أي: غير مُحرِم بحجٍّ أو عمرة أو بهما معًا.
ومعنى هذا الشرط: أنَّه لا يصحُّ للوليِّ تزويج مَوْلِيَّته ما دام محرمًا بحجٍّ، أو عمرة، أو بهما معًا، وليس معناه أنَّ إحرام الوليِّ سالب لحقّه في الولاية، كما هو الشأن في سائر ما تقدَّم من الشروط.
وفي عدّ هذا من جملة شروط ولِّي النكاح تسامح؛ لأنّ الإحرام لا يخرج الوليَّ عن كونه وليًّا على الصحيح، وإنَّما هو مبنيٌّ على عدم صحّة نكاح المحرم مطلقًا، سواء أكان ناكحًا أم مُنْكِحًا؟ رجلًا أم امرأة؟ وليًّا أم وكيلًا؟ وللعلماء في هذه المسألة مذهبان مشهوران:
المذهب الأوّل: أنّه لا يصحُّ للمحرم أن يعقد النِّكاح لنفسه ولا لغيره، ولا أن يُعْقد له مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ﵏.
قال ابن قدامة ﵀: روي ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت ﵃، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري والأوزاعي ومالك والشَّافعي" اهـ١.
_________________
(١) ١ المغني (٣/٣١١-٣١٢) . وانظر الترمذي مع التحفة (٣/٥٧٩-٥٨٠)، والمحلى (٧/١٩٩) وانظر أيضًا من كتب المذاهب الثلاثة المصادر التالية: للمالكية: بداية المجتهد (١/٢٤٢) والخرشي والعدوي (٣/١٨٨)، والشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٣٠- ٢٣١) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (١٥٦-١٥٧) وتحفة المحتاج (٧/٢٥٧) ونهاية المحتاج (٦/٢٤٠) وروضة الطالبين (٧/٦٧) . وللحنابلة: الإفصاح (١/ ٢٨٤) والمغني والشرح الكبير (٣/٣١١-٣١٤) والمبدع (٣/١٥٩) وكشاف القناع (٢/٤٤١) . وانظر للظاهرية: المحلى لابن حزم (٧/١٩٧-٢٠١) .
[ ٢ / ٢٦٠ ]
المذهب الثَّاني: أنَّ الإحرام لايمنع النكاح مطلقًا، أي عكس الأول، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم، وهو مرويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما١.
قال ابن حزم: اختلف السلف في هذا: فأجاز نكاح المحرم طائفة، صح ذلك عن ابن عباس، وروي عن ابن مسعود ومعاذ، وقال به عطاء والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعكرمة وإبراهيم النخعي، وبه يقول أبو حنيفة وسفيان.." اهـ٢.
وروي عن الإمام أحمد ﵀ ما يمكن عدّه قولًا ثالثًا، وهو أنَّه قال: إذا زوّج المحرم لم أفسخ النِّكاح"٣.
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد (١/٢٤٢) والهداية وفتح القدير والعناية (٣/ ٢٣٢) وتبيين الحقائق (٢/١١٠-١١١) والبحر الرائق (٣/١١١-١١٢) . ٢ المحلى (٧/١٩٨) . ٣ المغني والشرح الكبير (٣/٣١٣) والمبدع (٣/ ١٦٠) .
[ ٢ / ٢٦١ ]
وهذا يحتمل: أنَّه لا يفسخه لكونه مختلفًا فيه، كما قاله ابن قدامة وعيره١.
وروي أيضًا عنه: أنَّه إذا زوَّج المحرم غيره صحَّ، سواء أكان وليًّا أم وكيلًا٢.
وقيل في توجيهه: لأنَّه سبب لإباحة محظور لحلال، فلم يمنعه، كحلق رأس حلال٣.
ولكنّه قياس في مقابل النّصّ، مع احتمال هذه الرواية لما قبلها، وهو أنَّه لا يحكم بفسخه إذا وقع؛ لما فيه من قوّة الخلاف بين الأئمة، وهذا مقام ورع في مثل تلك المسائل التي يقوى فيها الخلاف، فلا يفسخ منها إلاّ ما ظهر بطلانه بيقين. والله المستعان.
الأدلّة.
وأمَّا أدلّة المذهبين المشهورين فعمدتهما حديثان صحيحان ظاهرهما التعارض، ولكلٍّ منهما شواهد موقوفة أو مرفوعة عن بعض الصحابة، وإليك بيان ذلك.
_________________
(١) ١ نفس المصدرين السابقين. ٢ انظر الإنصاف (٣/٤٩٢) والمبدع (٣/١٦٠) . ٣ نفس المصدرين السابقين.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
أ- أدلّة من منع المحرم من عقد النِّكاح.
