الوِلاية -بكسر الواو- هي الخِطَّة١، والإمارة، والسُّلطان٢. والوِلاية٣ - بكسر الواو وفتحها- النصرة٤.
قال سيبوبه: الوَلاية "أي بالفتح" المصدر، والوِلاية "أي بالكسر" الاسم مثل الإمارة والنِّقابة، لأنَّه اسم لما توليته وقمت به، فإذا أرادوا المصدر فتحوا٥.
وقال ابن الأثير: "وكأنَّ الوِلاية "أي بالكسر" تشعر بالتَّدبير والقدرة
_________________
(١) ١ بكسر الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة- وهي الأرض يختطها المرء لنفسه ليعلم أنه قد اختارها وتحجّرها للبناء فيها ونحوه. انظر مادة "خطّ" الصحاح (٣/١١٢٣)، مقاييس اللغة (٢/١٥٤)، اللسان (٧/٢٨٨) . ٢ أصل مادة (سلط) يدل على معنى القوة والقهر، ولذلك سمي الوالي سلطانًا. انظر مادة (سلط) . مقاييس اللغة (٣/٩٥)، الصحاح (٣/١١٣٣)، اللسان (٧/ ٣٢١) . ٣ انظر مادة ولي الصحاح (٦/ ٢٥٣٠)، اللسان (١٥/٤٠٧) القاموس (٤/٤٠٤)، التاج (١٠/٣٩٩)، المصباح المنير (٢/٦٧٢) . ٤ نفس المصادر والصفحات. ٥ الصحاح، واللسان، والتاج، نفس الصفحات.
[ ١ / ٢٤ ]
والفعل، وما لم يجتمع ذلك فيها لم ينطلق عليه اسم الوالي"١.
وقال ابن فارس وغيره: "كلُّ من قام بأمر شخص فهو وليّه"٢.
وعلى هذا فالوِلاية بمعناها العام: هي سلطة يملك بها الإنسان القيام على شؤون غيره. وهي لا تكون سلطة شرعية: إلا إذا كانت رعاية لمصالح غيره بمقتضى الشرع.
وعلى هذا يمكن تعريفها شرعًا بأنّها: سلطة شرعيَّة يملك بها القادر على التصرف رعاية شؤون غيره.
فيدخل في هذا التعريف الولاية العامة، أعني ولاية السّلطان على الأمّة، فإنه نائب عنهم شرعًا لرعاية مصالحهم بمقتضى شريعة ربهم.
ويدخل في هذا التعريف أيضًا: أنواع الولايات الخاصة كوِلاية الرجل على أولاده لتربيتهم، وتزويجهم، وحفظ أموالهم.
والذي يهمُّنا في هذا المبحث إنَّما هو تعريف الولاية في النِّكاح في اصطلاح الفقهاء، إلا أنَّني لم أجد تعريفًا يمكن الاعتماد عليه، بل كلُّ
_________________
(١) ١ النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/٢٢٧)، وعنه ابن منظور في اللسان (١٥/٤٠٧) . ٢ مقاييس اللغة لابن فارس (٦/ ١٤١) . وانظر مادة ولي في: الصحاح (٦/٢٥٢٩)، واللسان (١٥/ ٤٠٩)، وتاج العروس (١٠/٣٩٩)، ومفردات الراغب (٥٣٣)، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٥/٢٢٨) .
[ ١ / ٢٥ ]
ما وجدته هو قول بعض الحنفيَّة "إن الولاية هي: تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى"١.
واعترض على هذا التعريف بأنّه قاصر على ولاية الإجبار دون ولاية الاختيار٢.
والمقصود بولاية الإجبار هي: التي لا اعتبار فيها لإذن الموليِّ٣ عليه، فيزوّجه وليّه شاء أم أبى.
وأمّا وِلاية الاختيار فهي بعكسها: وهي التي يعتبر فيها إذن الموليّ عليه، فلا يزوجه وليّه حتى يستأذنه.
