إنَّ العقل شرط من شروط الوليّ اتفاقًا؛ لأنَّ الولاية تثبت نظرًا للموليّ عليه، ومن لا عقل له لا يمكنه أن ينظر لنفسه ولا لغيره.
وقد تقدَّم حديث "رفع القلم عن ثلاثة" ومنهم "المجنون؛ حتى يعقل"١.
وهذا يدل على رفع التكليف عنه زمن جنونه، وهذا إجماع من الأئمة، وقد تقدَّم أنَّ رفع الإثم عن الصَّبيِّ حتى يبلغ لا يلزم منه إبطال تصرُّفاته التي وقعت موقعها، ولكن مثل هذا لا يقال في المجنون؛ إذ ليس للمجنون قصد صحيح في إدراك وجه المصلحة بخلاف الصَّبيِّ المميّز.
وعدم أهليَّة غير العاقل مجمع عليها، بل إنَّ عدم العقل هو الأصل في موانع الأهليَّة والتكليف، وغير العاقل يشمل أيضًا: الطفل قبل تمييزه وقد تقدَّم.
ويشمل من زال عقله بالجنون، سواء أكان جنونًا مُطْبِقًا أم مُتَقَطِّعًا، وسواء أكان أصليًّا أم طارئًا عليه بعد بلوغه، وكذلك يشمل: من ذهب
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (١/ ٣٦٦-٣٦٧) .
[ ٢ / ٢٢٠ ]
عقله بسبب كبر كالشيخ إذا أَفْنَد١، فمن لا عقل له؛ لصغره أو جنونه أو كبر سنّه أو نحو ذلك سقط حقّه في الولاية، وانتقلت إلى من بعده من الأولياء، إلا في بعض الحالات الطارئة على العقل والتي عرف بالعادة قرب إفاقة صاحبها، فحينئذ تنتظر إفاقته ولا تسلب منه ولايته بسبب ذلك العذر الطارئ، وذلك كمن زال عقله بالإغماء، أو بجنون غير مطبق، أو بسكر من غير تعدّ منه، فهذه الحالات لا يستديم العقل فيها زواله غالبًا، بل يرجى عن قرب زوال ما ألمّ به فيكون من أهل النظر لنفسه ولغيره أشبه النائم، وإنما قيّدت السكر بعدم التعدّي مع أن إفاقة المتعدّي وغيره سواء؛ لأنّ المتعدّي فاسقٌ، وسيأتي الكلام عليه في محلّه إن شاء الله تعالى٢. والله أعلم.
_________________
(١) ١ قال ابن فارس: الفَنَد: الهرم، "وهو ذاك القياس"، ولا يكون هرمًا إلا ومعه إنكار عقل، يقال: أفند الرجل فهو مفند إذا أُهتِر، ولا يقال عجوز مفندة؛ لأنَّها لم تكن في شبيبتها ذات رأي" اهـ. مقاييس اللغة (٤/٤٥٤) . ٢ انظر في مبحث اشتراط العقل المصادر التالية: للحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٨٤-٢٨٥)، وبدائع الصنائع (٣/١٣٤٧) . وللمالكية: الخرشي والعدوي (٣/١٨٧)، وبلغة السالك والشرح الصغير (١/٣٦٠)، والكافي لابن عبد البر (١/٤٣٠)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٢٢٤) . وللشافعية: الأم (٥/١٤-١٥)، والمهذب (١/٣٤، ٣٧،٤١)، وروضة الطالبين (٧/٦٢-٦٣)، ومغني المحتاج (٣/١٥٤-١٥٥) . وللحنابلة: المغني (٧/٣٥٥)، والمبدع (٧/٣٤)، وكشاف القناع (٥/٥٣-٥٤) والإنصاف (٨/٧٥) .
[ ٢ / ٢٢١ ]