استدلّ الجمهور على منع المحرم من عقد النِّكاح بحديث أبان بن عثمان بن عفَّان ﵁ قال: سمعت أبي عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يَنكِح المحرم ولا يُنكِح١ ولا يَخْطُب".
وهذا الحديث قد رواه الأئمة: مالك وأحمد ومسلم- وهذا لفظه – والأربعة، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم٢.
_________________
(١) ١ "يَنْكح" الأولى: بفتح الياء، والثانية بضمها، والكاف مكسور فيهما. ٢ تخريجه:
(٢) مالك (٢/٢٧٣ مع شرح الزرقاني) الحج. نكاح المحرم.
(٣) أحمد: (١١/٢٢٦ ترتيب المسند للساعاتي. باب ما جاء في نكاح المحرم وانكاحه وخِطْبته) . وانظر المسند (١/٥٧، ٦٤، ٦٨، ٦٩، ٧٣) .
(٤) مسلم: (٩/١٩٣-١٩٥ نووي) . نكاح. (باب تحريم نكاح المحرم وخطبته) .
(٥) أبو داود: (٥/٢٩٣-٢٩٥ عون المعبود) . الحج. باب المحرم يتزوج.
(٦) الترمذي: (٣/٥٧٨-٥٧٩ تحفة) الحج. باب في كراهية تزويج المحرم.
(٧) النسائي: (٥/١٩٢مع حاشيتي السيوطي والسندي) الحج. باب النهي عن ذلك (أي عن تزويج المحرم)، (٦/٨٨-٨٩) نكاح) النهي عن نكاح المحرم.
(٨) ابن ماجة: (١/٦٣٢) . نكاح. باب المحرم يتزوج.
(٩) الدارمي: (١/٣٦٨) الحج. باب تزويج المحرم. وفي النكاح (٢/٦٥) باب في نكاح المحرم.
(١٠) ابن الجارود (ص ٥٦ ١) مناسك، (ص/٢٣٣) نكاح.
(١١) الطحاوي: (٢/٢٦٨) الحج. باب نكاح المحرم.
(١٢) الدارقطني (٣/٢٦٠) . نكاح.
(١٣) البيهقي: (٥/٦٥-٦٦) ٠ الحج باب المحرم لا يَنْكِح ولا يُنْكِح. وانظر كتب التخريج التالية: إرواء الغليل (٤/٢٢٦-٢٢٨)، نصب الراية (٣/١٧٠-١٧١) .
[ ٢ / ٢٦٣ ]
ولحديث عثمان ﵁ شواهد مرفوعة وموقوفة منها:
١- ما رواه مالك في الموطأ عن نافع أنَّ عبد الله بن عمر كان يقول: "لا يَنْكِح المحرم ولا يخطب على نفسه ولا على غيره". وبنحو هذا رواه أيضًا الإمام أحمد والبيهقي من طرق عن ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه.
ورفعه الدارقطني من طريقين. إلا أنَّ الموقوف أصحّ١.
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) مالك: (٢/٢٧٢مع شرح الزرقاني) . الحج. نكاح المحرم.
(٣) أحمد: (١١/٢٢٧ ترتيب المسند للساعاتي. الحج. باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه وخطبته) وذكر الساعاتي أنّه مما وجده عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب أبيه بخط يده. ثم قال: وأورده الهيثمي وقال رواه الإمام أحمد وفيه أيوب بن عتبة وهو ضيعف وقد وثق" اهـ (١١/٢٢٨) وانظر مجمع الزوائد للهيثمي (٤/٢٦٨) .
(٤) البيهقي (٥/٦٥) الحج. باب المحرم لا ينكِح ولا يُنكح.
(٥) الدارقطني: (٣/٢٦٠- ٢٦١) نكاح. وانظر: إرواء الغليل (٤/٢٢٨) وقال: وسنده صحيح.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
- ما رواه أبان بن عثمان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يتزوَّج المحرم ولا يزوِّج ". رواه الدارقطني١.
٣- ما رواه مالك عن داود بن الحُصَين٢: أنَّ أبا غطفان المرّي أخبره أنَّ أباه طريفًا "تزوّج امرأة وهو محرم فردّ عمر نكاحه".
ورواه من طريق مالك البيهقي أيضًا.
ورواه الدارقطني عن يحيى بن سعيد عن داود بن الحُصَين به٣.
٤- وعن علي ﵁ قال: "من تزوَّج وهو محرم نزعنا منه امرأته". وفي لفظ آخر: قال: "لا يَنْكِح المحرم فإن نكح ردّ نكاحه". رواهما البيهقي٤.
