١- المقصود بالثّيب:
أمّا الثيّب في اللغة: فهي من النّساء من تزوّجت، وفارقت زوجها بأيِّ وجه كان، بعدأن مسّها.
وأصل هذا الاسم مأخوذ من مادة "ثوب١"، يقال: ثاب يثوب إذا رجع، وعاد مرة بعد أخرى، ومنه المكان الذي يثوب إليه الناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ ٢؛ لأنَّ الناس يثوبون إليه مرة بعد أخرى، لا يكادون يغادرونه إلاّ اشتدّ شوقهم للعودة إليه، مرة ثانية.
_________________
(١) ١ قال صاحب القاموس "إنّ إدخال اسم الثّيّب في مادة "ثوب" وهم". (١/٤٤ القاموس) . وكذلك استدرك صاحب مقدمة الصحاح على الجوهري إيراده اسم "الثّيّب" في مادة "ثوب" وعدّها من المآخذ على الجوهري. (١/١٤١ المقدمة) . ولكن الصواب أنّ الجوهري لم يهم في ذلك، نبّه على ذلك صاحب تاج العروس (١/١٧١)، وقد اقتصر ابن فارس على ذكر مادة "ثوب". وذكرها كلٌّ من ابن الأثير، وابن منظور في مادة "ثيب"، إلاّ أنّ ابن الأثير استدرك وقال: وأصل الكلمة الواو؛ لأنه من ثاب يثوب إذا رجع، كأن الثيّب بصدد العود والرجوع، وذكرناه هاهنا حملًا على لفظه. (١/٢٣١ النهاية في غريب الحديث) . ٢ سورة البقرة- آية: ١٢٥.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وهو اسم أيضًا للرجل: فيقال للرجل ثيّب إذا دخل بامرأته، كما يقال للمرأة ثيّب إذا دخل بها زوجها، فيكون الذكر والأنثى فيه سواء.
وقيل: لا يسمّى الذكر ثيّبًا إلاّ في قولهم: "ولد الثّيّبين، وولد البكرين"، ومعنى هذا أنّه يسمّى ثيِّبًا من باب التغليب١.
ولكن يشهد لتسمية الرجل "ثيّبًا" قوله ﷺ: "لا يحلّ دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنِّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: النَّفس بالنَّفس، والثّيّب الزّاني، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة". رواه البخاري بهذا اللفظ٢ من حديث ابن مسعود ﵁.
وقوله ﷺ: "الثّيب بالثّيّب جلد مائة ورجم٣ بالحجارة ". رواه مسلم وغيره٤ من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
ولا خلاف في شمول اسم الثّيّب في هذه الأحاديث الذَّكر والأنثى.
_________________
(١) ١ انظر مادة "ثوب" في كل من: مقاييس اللغة لابن فارس (١/٣٩٣)، والصحاح للجوهري (١/٩٥)، والقاموس (١/٤٤)، وتاج العروس (١/١٧١)، والمصباح المنير (١/٨٧) ومادة "ثيب" في لسان العرب (١/٢٤٨) . ٢ انظر: البخاري (١٢/٢٠١ مع الفتح) كتاب الديات، باب قوله تعالى: ﴿أنّ النَّفس بالنّفس﴾ . ورواه مسلم أيضًا وغيره. انظر تخريجه في (إرواء الغليل) (٧/٢٥٣) . ٣ قال ابن الأثير في النهاية: (الجمع بين الجلد والرجم منسوخ اهـ (١/٢٣١) . وفيه خلاف ليس هذا محلّ بيانه. ٤ انظر: إرواء الغليل (٨/١٠، وتقدّم تخريجه في الحاشية رقم"١" (ص ٢٧٣) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال ابن الأثير: "الثّيّب من ليس ببكر، ويقع على الذّكر والأنثى، رجل ثيّب وامرأة ثيّب، وقد يطلق على المرأة البالغة إن كانت بكرًا، مجازًا واتساعًا، وأصل الكلمة الواو؛ لأنّه من ثاب يثوب. إذا رجع، كأن الثّيّب بصدد العود والرجوع"١ اهـ المقصود من كلامه.
