أمَّا مشروعيَّة النِّكاح فهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أ- فأمَّا الكتاب فمنه:
١- قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ ١.
٢- وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢.
٣- وقوله تعالي:- في مقام الامتنان به على عبادة- ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة النساء – آية رقم:٣. ٢ سورة النور – آية رقم: ٣٢- ٣٣. ٣ سورة الروم – الآية رقم ٢١.
[ ١ / ٥٠ ]
ب- وأمَّا من السُّنَّة فمنها:
١- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "يا معشر الشَّباب من استطاع منكم الباءة ١فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصَّوم فإنَّه له وجاء " ٢. رواه الستة وغيرهم، واللفظ لمسلم٣.
٢- حديث أنس ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط٤ إلى بيوت أزواج النبيِّ ﷺ يسألون عن عبادة النبيِّ ﷺ فلما أُخْبِروا٥ كأنَّهم تقالَّوها فقالوا: وأين نحن من النبيِّ ﷺ، قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر. قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا
_________________
(١) ١ الباءة: هي مؤن النِّكاح، أو الجماع، أو هما معًا. انظر تفصيل ذلك في فتح الباري (٩/١٠٨-١٠٩) . ٢ وجاء: أي قاطع للشهوة. انظر: النهاية في غريب الحديث (٥/ ١٥٢)، وفتح الباري (٩/١١٠) . ٣ البخاري: النكاح. باب قول النبي ﷺ "من استطاع منكم الباءة". (٩/١٠٦ مع الفتح) . ومسلم أول كتاب النِّكاح) . (٦/١٧٢) مع شرح النووي. وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (٦/١٩٢) . ٤ أي نفر، كما في الرِّواية الأخرى، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه يطلق على الجماعة من الثلاثة إلى ما دون العشرة. وقيل غير ذلك. وقيل خاص بجماعة الرِّجال دون النساء. انظر النهاية في غريب الحديث (٢/٢٨٣)، وفتح الباري (٩/١٠٤) . ٥ بالبناء المجهول، أي من قبل أزواج النبي ﷺ.
[ ١ / ٥١ ]
أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النِّسَاء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي". متفق عليه واللفظ للبخاري١.
٣- حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "ردَّ النبي ﷺ على عثمان بن مظعون التَّبتُّل٢، ولو أذن له لاختصينا" متفق عليه٣.
٤- حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الدُّنيا متاع، وخير متاع الدُّنيا المرأة الصالحة". رواه مسلم وغيره٤.
_________________
(١) ١ البخاري (٩/١٠٤ مع الفتح) أول كتاب النِّكاح، وفي مواضع أخر من الصحيح. مسلم (٩/١٧٥) شرح النووي)، أوائل كتاب النِّكاح. وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (٦/١٩٣) . ٢ التبتل: هنا الانقطاع عن النِّكاح وما يتبعه من الملاذِّ إلى العبادة اهـ. (فتح الباري ٩/١١٨) . وانظر النهاية في غريب الحديث (١/٩٤) . ٣ البخاري (٩/١١٧ فتح الباري) . النِّكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء. مسلم: (٩/١٧٦ شرح النووي) نكاح، باب استحباب النِّكاح لمن تاقت نفسه إليه ) . ٤ مسلم (١٠/٥٦ شرح النووي) الرضاع، باب استحباب نكاح البكر. النسائي (٦/٦٩ مع شرحي السيوطي والسندي)، نكاح المرأة الصالحة. أحمد (٢/١٦٨ المسند) .
[ ١ / ٥٢ ]
٥- حديث معقل بن يسار ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تزوَّجوا الودود الولود فإنِّي مكاثر بكم الأمم". رواه أبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وغيرهم.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. وأقرَّه الذهبي١.
والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة.
حـ- وأمّا ثبوت الإجماع على مشروعية النكاح فهو مما هو معلوم من الدِّين بالضَّرورة، ومثل هذا الإجماع لا يتوقَّف ثبوته على حكاية من حكاه.
حكمة مشروعية النِّكاح:
وأمَّا حكمة مشروعية النكاح فهي أجلُّ من الوصف، وأشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، ففي مشروعيته حكم جليلة، وفوائد عظيمة،
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) أبو داود (٦/٤٧ عون المعبود) نكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النِّساء.
(٣) النسائي (٦/ ٦٥-٦٦ السيوطي والسندي) نكاح، باب كراهة تزويج العقيم.
(٤) الحاكم (٢/ ١٦٢) نكاح.
(٥) البيهقي (٧/٨١) نكاح، باب استحباب التزوج بالودود الولود. وانظر بقية تخريجه في: التلخيص الحبير (٣/١٣٣)، وإرواء الغليل (٦/١٩٥-١٩٦) .
[ ١ / ٥٣ ]
ومقاصد سامية، وحسبه أن من تأمَّله وجده جامعًا لأسباب حفظ الدِّين والنَّفس والنَّسب والعرض.
فأمَّا حفظ الدِّين: فإنَّ النكاح هو السبيل المشروع لوجود النَّسل الذي خلقه الله لعبادته؛ لذلك كان الصلاح في الدِّين أوَّل وأهمَّ ما يجب اعتباره في الخاطب والمخطوبة.