_________________
(١) ١ الدارقطني (٣/ ٢٦١) وانظر حاشيته "التعليق المغني" في الكلام على سنده.٠ ٢ هو داود بن الحُصَين (بضم الحاء المهملة) الأموي مولاهم أبو سليمان. ثقة روى له أصحاب الكتب الستة. وانظر التقريب (١/١٣١) وتهذيب التهذيب (٣/١٨١-١٨٢) . ٣ تخريجه:
(٢) مالك: (٢/٢٧٤) مع شرح الزرقاني (. الحج نكاح المحرم.
(٣) البيهقي عنه (٥/٦٦) الحج. باب المحرم لا ينكِح ولا يُنكح.
(٤) الدارقطني (٣/٢٦٠) . وانظر: نصب الراية (٣/١٧١) وإرواء الغليل (٤/٢٢٨) وقال: سنده صحيح على شرط مسلم. ٤ البيهقي (٥/٦٦) الحج باب: المحرم لا يَنكِح ولا يُنكح. وقال الألباني في إرواء الغليل وسنده صحيح (٤/٢٢٨) .
[ ٢ / ٢٦٥ ]
٥- وروى البيهقي بإسناده: "أنَّ مولىً لزيد بن ثابت تزوَّج وهو محرم، ففرَّق بينهما زيد بن ثابت١.
فحديث عثمان بن عفَّان ﵁، وهذه الشواهد المرفوعة، والموقوفة، فيها الدليل الواضح، على أنّه ليس للمحرم أن يعقد النكاح، ولا أن يُعقد له، ولا أن يخطب أيضًا، وعلى هذا جرى عمل التابعين بعد الصحابة، فقد روى البيهقي بإسناده إلى سعيد بن المسيب "أنَّ رجلًا تزوّج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما"٢.
ونحوه في الموطأ عن مالك ﵀ أنّه بلغه أنَّ سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم فقالوا: "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح"٣.
ويستدلُّ له من جهة المعقول: بأنَّ الإحرام يمنع الجماع، ودواعيه، فيمنع عقد النكاح، كالعدّة٤.
_________________
(١) ١ البيهقي (نفس المصدر والباب) . ٢ البيهقي (٥/٦٦-٦٧) نفس الباب. ٣ الموطأ (٢/٢٧٤) مع شرح الزرقاني) . الحج. نكاح المحرم. ٤ انظر كشاف القناع (٢/٤٤٢) .
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ب أدلّة من أجاز نكاح المحرم.
وأمَّا أدلّة من أجاز للمحرم عقد النكاح فهو حديث ابن عباس ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم". وهذا الحديث رواه الأئمة: أحمد والستة والدارمي وابن الجارود والطحاوي والدارقطني والبيهقي وغيرهم١.
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) أحمد (١١/٢٢٨ ترتيب المسند للساعاتي. الحج باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه وخِطْبته.
(٣) البخاري (٩/١٦٥ الفتح) نكاح. باب نكاح المحرم. وفي مواضع أخر من الصحيح. انظر الإشارة إلى أطرافه في (٤/ ٥١ الفتح) .
(٤) مسلم: (٩/١٩٦ نووي) . نكاح "باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته".
(٥) أبو داود (٥/٢٩٦عون المعبود) . نكاح. باب المحرم يتزوج.
(٦) الترمذي: (٣/ ٥٨١-٥٨٢ تحفة) . الحج. باب ما جاء في الرخصة في ذلك (أي في نكاح المحرم مشيرًا إلى الباب الذي قبله) .
(٧) النسائي: (٥/ ١٩١-١٩٢ مع حاشيتي السيوطي والسندي) . الحج. الرخصة في نكاح المحرم. وفي كتاب النكاح (٦/٨٧-٨٨) نفس الترجمة.
(٨) ابن ماجه: (١/٦٣٢) نكاح. باب المحرم يتزوج.
(٩) الدارمي (١/٣٦٨) الحج. باب تزويج المحرم.
(١٠) ابن الجارود: (ص ١٥٧ مناسك، ص ٢٣٣ نكاح) .
(١١) الطحاوي (٢/٢٦٩ من طرق كثيرة) . الحج. باب نكاح المحرم.
(١٢) الدارقطني: (٣/٢٦٣-٢٦٤) نكاح.
(١٣) البيهقي: (٥/٦٦) ٠ الحج. باب المحرم لا يَنكح ولا يُنكح. وانظر نصب الراية (٣/١٧١)، وإرواء الغليل (٤/٢٢٧) .