وأمّا المقصود بالثّيّب عند الفقهاء في هذا المبحث: فهي المرأة التي زالت بكارتها بوطء مطلقًا، إلاّ أن في الموطؤة بالزّنى خلافًا في اعتبار حكمها حكم الثّيّبات أو الأبكار. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في آخر هذا المبحث في الكلام على "الثيوبة المعتبرة"٢.
٢- حكم استئذان الثّيب البالغ في النّكاح.
لقد أجمع أهل العلم- إلاّ من شذّ- على أنّ الثّيِّب المكلّفة الرشيدة لا تُنْكح إلاّ بإذنها. وروى عن الحسن البصري ﵀: أنَّ أباها يزوّجها ولو كانت كارهة٣.
_________________
(١) ١ النهاية في غريب الحديث (١/٢٣١) . ٢ انظر (ص٣٥٢) . ٣ انظر: المغني لابن قدامة (٧/٣٨٥)، وزاد المعاد لابن القيم (٥/٩٩)، والمحلى لابن حزم (٩/٤٥٩)، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/٤)، وفتح الباري (٩/١٩١)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٤٤) .
[ ١ / ٣٤٥ ]
وروي أيضًا عن إبراهيم النخعي ﵀ أنّه قال: يزوّجها أبوها إن كانت في عياله، وأمّا إن كانت بائنة في بيتها مع عيالها فلا يزّوجها حتى يستأمرها١.
وهذان القولان شاذَّان مخالفان للسنّة وإجماع الأئمة٢.
فأمّا السنّة فمنها:
أوّلًا: حديث خنساء٣ بنت خِدَام الأنصارية: أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب فكرهت ذلك، فأتت النبي ﷺ فردّ نكاحها".
وهذا حديث مجمع على صحته، فقد رواه الأئمة: مالك، وأحمد، والبخاري- وهذا لفظه-، وأبو د اود. وذكره الترمذي مستغنيًا عن إسناده جامعًا بينه وبين حديث "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها". ورواه أيضًا النسائي، وا بن ما جه، والدَّارمي، وا بن الجارود، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم٤.
_________________
(١) ١ انظر: مصادر التعليق السابق ٢ انظر: مصادر التعليق السابق. ٣ هي: خَنْسَاء- بمعجمة ثم نون ثم مهملة وزن حمراء- بنت خِدَام- بكسر المعجمة وتخفيف المهملة- ابن خالد الأنصارية من بني عمرو بن عوف. انظر ضبط اسمها واسم أبيها في فتح الباري (٩/١٩٥) . وانظر ترجمتها في الإصابة (٤/٢٨٦-٢٨٧) . ٤ تخريجه:
(٢) مالك: (٣/١٤٣-١٤٤ مع شرح الزرقاني) نكاح، جامع ما لا يجوز من النكاح.
(٣) أحمد: (١٦/١٦١-١٦٢ ترتيب المسند للساعاتي، نكاح، باب ما جاء في تزويج الأب ابنته الثيّب أو البكر البالغ بغير رضاها.
(٤) البخاري: (٩/١٩٤ فتح) نكاح، باب إذا زوّج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه مردود. وفي مواضع أخر من الصحيح أشار المحقق إلى أطرافها في هذا الموضع.
(٥) أبو داود: (٦/١٢٨ عون المعبود) نكاح، باب في الثّيب.
(٦) الترمذي: اختلف في عزو هذا الحديث إليه، والذي وقفت عليه في جامعه هو ذكر متنه بدون إسناد، جامعًا بينه وبين حديث "الأيِّم أحقُّ بنفسها من وليّها" (٤/٢٤٥ تحفة) نكاح، باب ما جاء في استئمار البكر والثّيب.
(٧) النسائي: (٦/٨٦مع حاشيتي السيوطي والسندي) نكاح، الثيّب يزوّجها أبوها وهي كارهة.
