١- ثبوت ولايته في النكاح.
إنَّ ثبوت الولاية في النِّكاح بسبب السلطنة من الأسباب المتفق عليها بين أهل العلم لكلِّ من لا وليّ لها، فإنَّ للسلطان ولاية عامَّة على الأنفس والأموال، ومن أدلّة ثبوت ولايته في النِّكاح ما يلي:
أولًا: حديث "السلطان وليُّ من لا وليَّ لها " ١. وهذا الحديث هو الأصل في إثبات ولاية السلطان وعليه العمل عند أهل العلم.
ثانيًا: قوله ﷺ لمن خطب منه المرأة التي وهبت نفسها للنَّبيِّ: "زوّجناكها بما معك من القرآن" ٢ متفق عليه. وممن استدل بهذا الحديث على ثبوت ولاية السلطان في النكاح الإمام البخاري في صحيحه، حيث كانت إحدى تراجمه عليه "باب٣: السلطان وليّ، لقوله ﷺ "زوّجناكها بما معك من القرآن".
ثالثًا: حديث أمّ حبيبة ﵂: أنَّ النجاشي زوّجها النَّبيَّ ﷺ وهي عنده بأرض الحبشة" رواه الأئمة أحمد وأبوداود والنسائي وابن
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص١/١١٢) . ٢ تقدم تخريجه (١/٢٠٧) . ٣ انظر البخاري مع فتح الباري (٩/١٩٠) .
[ ٢ / ١٦٨ ]
الجارود والدارقطني والحاكم وصححه وأقرّه الذهبي ورواه البيهقي من طريق الحاكم١.
قال ابن القيِّم ﵀: هذا هو المعروف عند أهل العلم أنَّ الذي زوج أمّ حبيبة للنَّبيِّ ﷺ هو النجاشي في أرض الحبشة، وأمهرها من
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) الإمام أحمد: (٢٢/١٣٣ترتيب المسند للساعاتي، السيرة، باب السادسة من أزواجه ﷺ أم المؤمنين أم حبيبة ﵂.
(٣) أبو داود: (٦/١٠٥ عون المعبود) . نكاح. باب في الولي.
(٤) النسائي: (٦/١١٩مع حاشيتي السيوطي والسندي) . نكاح آخر باب القسط في الأصدقة.
(٥) ابن الجارود (ص ٢٣٩ مع تخريجه) نكاح.
(٦) الحاكم (٢/١٨١) . نكاح.
(٧) الدارقطني (٣/٢٤٦) . نكاح.
(٨) البيهقي: (٧/١٣٩) . نكاح. باب لا يكون الكافر وليًّا لمسلمة. ثم ذكر البيهقي رواية أنّ الذي زوّجها ابن ابن عم أبيها (خالد بن سعيد بن العاص بن أميّة) . ورواية أنَّ الذي زوجها عثمان بن عفان ﵁ وهو أيضًا "ابن ابن عم أبيها". ثم ذكر رواية أنَّ الذي زوَّجها أبوها، وأجاب عنها (٧/١٣٩-١٤٠) . إلا أنّ الحافظ ابن حجر ﵀ قال: إنَّ القول بأنَّ عثمان هو الذي زوَّجها وهم. انظر التلخيص الحبير (٣/٥٧) . وانظر ترجمة هؤلاء في الإصابة. ترجمة خالد بن سعيد (١/٤٠٦-٤٠٧) ترجمة عثمان (٢/٤٦٢-٤٦٣) وترجمة أبي سفيان (٢/١٧٨-١٨٠) . وترجمة أم حبيبة (رملة بنت أبي سفيان) (٤/٣٠٥-٣٠٧) .
[ ٢ / ١٦٩ ]
عنده وتزويج النجاشي لها حقيقة؛ فإنّه كان مسلمًا، وهو أمير البلد وسلطانه، وقد تأوّله بعضهم على أنّه كان هو الخاطب، والذي ولي العقد عثمان بن عفان، وقيل: عمرو بن أميّة الضمري، والصحيح أنَّ عمرو بن أميّة الضمري كان وكيل النبيِّ ﷺ في ذلك، بعث به النبيُّ ﷺ إلى النَّجاشي يزوّجه إيّاها. وقيل: الذي ولي العقد عليها خالد بن سعيد بن العاص- ابن عم أبيها"١ انتهى المقصود من كلامه.
إلاّ أنَّ تزويج النَّجاشي لها مع القول بوجود من هو أولى منه كعثمان بن عفَّان، وخالد بن سعيد - ﵄ - فيه إشكال على القول باشتراط الترتيب بين الأولياء، ولكنَّ الظاهر أنّه لم تكن هناك مشاحَّة في تزويجها بين النجاشي ومن حضر من أوليائها، بل الكلُّ مغتبط بتزويجها لرسول الله ﷺ، مع أنّهم كانوا في جواره، فرارًا من أبي سفيان وقومه، والمصلحة حينئذ في تولّي النَّجاشي تزويجها بنفسه لما بين المسلمين وأبي سفيان من العداوة حينذاك. والله أعلم.
٤- قول عمر ﵁: "لا تنكح المرأة إلاَّ بإذن وليّها، أو ذي الرأي من أهلها، أو السلطان "٢.
_________________
(١) ١ تهذيب السنن لابن القيم (٣/٣٢مع معالم السنن للخطابي)، (٦/١٠٥مع عون المعبود) . ويلاحظ قوله "ابن عم أبيها" وصوابه كما تقدم (ابن ابن عم أبيها) (انظر التعليق السابق على رواية البيهقي) . ٢ تقدم تخريجه (١/ ١٤٥) .
[ ٢ / ١٧٠ ]
٢- المراد بالسلطان.