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وفي لفظ لأحمد والنسائي عن ابن عباس أيضًا: أنَّ النَّبي ﷺ: تزوَّج ميمونة بنت الحارث وهما محرمان"١.
وأورد الهيثمي في (الزوائد) هذا اللفظ الأخير وقال: هذا في الصحيح خلا إحرام ميمونة، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح٢اهـ.
ولحديث ابن عباس ﵁ شواهد أخر عن عائشة وأبي هريرة وأنس وابن مسعود ﵃.
قال الحافظ في (فتح الباري): في كتاب النكاح: "قدمت في الحج أنَّ حديث ابن عباس جاء مثله صحيحًا عن عائشة وأبي هريرة. فأمَّا حديث عائشة فأخرجه النسائي من طريق أبي سلمة٣ عنه٤، وأخرجه الطحاوي والبزّار من طريق مسروق عنها وصححه ابن حبان، وأكثر ما أعلّ به الإرسال وليس ذلك بقادح فيه. وقال النسائي: أخبرنا عمرو بن
_________________
(١) ١ أحمد (١١/ ٢٢١ الترتيب) . والنسائي (٥/١٩١) كما تقدم أعلاه. ٢انظر مجمع الزوائد للهيثمي (٤/٢٦٧) . ٣ لعله: ابن عبد الرحمن بن عوف. اختلف على اسمه قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه إسماعيل. وقيل اسمه كنيته. انظر ترجمته في التقريب (٢/٤٣٠)، والتهذيب (١٢/١١٥) وترجمة عائشة فيه (١٢/٤٣٤) . ٤ كذا في الأصل: ولعل صوابه "عنها".
[ ٢ / ٢٦٨ ]
علي، أنبأنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مثله. قال عمرو بن علي: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دع عائشة حتى أنظر فيه، وهذا إسناد صحيح لولا هذه القصة، لكن هو شاهد قويّ أيضًا. وأمّا حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف، لكنّه يعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة. وفيه ردّ على قول ابن عبد البر: أنَّ ابن عباس تفرَّد به من بين الصحابة بأن النّبيّ ﷺ تزوّج وهو محرم، وجاء عن الشعبي ومجاهد مرسلًا مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة. وأخرج الطحاوي من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم فقال: لا بأس به وهل هو [إلاّ] ١ كالبيع، وإسناده قويّ. لكنّه قياس في مقابل النصّ، فلا عبرة به، وكأنَّ أنسًا لم يبلغه حديث عثمان" اهـ٢.
وهذه الرواية عن أنس ﵁ تخالف ما رواه أبان بن عثمان أنَّ أنسًا قال: قال رسول الله ﷺ لا يتزوَّج المحرم ولا يزوِّج"٣.
وبهذا استدلّ صاحب (التعليق المغني على الدارقطني) فقال تعليقًا على قول الحافظ السابق ما نصّه: "حديث أبان هذا يدل على أنّه بلغه
_________________
(١) ١ كذا بالأصل بين معكوفين. وانظر شرح الآثار للطحاوي (٣/٢٧٣) . ٢ فتح الباري (٩/ ١٦٦) . ٣ تقدم (٢/٢٦٥) .
[ ٢ / ٢٦٩ ]
حديث النهي، ورجع بعد ذلك عن قوله بجوازه، ويحدث عن حديث النهي، وهذا هو المتعيّن١ " اهـ.
وأمَّا رواية ابن مسعود ﵁ فأخرجها الطحاوي بإسناده عن إبراهيم (وهو النخعي) أنَّ ابن مسعود ﵁ كان لا يرى بأسًا أن يتزوّج المحرم٢.
هذا حاصل ما وقفت عليه من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة على الصحابة، مما احتجَّ به من لم ير الإحرام مانعًا للمحرم من التزويج، وعمدتها حديث ابن عباس ﵄ كما ترى.
واحتجوا من جهة المعقول: بقياس النّكاح على شراء الأمة للتَّسرّي؛ إذ إنّه عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها، ولا يمنع شيء منها بسبب الإحرام٣.
وأجابوا عن حديث عثمان ﵁ وهو أنَّ النبي ﷺ قال: "لا يَنْكِح المحرم ولا يُنْكِح" (٤) بحمل النكاح هنا على الوطء. والمعنى: لا يطأ المحرم ولا تمكّنه المحرمة من ذلك، ويكون التذكير باعتبار الشخص المحرم، وعلى التسليم بأنّ المقصود به العقد يكون تأثيره في إفساد
_________________
(١) ١ التعليق المغني على الدارقطني (٣/٢٦١) . ٢ شرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٢٧٣) . ٣ انظر: فتح القدير (٣/٢٣٣)، وتبيين الحقائق (٢/١١١) وشرح معاني الآثار للطحاوي (٢/٢٧٢) . ٤تقدَّم تخريجه (ص٢٦٣) .