ومع أنَّ هذا التعريف غير مانع أيضًا، فهو شامل للولاية عمومًا أي على النفس والمال٤. وعلى هذا التعريف جرى كلّ من كتب٥ في
_________________
(١) ١ انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/٥٥)، والبحر الرائق (٣/١١٧) . ٢ انظر حاشية ابن عابدين (٣/٥٥)، والأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة) . ٣ المولى -بفتح الميم وإسكان الواو وكسر اللام وتشديد الياء- ويقال أيضًا: بضم الميم وفتح الواو وتشديد اللام المفتوحة- مثل المصلَّى عليه. قاله النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٢/١٩٦ من القسم الثاني) . ٤ انظر حاشية ابن عابدين (٣/٥٥) . ٥ انظر مثلًا: الأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة)، والأحوال الشخصية لمحمد أبي زهرة (١٢٢)، والزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية والقانون (١٤٣) للدكتور بدران أبو العينين، والأحوال الشخصية لمحمد زكريا البرديسي (١٠٥)، وأحكام الأسرة في الإسلام لمحمد مصطفى شلبي (٢٥٣) .
[ ١ / ٢٦ ]
الأحوال الشخصية١ ممن وقفت عليه. وذلك: إمّا لأن المقصود بالتأليف - عند أصحابها- بيان الوِلاية على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة - كما هو ظاهر صنيعهم- وإمّا لأنّه الراجح في نظر الكاتبين فاعتمدوه دون تعويل على غيره.
والولاية على هذا المذهب هي في الحقيقة الولاية الإجباريّة خاصّة وهي: التي لا اعتبار فيها لإذن المولى عليه لصغره، أو جنونه، أو رقِّه.
_________________
(١) ١ يراد بالأحوال الشخصية: الزواج وما يتعلق به من الرضاع والحضانة والنسب، وفرق الزواج وما يتعلق بها من العدة والرجعة والميراث، وقد ألحق بهذه الموضوعات الوقف والوصية. وتسمية هذه الموضوعات التي هي جزء من الفقه الإسلامي بالأحوال الشخصية اصطلاح قانوني جديد يقابل بحسب الأصل الأحوال العينية وهي: المسائل المتعلقة بالأحوال المعروفة الآن بالأحوال المدنية. وهذه التسمية لتلك الموضوعات الفقهية لم تكن معروفة لدى الفقهاء والكاتبين في الفقه القدامى، بل كانوا يذكرونها بأسمائها الخاصة بها فيعنونون كتاب النِّكاح، كتاب الرضاع، كتاب الطلاق، وهكذا سائر الموضوعات. انتهى نصًا من مذكرة الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الحميد الغفاري -المقررة على طلاب السنة المنهجية في الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية (أول صفحة) . ولست أرى حاجة لاستخدام تلك المصطلحات القانونية، ففي فقهنا الإسلامي من مصطلحاته الأصيلة ما يغني عن التقليد مع أسباب أخرى لا تخفى على اللبيب، والله المستعان. (الباحث) .
[ ١ / ٢٧ ]
وأمَّا الولاية التي يعتبر فيها إذن الموليِّ عليه - على هذا المذهب-
فهي ولاية ندب واستحباب تثبت للوليّ على الحرة المكلفة بكرًا أم ثيبًا؛ بمعنى: أنّ لها أن تزوِّج نفسها، ولها أن تفوِّض العقد عليها لوليِّها ندبًا واستحبابًا صونًا لها عن التبذّل ورميها بقلِّة الحياء.
والوليُّ هنا: عبارة عن وكيل لها. وإنّما سمِّي وليًّا لقرابته غالبًا١.
وهذا بخلاف مذهب الجمهور- كما سيأتي بيانه- فإنّ الوِلاية في النِّكاح- عندهم- ثابتة على المرأة مطلقًا سواء كانت ممن يعتبر إذنها لوليِّها أم لا. ولا تلازم عندهم بين ثبوت الولاية والإجبار، فقد يثبت للوليّ حقّ الولاية في النِّكاح والإجبار معًا كما في الصغار والمجانين ذكورًا وإناثًا.