وأمّا المراد بالسلطان هنا: فهو: إمام المسلمين العامَّ الذي له الأمر والولاية على الكافّة؛ إذ هو الأمين على رعاية مصالحهم بمقتضى شريعة ربهم، ويقوم مقامه نائبه أو قاضيه أو من يفوّضه إليه.
إلاّ أن المشهور من مذهب الحنفية أنَّ القاضي ليس له التزويج إلاّ أن ينصّ له السلطان على ذلك في منشوره. أي في صلاحية توليته.
وكذلك اختلفت الرواية عن الإمام أحمد ﵀ في أمير البلد هل يزوّج أولا؟
فمرّة قال: "القاضي يقضى في التزويج والحقوق والرَّجم، وصاحب الشرط إنّما هو مسلّط في الأدب والجناية، وليس له الوصايا والفروج والرَّجم والحدود وهو إلى القاضي أو إلى الخليفة الذي ليس بعده شيء"١.
_________________
(١) ١ كشاف القناع (٥/٥١) . وانظر أيضا في المراد بالسلطان هنا كل من: المغنى والشرح الكبير (٧/٣٥١ والشرح ٤١٨) . والإنصاف (٨/ ٧١) وللحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٨٧)، والبحر الرائق (٣/١٣٤) وتبيين الحقائق (٢/١٢٦) والدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/٧٩) . وللمالكية: شرح الباجي على الموطأ (٣/٢٦٩) والشرح الكبير مع الدسوقي (٢/٢٢٥) .
[ ٢ / ١٧١ ]
ومرّة سئل عن البلد، يكون فيه الوالي وليس فيه قاض فقال: يزوّج إذا احتاط لها في المهر والكفء، أرجو ألاّ يكون به بأس" وحمله القاضي من الحنابلة على أنَّ هذا إذا كان مأذونًا له في التزويج.
ونُقِل عن الشيخ تقي الدِّين- وهو المعروف بابن تيميَّة- حمله على ظاهره عند تعذُّر القاضي؛ لأنَّه موضع ضرورة١.
والذي يظهر لي - والله أعلم -: أنَّ مردّ هذا إلى أعراف النَّاس، فإن جرت عادة الإمام بالتفويض العامُّ للقاضي، أو الوالي فهذا منها، وإن جرت العادة بتحديد الصلاحيات فليس للقاضي أو الوالي ولاية فيما لم يفوِّض فيه بشي؛ وذلك لأنَّهم يستمدُّون ولايتهم من ولاية الإمام العامّ. والله أعلم.
٣- متى يكون السلطان وليًّا في النكاح؟
ويكون السلطان وليًّا في النكاح في الحالات التالية:
الأولى: إذا لم يكن للمرأة وليّ غيره. وهذا متفق عليه.
الثَّانية: إذا عضل الأولياء. فإن امتنعوا جميعًا من تزويجها فيزوّجها السلطان أو نائبه اتفاقًا أيضًا.
وإن عضل بعضهم دون بعض، وأمكن تزويجها ممن يلي العاضل من أوليائها فقد تقدَّم أنَّ فيها قولين للعلماء:
_________________
(١) ١ كشاف القناع (٥/٥١) .
[ ٢ / ١٧٢ ]
أوّلهما: أنَّه يزوّجها السلطان، وهو مذهب المالكية والشافعية، وكذلك هو مذهب الحنفية بناء على أنَّ العضل كما يكون في الحرّة المكلّفة يكون في الصغيرة والمجنونة١.
وثانيهما: أنّه يزوّجها الوليّ الذي يلي العاضل في الترتيب، وهو مذهب الحنابلة، وبه قالت الشافعية أيضًا إذا تكرَّر منه العضل، بناء على أنَّ الوليّ يصير بذلك فاسقًا، ولا ولاية لفاسق على الصحيح عندهم٢.
الثَّالثة: إذا غاب الوليّ الأقرب. وقد تقدَّم أنَّ فيه قولين لجمهور العلماء القائلين بصحة تزويجها في غيبة وليّها:
أحدهما: أنّه السلطان. وهو مذهب الشافعية وظاهر مذهب المالكية المعتمد في مختصر خليل وشروحه٣.
وثانيهما: أنَّه الوليُّ الحاضر الذي يلي الغائب في الترتيب. وهو مذهب الحنفية والحنابلة وتقدم ذكر من عزاه لمالك ﵀. وهو الذي تقدم ترجيحه٤
الرَّابعة: إذا كان الخاطب هو الوليّ، وذلك كابن العم، فيزوّجه بها السلطان إن لم يكن لها وليّ في درجته، وهذا مذهب الشافعية.
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم (ص١٤٣) . ٢ انظرما تقدم (ص١٤٢) . ٣ انظرما تقدم (ص١٤٧) . ٤ انظرما تقدم (ص ١٤٧-١٥١) .
[ ٢ / ١٧٣ ]
وهذا مبنى على مسألة مشهورة وهي: هل يتولّى شخص واحد طرفي العقد بنفسه؟
فعند الشافعية المنع إلاّ الجدّ، فيصح أن يزوّج بنت ابنه بابن ابنه الآخر في الأصحِّ عندهم١.
وأمّا الجمهور٢ فعلى الجواز، فيتولّى ابن العم – مثلًا - طرفي الإيجاب والقبول بنفسه لنفسه، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظرللشافعية: روضة الطالبين (٧/٥٨) والمنهاج ومغنى المحتاج (٣/١٦٣) . ٢ انظرللحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٣٠٥-٣٠٧) . وللمالكية: الخرشي والعدوي (٣/١٩٠) . وللحنابلة: كشاف القناع (٥/٦٢) .
[ ٢ / ١٧٤ ]