[ ٢ / ٢٧٠ ]
الإحرام لا النِّكاح، أو يحمل على الكراهة جمعًا بينه وبين الأحاديث، لئلاّ يشتغل القلب به عن أعمال الحجِّ، أو العمرة، ولا يلزم هذا في حقّه ﷺ؛ فإنَّه لا يشغل قلبه شيء من أمور الدُّنيا عن عبادة ربّه١.
وقد أجاب الجمهور عن حديث ابن عباس ﵄ بأجوبة كثيرة أهمّها وأشهرها ما يلي:
أوّلًا: أنَّ حديث ابن عباس ﵄ معارض بما صحّ عن ميمونة صاحبة القضيّة؛ حيث أخبرت عن نفسها أنَّ رسول الله ﷺ "تزوّجها وهو حلال، وبنى بها وهو حلال"، وصاحبة القضيّة أعرف بها، وحديث ميمونة هذا رواه عنها يزيد بن الأصمّ (ابن أختها) قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أنَّ رسول الله ﷺ "تزوّجها وهو حلال" قال: "وكانت خالتي وخالة ابن عباس". هذا لفظ حديث مسلم، وقد رواه أيضًا الأئمة: أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وابن الجارود والطحاوي والدارقطني والبيهقي٢.
_________________
(١) ١ انظر فتح القدير (٣/٢٣٤)، وتبيين الحقائق (٢/١١٠) والبحر الرائق (٣/١١٢) . ٢ تخريجه:
(٢) أحمد: (١١/٢٢٨-٢٢٩ ترتيب المسند للساعاتي. الحج. باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه وخِطْبته) .
(٣) مسلم: (٩/١٩٦-١٩٧ نووي) . نكاح. "باب تحريم نكاح المحرم وكراهية خِطْبته.
(٤) أبو داود: (٥/٢٩٥عون المعبود) . الحج. باب المحرم يتزوج.
(٥) الترمذي (٣/٥٨٣تحفة) الحج. باب ماجاء في الرخصة في ذلك. (أي في نكاح المحرم إشارة إلى الباب الذي قبله) .
(٦) ابن ماجة: (١/٦٣٢) نكاح. باب المحرم يتزوج.
(٧) الدارمي (١/٣٦٩) الحج. باب في المحرم يتزوج.
(٨) ابن الجارود (ص ١٥٦-١٥٧مناسك، ٢٣٣ نكاح) .
(٩) الطحاوي (٢/٢٧٠) الحج. باب نكاح المحرم.
(١٠) الدارقطني (٣/٢٦٢-٢٦٣) . نكاح.
(١١) البيهقي (٥/٦٦) الحج. باب المحرم لا يَنكح ولا يُنكح. وانظر نصب الراية (٣/١٧١-١٧٢) .
[ ٢ / ٢٧١ ]
ثانيًا: أنَّ حديث ابن عباس﵄- معارض بخبر أبي رافع، وكان هو السفير بين رسول الله ﷺ وميمونة، وسفير القضيَّة أعلم بها.
وخبر أبي رافع هذا رواه الأئمة: أحمد والترمذي والدارمي والطحاوي والدارقطني والبيهقي كلّهم من طريق حمّاد بن زيد، عن مطر الورَّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع ﵁ مولى رسول الله ﷺ: " أنَّ رسول الله ﷺ تزوَّج ميمونة حلالًا وبنى بها حلالًا، وكنتُ الرَّسولَ بينهما"١.
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) أحمد: (١١/٢٢٩ ترتيب المسند للساعاتي. الحج. باب ما جاء في نكاح المحرم وإنكاحه وخِطْبته) .
(٣) الترمذي: (٣/٥٨٠ تحفة) باب الحج. باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم.
(٤) الدارمي: (١/٣٦٩) الحج. باب في تزويج المحرم.
(٥) الطحاوي (٢/ ٢٧٠) الحج. باب في نكاح المحرم.
(٦) الدارقطني (٣/٢٦٢-٢٦٣) . نكاح.
(٧) البيهقي: (٥/٦٦) الحج. باب المحرم لا يَنكح ولا يُنكح. وانظر نصب الراية (٣/١٧٢-١٧٣) والتلخيص الحبير (٣/٥٧) وإرواء الغليل (٦/٢٥٢) .