(٨) ابن ماجه: (١/٦٠٢) نكاح، باب من زوّج ابنته وهي كارهة.
(٩) الدارمي: (٢/٦٣ مع تخريجه) نكاح، باب الثيِّب يزوجها أبوها وهي كارهة.
(١٠) ابن الجاروي: (ص ٢٣٨ مع تخريجه) نكاح. ٠ ١- الدارقطني: (٣/٢٣١- ٢٣٢ مع التعليق المغني) نكاح.
(١١) البيهقي: (٧/١١٩) نكاح، باب ما جاء في إنكاح الثيّب. وانظر من كتب التخريج: نصب الراية (٣/١٨٢-١٨٣) وإرواء الغليل (٦/٢٢٩-٢٣٠) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
فدلّ هذا الحديث الصحيح على أنَّ الثيّب البالغ لا يجبرها أحد على النِّكاح؛ إذ لو كان لأحد من أوليائها إجبارها بغير إذنها ورضاها لجاز عليها نكاح أبيها وهي كارهة؛ إذ إنّه أقرب أوليائها، وأوفرهم شفقة عليها.
[ ١ / ٣٤٧ ]
وبهذا الحديث أخذ الأئمة إلاّ من شذّ كالحسن البصري، وإبراهيم النخعي، رحمهما الله.
قال ابن قدامة في المغني: "قال ابن عبد البرِّ: هذا حديث مجمع على صحّته، والقول به، لا نعلم مخالفًا له إلاّ الحسن. وكانت الخنساء من أهل قباء، وكانت تحت أنيس بن قتادة، فقتل عنها يوم أحد، فزوّجها أبوها رجلًا من بني عوف، فكرهتة، وشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ فردّ نكاحها، ونكحت أبا لبابة بن المنذر١ اهـ.
٢- حديث أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُتْكَح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت". هذا لفظ البخاري، وتقدَّم تخريجه٢.
وهذا نهي صريح عن إنكاح الأيِّم بدون إذنها، وهو عامٌّ في كلّ أيِّم وفي كلِّ وليٍّ، والمراد بالأيِّم: في هذا الحديث هي "الثّيِّب" لمقابلتها بالبكر. وفي هذا الحديث الصحيح الصريح قطع لكلّ حجَّة قائلة بإجبار الحرَّة المكلَّفة، سواء كانت بكرًا أم ثيِّبًا.
_________________
(١) ١ المغني (٧/٣٨٥)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/٤٤ ١) . ٢ انظر ما تقدم (ص ٢٧٧) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
٣- حديث ابن عباس - ﵄- أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم وا لأربعة وغيرهم، وتقدّم تخريجه١.
والمراد بالأيِّم هنا: الثّيِّب أيضًا، كما في حديث أبي هريرة ﵁، لمقابلتها بالبكر في كلا الحديثين، ولما جاء في بعض روايات هذا الحديث صريحًا بلفظ "الثّيِّب"٢، وقد جعلها رسول الله ﷺ أحقّ بنفسها من وليِّها، أي بالرضى بزوجها كما تقدّم ٣ جمعًا بينه وبين أحاديث إثبات الولاية في النِّكاح.
٤- وفي رواية أخرى عن ابن عباس - ﵄ - أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليس للوليِّ مع الثّيِّب أمرٌ، واليتيمة تستأمر في نفسها، وصمتها إقرارها". وتقدّم تخريجه والكلام على إسناده٤.
فهذا نفي لحقِّ الوليّ في إكراهها على من لا ترضاه جمعًا بينه وبين أحاديث الولاية كما تقدّم٥.
وأمّا إجماع الأئمَّة على عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة فقد حكاه جمع
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم (ص١٦٧) . ٢ انظر ما تقدم (ص ١٧٠) . ٣ انظر ما تقدم (ص ١٧١ وما بعدها) . ٤ انظر ما تقدم (ص ١٧٣ وما بعدها) . ٥ انظر ما تقدم في حديث الخنساء (ص٣٤٦) .
