحِلمْ، وقيل خفّته، وقيل الجهل، ولا منافاة بين ذلك؛ فإنّ أصل معنى السفه لغة: الخفّة، والسخافة، كما قاله ابن فارس، وغيره، ونصّ على أنّه قياس مطَّرد في هذا، فيقال: ثوب سفيه: أي رديء النسج، ويقال: تسفّهت الريح الشجر: أي أمالته. كما قال ذو الرُّمّة:
مشين كما اهتزّت رياح تسفّهت أعاليها مرُّ الرياح النَّواسم
ومن شعره في وصف زمام ناقته:
وابيضَ١ مَوْشِيِّ القميص نصبْتُة على ظهر مقْلاتٍ سفيهٍ جَدِيلُها
أي خفيف زمامها٢.
_________________
(١) ١ الأبيض هنا هو السيف. كما في اللسان وغيره. ٢ كذا قيل في معنى "سفيه جديلها» . والظاهر أنّ الشاعر يقصد أنه أرخى لناقته زمامها فيكون معنى «سفيه جديلها»: أي مرخًى زمامها غير مشدود، لتأخذ راحتها في خفّة سيرها، وهذا ينبئ عن أصالتها وحسن تدريبها وهو المناسب للمقام. والله أعلم. وانظر في معنى كلمة «السفه» وشواهدها مادة (سفه) في كلٍّ من: مقاييس اللغة لابن فارس (٣/٧٩)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٢٣٤)، والقاموس (٤/٢٨٧)، وتاج العروس (٩/٣٩٠)، ولسان العرب (١٣/٤٩٧) .
[ ١ / ٤٥٢ ]
وأمّا معناه اصطلاحًا: فالسفه ضدّ الرُّشْد، إلاّ أنّ إطلاقهما في هذا المبحث عند الفقهاء خاصٌّ بمن اتصف بهما- أي بالرُّشْد أو السفه- من بني آدم، وهذا بعض مفردات المعنى اللغوي كما تقدّم.
إلاّ أنّ الفقهاء قد اختلفوا في معنى الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله على ثلاثة أقوال هي:
الأوّل: أنّ الرُّشْد الذي يزول به الحجر عن البالغ في ماله هو الصلاح في المال، أي معرفة وجوه كسبه واستثماره وعدم تبذيره.
وهذا هو المراد به عند جمهور الفقهاء، ومنهم الحنفية، والمالكية، والحنابلة١.
وقد عرّفه صاحب (العناية) من الحنفية بقوله: "السّفه: خفّة تعتري الإنسان فتحمله على العمل بخلاف موجب الشرع والعقل، مع قيام العقل.
وقد غلب في عرف الفقهاء على تبذير المال وإتلافه على خلاف مقتضى العقل والشرع" اهـ.
ونقل هذا التعريف صاحب تكملة (فتح القدير) وزاد عليه ما عزاه (للمبسوط والكافي) وهو: "أنَّ السفه: العمل بخلاف موجب الشرع، واتِّباع الهوى وترك ما يدلُّ عليه الحجا"٢اهـ.
_________________
(١) ١ انظر: الإفصاح لابن هبيرة (١/٣٧٦)، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/٢١٢)، والمغني لابن قدامة ٤/ ٥٢٢) . ٢ العناية مع تكملة فتح القدير (٩/٢٥٩) .
[ ١ / ٤٥٣ ]
وقال ابن عبد البرِّ: "السَّفيه: أن يبذّر ماله في المعاصي أو الإسراف"١ اهـ.
ونحوه ابن جزي المالكي حيث قال: أمّا السّفيه فهو المبذّر لماله، إمّا لإنفاقه باتباعه لشهوته، وإمّا لقلّة معرفته بمصالحه، وإن كان صالحًا في دينه. والرشيد هو: الضابط لماله، ولا يشترط صلاحه في دينه، خلافًا للشافعيِّ وابن الماجشون"٢ اهـ.