[ ٢ / ٢٧٢ ]
قال الترمذي هذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حماد ابن زيد عن مطر الورّاق عن ربيعة، وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار "أنَّ النبيّ ﷺ تزوّج ميمونة وهو حلال"، ورواه مالك مرسلًا، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا" اهـ١.
ورواية الإمام مالك التي أشار إليها الترمذي هي في الموطأ عن سليمان بن يسار "أنَّ رسول الله ﷺ بعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار فزوّجاه ميمونة بنت الحارث ورسول الله ﷺ بالمدينة لم يخرج"٢
وقال ابن القيِّم في (تهذيب السنن): "هذا وإن كان ظاهره الإرسال فهو متَّصل؛ لأنّ سليمان بن يسار رواه عن أبي رافع: أنَّ رسول الله ﷺ "تزوّج ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنتُ الرَّسولَ بينهما"، وسليمان بن يسار مولى ميمونة، وهذا صريح في تزوّجها بالوكالة قبل لإحرام"٣.
_________________
(١) ١ الترمذي مع تحفة الأحوذي (٣/٥٨٠) . ٢ الموطأ (٢/٢٧٢ مع شرح الزرقاني) الحج. باب نكاح المحرم. ٣ تهذيب السنن مع عون المعبود (٥/٢٩٦) .
[ ٢ / ٢٧٣ ]
ولهذا فقد نقل الزيلعي عن الطحاوي ترجيحه لحديث أبي رافع على رواية ابن عباس فقال: "قال الطحاوي في كتابه "الناسخ والمنسوخ": والأخذ بحديث أبي رافع أولى؛ لأنَّه كان السفير بينهما، وكان مباشرًا للحال، وابن عباس كان حاكيًا، ومباشر الحال مقدَّم على حاكيه؛ ألا ترى عائشة كيف أحالت على عليّ حين سئلت عن مسح الخف، وقالت سلوا عليًّا؛ فإنّه كان يسافر مع رسول الله ﷺ انتهى"١.
وهذا بخلاف صنيع الطحاوي في (شرح معاني الآثار) فقد رجّح حديث ابن عباس لقوّة إسناده وضبط رواته٢.
ثالثًا: أنَّ ابن عباس ﵄ كان إذ ذاك صغيرًا، وهذا بخلاف ميمونة ﵂ صاحبة القضية، وبخلاف أبي رافع أيضًا السفير فيها، فلم يكن لابن عباس من الضبط والعناية بهذه القضيّة في ذلك العمر، ما لميمونة وأبي رافع ﵃ جميعًا.
ولذلك اشتهر عن سعيد بن المسيِّب توهيم ابن عباس في قوله: "إنَّ رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم". قال الحافظ في (فتح الباري): "قال الأثرم قلت لأحمد: إنَّ أبا ثور يقول بأيّ شيء يدفع حديث ابن
_________________
(١) ١ نصب الراية (٣/ ١٧٤) . ٢ انظر شرح معاني الآثار (٢/٢٦٨-٢٧١) .
[ ٢ / ٢٧٤ ]
عباس؟ - أي مع صحته- قال: فقال: الله المستعان: إنَّ ابن المسيِّب يقول: وَهِمَ ابن عباس، وميمونة تقول تزوّجني وهو حلال"١اهـ.
ولابن حزم ﵀ كلام يحسن إيراده هنا "حيث قال: نقول وبالله التوفيق: خبر يزيد عن ميمونة هو الحقّ، وقول ابن عباس وهم منه بلا شكّ لوجوه بيّنة: أوّلها: أنّها ﵂ أعلم بنفسها من ابن عباس؛ لاختصاصها بالقضيّة دونه، هذا ما لا يشك فيه أحد. وثانيها: أنّها كانت ﵂ حينئذ امرأة كاملة، وكان ابن عباس﵁- يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى. والثَّالث: أنَّه ﵇ إنَّما تزوّجها في عمرة القضاء، هذا ما لا يختلف فيه اثنان، ومكة يومئذ دار حرب، وإنّما هادنهم ﵇ على أن يدخلها معتمرًا ويبقى بها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج، فأتى من المدينة محرمًا بعمرة ولم يقدم شيئًا إذ دخل على الطواف والسعي، وتم إحرامه في الوقت، ولم يختلف أحد في أنّه إنّما تزوجها بمكة حاضرًا بها لا بالمدينة، فصحّ أنّه بلا شك إنّما تزوّجها بعد تمام إحرامه لا في حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة، وبقى خبر ميمونة وخبر عثمان لا معارض لهما والحمد لله رب العالمين"٢ اهـ.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٩/١٦٥) وانظر تخريجه له في الصفحة التالية لها (٩/١٦٦) . ٢ المحلى لابن حزم (٧/ ٢٠٠) وانظر بقية الكلام بعده.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وقوله ﵀: إنَّه ﵇ لم يقدِّم شيئًا على عمرته، هذا هو الظاهر والأولى به ﷺ. ولكن قوله ﵀: "إنّه لم يختلف أحد في أنّه إنّما تزوّجها بمكة حاضرًا بها لا بالمدينة" غير مسلّم له؛ فإنَّ الخلاف موجود والأقوال ثلاثة أحدها: أنّه ﷺ بعث أبا رافع فزوّجها إيّاه وهو بالمدينة قبل أن يخرج منها. أي وقبل أن يحرم. والثَّاني: أنّه ﷺ تزوّجها وهو محرم. والثَّالث: أنّه ﷺ تزوّجها بعد ما حلَّ من عمرته. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن القيم في زاد المعاد١. وتقدّم خبر أبي رافع في ذلك٢.