[ ١ / ٣٤٩ ]
من الأئمة واعتبروا مخالفته شذودًا.
وأمّا دلالة عدم إجبار الثّيِّب المكلَّفة من جهة المعقول؛ فلما سبق في البكر البالغ، ولزيادة خبرتها بممارسة الرِّجال، وإدراكها لمقاصد النِّكاح. والله أعلم.
٣- صفة إذن الثّيِّب.
وأمّا ما يحصل به معرفة إذن الثّيِّب فهو صريح قولها إجماعًا، فلا يكفي سكوتها- كما هو الشأن في البكر- مع قدرتها على النطق، وذلك للأحاديث الصحيحة التي فرَّقت بين إذن الثّيِّب والبكر، حيث دلّت على أنَّ إذن البكر يكفي فيه سكوتها؛ لغلبة حيائها، فدلّ على أنَّ الثّيِّب بخلافها، ومن تلك الأحاديث ما يلي:
أوّلًا: حديث ابن عباس ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "الأيِّم أحقّ بنفسها من وليِّها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها". رواه مسلم والأربعة وغيرهم١.
ثانيًا: حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تُنْكَح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تُنْكح البكر حتى تستأذن"، قالوا: يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: "أنّ تسكت" ٢. متفق عليه.
_________________
(١) ١ تقدم (ص١٦٧) . ٢ تقدم (ص ٢٧٧) .
[ ١ / ٣٥٠ ]
فدلّ هذان الحديثان - وما في معناهما من الأحاديث - على أنَّ لكلٍّ من البكر والثّيب إذنًا معتبرًا شرعًا، والإذن إنَّما يدلّ عليه صريح القول مع القدرة عليه؛ لأنّ اللسان هو المعبّر عما في نفس صاحبه مع استطاعة صاحبه، على النُّطق بالكلام، ولكن دلّت تلك الأحاديث على اعتبار صمت البكر رضى؛ لشدّة حيائها من النُّطق بالإذن، فدلّ ذلك بمفهومه على أنَّ الثّيب بخلافها؛ فلا يكفي صمتها؛ لأنّها مارست الرجال ولا تستحي غالبًا من التصريح بالمقال، ثم إنّ القول هو الأصل في الإذن.
وقد استدلّ بعض العلماء على تأكيد النطق بالإذن في حق الثّيب بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ "والأيِّم تستأمر والبكر تستأذن" فقالوا: إنّ الأمر آكد من الإذن؛ فلا يكون إلاّ بالقول بخلاف الإذن فقد يكون بالقول أو بالصمت١.
ولكن اعترض عليه بما في حديث ابن عباس وغيره بلفظ "والبكر تستأمر" ٢، ولكن أجيب عنه بأنّه خرج بقرينة "وإذنها صماتها"؛ بخلاف الثّيِّب٣.
ولكنّ الأظهر والله أعلم: أنّ يقال: إنّ الأصل في كلٍّ من الإذن والأمر إنّما يتأتّى بالقول، وقد قام الدليل على اعتباره بالصَّمت من البكر
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري (٩/١٩٢)، والفتاوى لابن تيميه (٣٢/٢٤-٢٥) . ٢ انظر التخريج المتقدم (ص ١٦٧، ٢٧٩) . ٣ انظر: نيل الأوطار للشوكاني (٦/١٣٩)، وفتح القدير لابن الهمام (٣/١٩٢) .
[ ١ / ٣٥١ ]
فلزم اعتباره، ولم يرد مثله في الثّيِّب فلزم الرجوع إلى الأصل، فيما يعرف به الإذن، وهو الكلام، وأصرح من هذه الأحاديث كلّها الحديث الآتي وهو:
ثالثًا: حديث عَدِِيّ بن عَدِيّ الكندي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "أشيروا على النِّساء في أنفسهنَّ"، فقالوا: إنّ البكر تستحي يارسول الله قال ﷺ: "الثّيب تُعْرِب عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها". وهو حديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه، والبيهقي كما تقدَّم١. وهو وإنّ كان قد قيل فيه إنّه منقطع؛ لأنّ عَدِيًّالم يسمع من أبيه كما قاله أبو حاتم، إلاّ أنَّ معناه متفق عليه بين الأئمة. والله أعلم.