الثَّاني: أن الرُّشْد هو: الصلاح في الدِّين والمال جميعًا. وهذا مذهب الشافعي، والحسن البصري، وابن المنذر وغيرهم.
فصلاح الدِّين ألاَّ يرتكب المرء من المعاصي ما يسقط عدالته. وصلاح المال: أن يكون حافظًا له غير مبذّر٣.
الثَّالث: أنَّ الرُّشْد: هو الصلاح في الدِّين خاصَّة. وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. فقد انتصر لمذهبه هذا، وردّ كلَّ ما خالفه قائلًا: "إنّه لا يعرف في كتاب ولا سنّة ولا في لغة العرب أنَّ الرُّشْد: الصلاح في المال". وقال: "أمّا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ
_________________
(١) ١ الكافي لابن عبد البر (٢/١٦٢) . ٢ قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٣٤٩) . ٣ انظر: المهذب للشيرازي (١/٣٣٨)، والمنهاج ومغني المحتاج (٢/١٦٨)، والمغني لابن قدامة (٤/٥٢٢) .
[ ١ / ٤٥٤ ]
رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١ ينبغي أن يعرف ما هو الرُّشْد الذي أمر الله تعالى من أونس منه بدفع ماله إليه، فنظرنا في القرآن الذي هو المبيّن لنا ما ألزمنا الله تعالى إيّاه فوجدناه كلّه ليس الرُّشْد فيه إلاّ الدِّين وخلاف الغيّ فقط، لا المعرفة بكسب المال أصلًا- ثم ذكر شواهد ما قاله من القرآن - وقال: فصحّ أنَّ الرُّشْد ليس هو كسب المال، ولا منعه من الحقوق ووجوه البر، بل هذا هو السفه، وإنّما الرُّشْد: طاعة الله تعالى، وكسب المال من الوجوه التي لا تثلم الدين ولا تخلق العرض، وإنفاقه في الواجبات، وفيما يتقرب به إلى الله تعالى للنّجاة من النار، وإبقاء ما يقوم بالنفس والعيال على التوسط والقناعة فهذا هو الرُّشْد. وكذلك لم نجد في شيء من لغة العرب: أنَّ الرُّشْد هو الكيِّس في جمع المال وضبطه، فبطل تأويلهم في الرُّشْد بالآية، وفي دفع المال بإناسه، وصحّ أنّها موافقة لقولنا وأنَّ مراد الله تعالى يقينًا بها إنّما هو أن من بلغ عاقلًا مميّزًا مسلمًا وجب دفع ماله إليه، وجاز فيه من جميع أفعاله ما يجوز من فعل سائر الناس كلِّهم، ويردّ من أفعاله ما يردّ من أفعال سائر الناس كلّهم، ولا فرق، وأنّ من بلغ غير عاقل ولا مميِّز للدِّين لم يدفع إليه ماله، ولو كان الَّذي قالوا في الرُّشْد وفي السّفه قولًا صحيحًا- ومعاذ الله من ذلك- لكان طوائف من اليهود
_________________
(١) ١ سورة النساء آية رقم: ٦.
[ ١ / ٤٥٥ ]
والنّصارى وعبّاد الأوثان ذوي رُشْدٍ، ولكان طوائف من المسلمين سفهاء وحاش لله من هذا١.
وسبب اختلافهم في معنى الرُّشْد هو: هل يطلق اسم الرُّشْد على غير الصالح في الدِّين كما قاله ابن رشد٢. إلاّ أنّه لم يتعرّض لمذهب - ابن حزم هذا، ولكن لا يخفى أنّه لا يخرج عن هذا السبب؛ إذ هو صريح في أنَّ غير الصالح في دينه لا يسمَّى رشيدًا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم (٨/٢٨٦-٢٨٧)، وهو بحث مستفيض فليراجعه من شاء. ٢ بداية المجتهد لابن رشد (٢/٢١٢) .
[ ١ / ٤٥٦ ]