رابعًا: أنَّ حديث ابن عباس ﵁ معارض لحديث عثمان ابن عفَّان ﵁ وهو أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَنْكح المحرم ولا يُنْكِح ولا يخْطُب"٣.
وإذا تعارض القول والفعل يقدم القول على الصحيح؛ لأنّه تقعيد قاعدة، بخلاف الوقائع، فإنَّها تحتمل أنواعًا شتَّى من الاحتمالات، وحديث ابن عباس حكاية واقعة عين وفيه احتمالات شتى ومنها ما يلي:
الاحتمال الأوّل: أنَّ رسول الله ﷺ عقد على ميمونة قبل أن يحرم- كما في خبر أبي رافع السابق٤- وانتشر أمر تزويجه بها بعد أن أحرم
_________________
(١) ١زاد المعاد (٣/٣٧٣- ٣٧٤) . ٢ تقدم (٢/٢٧٢) . ٣ تقدم تخريجه في أول هذا المبحث (٢/٢٦٣) . ٤ تقدم (٢/٢٧٢) .
[ ٢ / ٢٧٦ ]
فاشتبه الأمر في ذلك، فلم يعلم ابن عباس إلاّ بعد انتشاره (بسَرِف١ بالقرب من مكة) . وقوّى هذا الاحتمال الساعاتي في شرحه لمسند الإمام أحمد. وأورد ما يدلّ على أنَّ ابن عباس ﵁ رجع عن قوله أيضًا٢.
الاحتمال الثَّاني: أنَّ ذلك خصوصيّة له ﷺ. قال النووي: وهو أصحّ الوجهين عند أصحابنا"٣.
والاحتمال الثَّالث: أنَّ ابن عباس ﵄ قال ذلك بناء على مذهبه، وهو أنَّ من قلّد هديه صار محرمًا، وإن لم يتلبَّس بالإحرام، ورسول الله ﷺ قد قلّد هدية في عمرة القضاء، ويؤيِّد هذا الاحتمال ما سبق عن أبي رافع أنَّ رسول الله ﷺ بعثه ورجلًا من الأنصار فزوّجاه ميمونة وهو بالمدينة قبل أن يخرج"٤.
_________________
(١) ١سَرِف: بفتح السين المهملة وكسر الراء ممنوع من الصرف، اسم مكان بين مكة والمدينة على ستة أميال من مكة روي: أنّ رسول الله ﷺ تزوج ميمونة فيه. وصحّ أيضًا أنَّه بنى بها فيه، وأنها ماتت فيه، ودفنت في ذلك المكان أيضًا في نفس المظلة التي بنى بها رسول الله ﷺ فيها. (انظر ترتيب المسند وشرحه (١١/٢٢٨) ومصادر تخريج حديث ابن عباس (٢/٢٧٢) .. ٢ انظر: شرح المسند (١١/٢٢٩) . ٣ انظر: شرح النووي على مسلم (٩/١٩٤) ونيل الأوطار (٥/١٨) والمغني لابن قدامة (٣/٣١٣) . ٤ انظر فتح الباري (٩/١٦٥-١٦٦) .
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الاحتمال الرَّابع: أنَّ معنى قول ابن عباس ﵁ "تزوّج رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم" أي في الشهر الحرام أو البلد الحرام، وهي لغة شائعة معروفة، يقال: أنجد وأتهم: إذا دخل نجدًا أو تهامة وكذلك يقال لمن هو في الحرم أو في الشهر الحرام مُحْرِمًا، ومنه البيت المشهور:
قتلوا ابن عفان الخليفة مُحْرِمًا ورعًا فلم أر مثله مقتولًا
وقول الأعشى:
قتلوا كسرى بليلٍ محرمًا
أي في الشهر الحرام، وانتصر لهذا الاحتمال ابن حبّان في صحيحه١.