٤- الثيوبة المعتبرة في صفة الإذن.
لقد تقدَّم أنَّ الفرق بين البكر والثّيِّب في صفة الإذن هو: أنّ البكر تستأذن فيكفي صمتها، وأنَّ الثّيب تستأمر فلا بدّ من نطقها.
وبقي أن نعرف ما هي الثيوبة المعتبر لها صريح الإذن عند الفقهاء؟ ولمعرفة ذلك لا بدّ من معرفة سبب ثيوبتها فهي: إمّا أن تكون قد زالت بكارتها بوطء أو بغيره.
أ- فإن زالت بكارتها بغير وطء، كسقطة، أو وثبة، أو شدّة حيضة، أو بأصبع، أو بعود، أو بطول تعنيس، ونحو ذلك فلا أثر لهذه الثيوبة عند
_________________
(١) ١ انظر تخريجه والكلام على إسناده (ص ٣٢٧) .
[ ١ / ٣٥٢ ]
الفقهاء؛ بل إنَّ حكمها حكم الأبكار١. إلاّ ما حكى من وجهٍ في مذهب الشافعية أنّها تعتبر ثيّبًا٢.
واستدلّ جمهور الفقهاء على قولهم إنّ حكمها حكم الأبكار:
بأنّ من لم تَزُل بكارتها بالوطء فإنّها لم تختبر المقصود من النِّكاح، ولم تمارس الرجال بالوطء في محلِّ البكارة، فهي على غباوتها وحيائها، فأشبهت من لم تَزُل عُذْرتها٣.
ولأنَّها بكر حقيقة: لأنّ مصيبها أول مصيب لها، ومنه الباكورة، والبكرة، لأوَّل الثِّمار وأوّل النّهار٤.
وأمَّا وجه ما حكى عن الشافعية فهو أنّها بزوال عُذْرتها لم تعد من الأبكار، بل إنَّها قد أصبحت ثيّبًا، والقول الأوّل هو المعتمد. والله الموفِّق.
ب- وأمّا من زالت بكارتها بوطء فلايخلو حالهامن أمرين:
الأوّل: أنّ يكون الوطء حلالًا أو ما يلحق به.
_________________
(١) ١ انظر في مذاهب الفقهاء: المغني لابن قدامة (٧/٣٨٨. والمنهاج ومغني المحتاج (٣/١٤٩)، وشرح مسلم (٩/٢٠٤)، وبداية المجتهد (٢/٥)، والهداية وفتح القدير (٣/٢٧٠-٢٧١) . ٢ انظر شرح النووي لمسلم (٩/٢٠٤-٢٠٥) . والتكملة الثانية للمجموع (١٦/١٧٠) . ٣ انظر: مصادر ما تقدم من مذاهب الفقهاء. ٤ انظر: الهداية مع فتح القدير (٣/٢٧٠) .
[ ١ / ٣٥٣ ]
الثَّاني: أن يكون وطء زنى.
فإن كان الوطء حلالًا كالواقع في نكاح صحيح، أو ملك يمين، أو ما يلحق بالوطء الحلال كالواقع في نكاح فاسد، أو وطء شبهة، فلا خلاف في حصول الثيوبة بذلك، واعتبار صريح إذنها في النِّكاح بالقول دون السكوت١.
وأمّا إن زالت بكارتها بالزِّنى فقد اختلف الفقهاء في صفة إذنها، أيكتفى بسكوتها كالأبكار أم لا بدّ من صريح قولها كالثَّيِّب؟ على قولين:
الأوّل: أنَّ حكمها حكم الموطوءة في نكاح صحيح، أو ما يلحق به، فيكون المعتبر نطقها دون صمتها، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة٢.