وقد تثبت له الولاية دون الإجبار، كما في الثيِّب الحرّة المكلّفة؛ إذ ليس لوليّها أن يزوِّجها بدون إذنها، ولكن ليس لها أن تتزوَّج -عندهم- إلا بعقد وليِّها لها أو نائبه أو من يقوم مقامه عند عدمه.
وهذا المعنى الذي يقصده الجمهور من الوِلاية في النِّكاح لا يكاد يفهم من التعريف السابق، والتعريف لا بدّ أن يكون جامعًا لمحلِّ الاتفاق غير متعرِّض لمحلِّ الخلاف، لذا يبدو لي من خلال ممارستي هذا البحث أن الأقرب لمراد الفقهاء بالولاية في النِّكاح يمكن تعريفه على النحو التالي:
_________________
(١) ١ انظر الأحوال الشخصية لأحمد الحصري (أول صفحة) .
[ ١ / ٢٨ ]
وهو: أنَّ الوِلاية في النِّكاح: سلطة شرعيّة، لعصبة نسب، أومن يقوم مقامهم، يتوقَّف عليها تزويج من لم يكن أهلًا لعقده.
فقولي: "سلطة": جنس يشمل الشرعيّة وغيرها.
شرعيّة: قيد لها، يخرج غير الشرعيّة، وبيان للجهة التي يستمدُّ منها الولي ولايته أصلًا وهو الشرع. وليس من الموليّ عليه، وإن كان أحيانًا لا يعقد له إلا بإذنه، وهذا هو الفرق بين الوِلاية والوكالة؛ إذ إنّ الوكيل يستمدُّ سلطته من موكِّله، فيتصرَّف بإذنه، وينعزل بعزله، وهذا بخلاف الوليّ؛ فإنَّه لا يستمدُّ ولايته من الموليّ عليه، ولا ينعزل بعزله.
وقولي: "لعصبة نسب أو من يقوم مقامه": بيان لمن يستحقّ الولاية، وإخراج لمن لا تربطه بالموليّ عليه رابطة نسب ونحوه، وإنّما قيّدتها "بعصبة النسب" لبيان القدر المتفق عليه في أقوى أسباب الولاية مشيرًا بذلك إلى خلاف الشافعي - ﵀ - في ولاية الابن؛ إذ لا ولاية له على أمِّه- عنده- في النِّكاح وإن كان عصبة ما لم يكن نسيبًا لها- كما سيأتي في محله١.
ثم عطفت بقولي "أو من يقوم مقامهم"، لبيان بقيّة أسباب الوِلاية، سواء كانت تلك الأسباب متَّفقًا عليها، كالولاية بالعتق والسلطنة، أو
_________________
(١) ١ انظر مبحث ولاية الابن في النِّكاح في الفصل الثامن.
[ ١ / ٢٩ ]
مختلفًا فيها، كالولاية بالقرابة من غير العصبات، وبالموالاة والكفالة والإسلام والوصيّة، كما سيأتي١.
وقولي "يتوقَّف عليها" بيان لمدى هذه السلطة وهو: أنَّ الوليّ بيده عقد التزويج سواء كان الموليّ عليه ممن يعتبر إذنه أو ممن لا يعتبر. وبكلمة "تزويج"، يخرج بقيّة العقود المالية وغيرها.
وقولي "من لم يكن أهلًا لعقده": أي لعقد التزويج، وهذا بيان لمن تثبت عليهم هذه الولاية من النساء والأطفال والمجانين والأرقاء والمحجور عليهم على خلاف في بعضهم سيأتي بيانه- إن شاء الله- في محلِّه.
ولا ينتقض هذا بأنَّ بعض هؤلاء أهل لمباشرة عقد التزويج بإذن أوليائهم؛ وذلك لأنَّهم غير أهل لعقده استقلالًا عند من أثبت عليهم الوِلاية، والتعريف لمن يثبت لا لمن ينفي. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: أسباب الولاية في النِّكاح، الفصل الثامن.
[ ١ / ٣٠ ]