ولكن في هذا التأويل نظر، فإنَّ ابن عباس قال: "إنَّ النبي ﷺ تزوّج ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال" وهذا ظاهر الدلالة على أنّه أراد الإحرام بالعمرة لمقابلته بالحلِّ.
ومما يترجّح به حديث عثمان ﵁ أنّه مثبِت لحكم جديد، وهو تحريم نكاح المحرم، بخلاف حديث ابن عباس فإنّه موافق للبراءة الأصليّة، وهي حِلُّ النكاح للمحرم وغيره، والمثبِت مقدَّم على النافي٢.
_________________
(١) ١ انظر نصب الراية (٣/١٧٣-١٧٤) وشرح النووي (٩/١٩٤) وفتح الباري (٩/١٦٦) وزاد المعاد (٣/ ٣٧٤) . ٢ انظر المحلى لابن حزم (٧/٢٠٠) وزاد المعاد (٣/٣٧٤) وفتح الباري (٩/١٦٦) ونيل الأوطار (٥/١٨) .
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وممَّا يؤيِّد رفع البراءة التي دلّ عليها حديث ابن عباس: أنَّ حديث ابن عباس متقدِّم؛ لأنَّه في عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة.
وأمّا حديث عثمان فالظاهر أنّه متأخِّر؛ لأنَّ النبيّ ﷺ إنّما بيّن أكثر أحكام الحج في حجَّة الوداع في آخر حياته ﷺ، فلو ثبت أنَّ رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم، لكان حديث عثمان ﵁ ناسخًا له. وهذا المعنى من الترجيح قويٌّ ووجيه، ويزيده قوّة ما صحّ عن عمر ابن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ من أنّهما فرّقا بين رجل وامرأته نكحها وهو محرم١.
هذا أهمّ وأشهر ما أجاب به الجمهور عن حديث ابن عباس ﵄.
وأجابوا عن ما قيل: من حمل "النكاح" في حديث عثمان على الوطء. جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس. بأنَّه بعيد؛ بدلالة قوله ﷺ "ولا يُنْكِح" بضم أوله وكسر الكاف. أي لا يزوِّج غيره، وكذلك قوله "ولا يخْطُب" وورد أيضًا في صحيح ابن حبان بزيادة. "ولا يخْطُب عليه"٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجهما في أول هذا المبحث (٢/٢٦٥) . ٢ انظر فتح الباري (٩/١٦٥) .
[ ٢ / ٢٧٩ ]
كلُّ ذلك دليل واضح على أنَّ المراد بالنِّكاح في حديث عثمان ﵁ العقد، لا الوطء. وأمَّا منع المحرم من الوطء فمعلوم من دليل آخر١.
وأمّا قياس نكاح المحرم على شراء الأمة للتَّسرّي فهو قياس في مقابل النصّ، ومثله فاسد الاعتبار٢.
وأيضًا: فإنَّ النَّكاح يخالف شراء الأمة؛ فإنَّه يحرم بالعدّة، والردّة، واختلاف الدِّين وكون المنكوحة أختًا من الرضاعة، ويعتبر له شروط غير معتبرة في الشراء فافترقا٣.
وبهذا يتَّضح أنّ القول الرَّاجح هو: أنَّ المحرم لا يعقد النكاح، سواء أكان وليّا أم غيره، ولا يُعْقَد له أيضًا سواء أكان ذكرًا أم أنثى. والله أعلم.
وقد تقدَّم أنَّ اشتراط عدم إحرام الوليّ في النكاح ليس له كبير تعلّق بشروط الوليّ في النِّكاح؛ لأنّ المحرم لا تسقط ولايته بإحرامه، وإنّما أحببت بسط القول في هذه المسألة؛ لشهرة أدلّتها، وظهور التعارض بينها،
_________________
(١) ١ انظر: المحلى لابن حزم (٧/١٩٩) وفتح الباري (٩/١٦٥) . ٢ انظر فتح الباري (٩/١٦٦) ونيل الأوطار (٥/١٨) . ٣ انظر المغني والشرح الكبير (٣/٣١٣) .
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ولبيان وجه الحقّ فيها حسب الاستطاعة؛ ولوقوع تلك الأدلّة المشهورة في آخر هذه الرسالة من غير سبق إعداد.
والله أسأل أن يختم بالصالحات أعمالنا وبالعفو عن سيئاتنا، وأن يعلّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعله حجّة لنا،
لا علينا، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم
الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين
وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢ / ٢٨١ ]