والثَّاني: أنَّ حكمها حكم الأبكار، وهذا مذهب المالكيَّة، وأبي حنيفة، وحكى عن الشافعي في القديم٣.
_________________
(١) ١ انظر حول هذا المعنى: المغني مع الشرح الكبير (٧/٣٨٨ والشرح٤٠٣) . والإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٣)، والفتاوى لابن تيمية (٣٢/٤٢)، والمنهاج ومغني المحتاج (٣/١٤٩-١٥٠)، وشرح النووي على مسلم (٩/٢٠٤)، وبداية المجتهد (٢/٥) . ٢ انظر: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٤٩)، روضة الطالبين (٧/٥٤)، وتكملة المجموع الثانية (١٦/١٧٠)، والمغني لابن قدامة (٧/٣٨٨)، والإنصاف (٨/٦٤)، والهداية وفتح القدير (٣/٢٧٠-٢٧١) . ٣ انظر: بداية المجتهد (٢/٥)، الكافي لابن عبد البر (١/٤٢٨)، والخرشي (٣/١٧٦)، والهداية وفتح القدير (٣/٢٧٠- ٢٧١)، والمغني (٧/٣٨٨)، والإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٣) .
[ ١ / ٣٥٤ ]
دليل القول الأوَّل:
وقد استدلَّ من قال: إنّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الثيِّب الموطوءة في نكاح صحيح ونحوه بما يلي:
أوَّلًا: عموم الأحاديث الواردة في صفة إذن الثّيِّب مثل:
حديث: "لثيِّبات تعرب عن نفسها بلسانها".
وحديث: "لا تُنْكح الأيِّم حتى تستأمر".
والموطوءة بزنى ثيِّب؛ إذ إنَّ الثّيِّب هي الموطوءة في القبل، وهي كذلك؛ بدليل أنَّه لو أوصى لثيِّب النِّساء دخلت في الوصيَّة، ولو أوصى للأبكار لم تدخل، ولو اشترطها في التزويج أو الشراء بكرًا فوجدها مصابة بالفجور ملك الفسخ١.
ثانيًا: ولأنّها موطوءة في القبل فأشبهت الموطوءة بشبهة٢.
ثالثًا: أنّ الحكمة التي اقتضت التفرقة بين صفة إذن البكر والثّيِّب هو الحياء، والمثابة بزنى قد زال حياؤها بمباضعة الرِّجال؛ فإنَّها إذًا لم تستح من مباضعة الرِّجال عن طريق الزِّنى فلن تستحي من التصريح بالإذن في النِّكاح الصحيح٣.
_________________
(١) ١ انظر المغني لابن قدامة (٧/٣٨٨) . ٢ نفس المصدر والصفحة. ٣ المبدع (٧/٢٧) . كشاف القناع (٥/٤٦)، تكملة المجموع الثانية (١٦/١٧٠) .
[ ١ / ٣٥٥ ]
رابعًا: أنّ الموطوءة بزنى ثيِّب حقيقة؛ لأنَّ مصيبها عائد إليها، ومنه المثوبة والمثابة، والتثويب١.
دليل القول الثَّانى:
واستدلَّ من قال: إنَّ الموطوءة بزنى حكمها في الإذن حكم الأبكار بما يلي:
أوَّلًا: أنَّ علَّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، والحياء من الشيء لا يزول إلاّ بمباشرته بالإذن، وهذه لم تباشره بالإذن في نكاح صحيح، فيبقى حياؤها بحاله، والحياء علَّة منصوصة، كما في حديث عائشة الصحيح أنَّها قالت: "يا رسول الله يستأمر النِّساء في أبضاعهنَّ؟ قال: "نعم". قالت: فإنَّ البكر تستأمر فتستحي. قال: "سكاتها إذنها "٢. متفق عليه٣.