فقد قال ﷺ: "عليك بذات الدِّين تربت يداك" ١.
وقال ﷺ: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" ٢
وذلك حتى إذا تم العقد وكان اللِّقاء والذُرِّيَّة كانت ذريَّة طيِّبة صالحة تحفظ دين الله في خاصة نفسها، وتقوم على حفظه من أعدائه بالجهاد في سبيل الله، وتقوم على حفظه بين أهله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك تتحقَّق الكثرة المؤمنة التي يباهي بها رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. انظر: ا- البخاري ٩/١٣٢ فتح الباري) النكاح، باب الأكفاء في الدين.
(٢) مسلم (١٠/٥١ شرح النووي) الرضاع، استحباب نكاح ذات الدين. وأخرجه أيضًا عنه الأئمة: أحمد والدارمي والبيهقي والأربعة إلا الترمذي. وله شواهد كثيرة منها: حديث جابر عند مسلم والترمذي والنسائي والدرامي وغيرهم. انظر: إرواء الغليل (٦/١٩٤-١٩٥)، وتخريج سنن الدرامي (٢/٥٨)، والترمذي مع التحفة (٤/٢٠٤-٢٠٥) . ٢ الترمذي (٤/٢٠٤ تحفة) . وسيأتي تمام تخريجه ص (٢٥٩) إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٥٤ ]
الأمم يوم القيامة، كما قال ﷺ: "تروجوا الودود الولود فإنِّي مكاثر بكم الأمم" ١.
وأمَّا حفظ النفس: فإنَّ النِّكاح هو السبيل المشروع لوجود النفس واستمرار بقائها- بعد أن خلق الله تلك النفس من تراب، وخلق منها زوجها- وبسببه وجبت رعاية تلك النفس في صغرها حتى تستقلَّ بنفسها، وفيه دفع الضرر عن النفس بقضاء شهوة الزوجين بالوسيلة المشروعة، واستفراغ ما يضرُّ احتباسه في الجسم، وفيه إحصان لهما عن الزنى الموجب للحدِّ عليهما، وفيه أيضًا قيام الرجل على رعاية زوجه حفظًا وتوجيهًا وإنفاقًا، فإنَّ في المرأة ضعفًا جبلَّةً، تعجز عن الدِّفاع عن نفسها وهي محلَّ الطمع، وتعجز عن الكسب لنفسها فضلًا عن أولادها، ولكنَّ الله خلق فسوَّى، وقسم فعدل، فجعل لكلِّ منهما حقوقًا على الآخر يقوم بها بلا منِّ منه، ولكلٍّ منهما وظيفة تناسبه، تلك سنَّة الله في خلقه.
وأمَّا حفظ النَّسب: فهو أظهر وأهمُّ مقاصد النكاح؛ إذ به تنظيم النَّسل وربطه بأصله وأواصر القربى التي هي أُنسه في هذه الحياة، ولو ترك اتصال الرجل بالمرأة مهملًا لما كان هناك فرق- بين أولاد الإنسان ونتاج البهائم- في الضياع وتفكُّك الروابط، فيوجد الولد مقطوع الصِّلة لا يعرف أبًا، وقد لا يعرف أمًّا، ولا قيمة لمعرفتهما- حينئذ- وإذا فقد
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص (٥٣) .
[ ١ / ٥٥ ]
المولود أباه وأمَّه، فقد أخاه وأخته، وعمَّه وعمَّته، وخاله وخالته، ونحوهم، فيحرم من تلك الأسماء والمسمَّيات التي يوحي له وجودها بالأُنس والسَّعادة، ويوحي له فقدانها بالوحشة والشقاوة، فللَّه ما أعظم فضله على بنى آدم.!
وأمَّا حفظ العرض بالنِّكاح: فما إخاله يخفى على أحد، ففيه غضُّ البصر، وإحصان الفرج لكلِّ من الزوجين بالحلال الطيِّب عمَّا حرَّم الله، كما قال ﷺ "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاء" ١ متفق عليه.
وأنعِم بها من نعمة تحفظ البصر من التطلُّع لما لا يحلُّ له، وتحصن الفرج عن الوقوع فيما يقبح فعله! فكم من نظرة أسقطت مروءة صاحبها! وكم من فعلة بقيت عليه معرَّتها ونغَّصت عليه طيب الحياة ذكراها!
تلك هي بعض حكم النِّكاح ومقاصده، وفي كلٍّ منها فوائد عظيمة، وأسرار شريفة، وغايات سامية، قلَّ من يحصيها عدًّا، أو يقابلها شكرًا، أو يُعْمِل فيها فكرًا وتدبُّرًا.
لذلك أحاط الإسلام تلك العلاقة الشريفة بين الرجل والمرأة بالعناية والرِّعاية؛ لتقوم على أتمِّ الوجوه وأشرفها وأكملها في كلِّ مرحلة من مراحلها منذ أن تكون فكرة ثم اختيارًا فعقدًا واستمرارًا، فللَّه الحمد والمنَّة.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص (٥١) .
[ ١ / ٥٦ ]