ثانيًا: أنَّ النّاس عرفوها بكرًا، فيعيبونها بالنُّطق فتمتنع عنه، فلو لم يكتف بسكوتها لتعطَّلت مصالحها، وهذا بخلاف ما إذا وطئت بشبهة، أو نكاح فاسد؛ لأنّ الشرع أظهره، حيث علَّق به أحكامًا، من لزوم العدّة
_________________
(١) ١ الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٧٠- ٢٧١) . ٢ انظر: المغني لابن قدامة (٧/٣٨٨)، وفتح القدير لابن الهمام (٣/٢٧١) . ٣ الحديث تقدم تخريجه (ص ٢٧٨) .
[ ١ / ٣٥٦ ]
والمهر، وإثبات النَّسب، بخلاف الزنى المندوب إلى ستره، ولم يتعلَّق به شيء من أحكام النِّكاح الصحيح١.
ولكن نوقش الدليل الأوَّل: بأنّ التعليل بالحياء غير صحيح، فإنّه أمر خفيّ لا يمكن اعتباره بنفسه، وإنّما يعتبر بمظنّته، وهو البكارة؛ لأنَّها وصف ظاهر منضبط بخلاف الحياء٢.
وأمَّا قولهم إنَّهالم تباشره بالإذن، فإنَّه باطل بالموطوءة بشبهة، أو في ملك اليمين أو المزوَّجة صغيرة٣.
أمَّا قولهم: إنّ النَّاس عرفوها بكرًا، فالظاهر أنّ محلّ الخلاف فيمن اشتهر زناها، لا من عرفها النّاس بكرًا، كما قال ابن الهمام: إن زالت- (أي بكارتها) - بزنى مشهور، أو وطء بشبهة أو نكاح فاسدٌ زوِّجت كالثَّيِّبات اتفاقًا، وإن زالت بزنى غير مشهور فهو محلّ الخلاف ٤ اهـ-
وقوله هذا يحتمل أن يكون قصد بمحلِّ الاتفاق والخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، ويحتمل أن يكون قد قصد به الحنفية وغيرهم، وعلى كلا الاحتمالين فينبغي أن يكون محلّ الخلاف في المشهور؛ لا في المستور لما يترتَّب على استنطاقها من إظهارعيبها الذي أمر الشارع بستره، مع أنّه
_________________
(١) ١ انظر الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٧١- ٢٧٢) . وتبيين الحقائق (٢/٠ ١٢) . ٢ فتح القدير (٣/٢٧١-٢٧٢) . والمغني لابن قدامة (٧/٣٨٨) . ٣ المغني لابن قدامة (٧/٣٨٨) . ٤ فتح القدير لابن الهمام (٣/٢٧١-٢٧٢) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
ليس هناك ضرورة لنطقها؛ لظهور قرائن الرضى بغيره، كسكوتها أو استلام مهرها، أو تهيّؤها للنِّكاح بعد العلم به، وكم من قرينة حال تعارفها الناس في كلّ زمان ومكان فأغنت عن صريح المقال.
وأمَّا الأحاديث التي فيها الأمر باستئمار الثّيّب، وأنَّها تعرب عن نفسها، فليس فيها إلاّ تأكيد حقّها في الرضى، وإذا عرف فليس الاستنطاق أمرًا تعبّديًّا، وإنّما هو وسيلة لمعرفة الرضى والإذن، مع أنّ الغالب أنّ المقصود بالثّيِّب هي المعهودة عند الناس بسبب نكاح أو شبهة.
ومن هنا نعلم أنَّ الأولى في هذه المسألة هو التفصيل في حال الموطوءة بزنى:
فإن اشتهر أمرها بنحو إقامة حدٍّ عليها، أو اتخاذه عادة لها، فهذه إن لم تكن أولى بالاستنطاق من الموطوءة بشبهة المتفق على استنطاقها، فلا أقلّ من مساواتها بها، وأمَّا إن خفي زناها وغلب عليها حياؤها فمنعها من التصريح بالإذن، فلا ينبغي إجبارها على النطق، بل يكتفى بظاهر أمرها عند الناس؛ ولهذا قال ابن الهمام: الفرض أنَّ الزنى غير مشهور، ففي الزامها النطق دليل المنع من إشاعة الفاحشة في هذه الصورة، والمنع يقدم عند التعارض فيعمل دليل نطق الثّيِّب فيما وراء هذه الصورة، وأيضًا الظاهر من مراد الشارع من البكر المعتبر سكوتها رضى البكر ظاهرًا كما في أمثاله، لا في نفس الأمر، ولذا لم يوجب على الوليّ استكشاف حالها عند استئذانها، أهي بكر الآن ليكتفي بسكوتها أم لا؟ اكتفاء بالبناء على
[ ١ / ٣٥٨ ]
الأصل الذي لم يظهر خلافه، والكلام هنا في ثيوبة بزنى لم يظهر فيجب كونها بكرًا شرعًا؛ ولذا قلنا لو ظهر لا يكفي سكوتها" ا. هـ١ والله أعلم.
خاتمة هذا الفصل: في حكم إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بدون إذنها
لقد تقدَّم لنا في هذا المبحث أنّ الثَّيِّب الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها وليُّها إلاَّ بإذنها اتفاقًا، إلاّ من شذّ، وكذلك البكر الحرَّة المكلَّفة لا يُنْكِحها سائر أوليائها إلاّ بإذنها، عدا الأب والجدّ، ففي إنكاحهما لها بدون إذنها خلاف، تقدَّم بيانه، وأنّ الراجح هوعدم صحة إجبارهما لها أيضًا.
ويجدر بنا أن نختم هذا الفصل ببيان صحَّة أو بطلان إنكاح الوليِّ من يعتبر إذنها بغير إذنها.
وحاصل مذاهب العلماء في هذه المسألة يمكن حصره في ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنّ نكاح من يعتبر إذنها بدون إذنها نكاح باطل، لا يصح مطلقًا، وإن رضيت به بعد ذلك وأجازته. وهذا مذهب الإمام الشافعي، وأصحّ الروايتين عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك. ﵏"٢.
_________________
(١) ١ فتح القدير لابن الهمام (٣/٢٧٢) . وانظر الاختيارات الفقهية لابن تيمية (٢٠٤) ففيها تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك من تزويج المثابة بزنى كما تزوَّج البكر. ٢ انظر: الأم للشافعي (٥/١٧-١٨)، وروضة الطالبين (٧/٥٥)، وفتح الباري (٩/١٩٤)، والمغني لابن قدامة (٧/٣٦٥)، والإنصاف (٧/٨٢)، والإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٤-١١٥)، والفتاوى لابن تيمية (٣٢/٢٩-٣٠)، والكافي لابن عبد البر (١/٤٣٢) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
وحجَّة هذا الفريق أحاديث وجوب الاستئمار، والنهي عن إنكاح المرأة بدون إذنها، المتقدّم تفصيلها في هذا الفصل، وأصرحها في هذه المسألة هو: قضاء النبيِّ ﷺ في خنساء بنت خِدَام حيث أنكحها أبوها وهي كارهة، فرفعت أمرها إلى النّبيِّ ﷺ فردّ نكاحها"١، ولم يقل لها النّبيّ ﷺ: إلاّ أن تجيزي ما فعل أبوك٢.
القول الثَّانى: أنّه إذا بلغها الخبر عن قرب فأجازته جاز، وإلا فلا. وهذا هو المشهور من مذهب المالكية٣.
ووجه إجازته عن قرب: هو وقوع العقد والإجازة في وقت واحد، والمهلة اليسيرة لا ضرر فيها، وأمَّا وجه بطلانه عن بعد فهو حجّة الفريق الأول٤.
القول الثَّالث: انعقاد النِّكاح موقوفًا على إجازتها؛ فإن أجازته جاز، وإن ردّته بطل. وهذا هو مذهب الحنفية٥.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص٣٤٦) . ٢ انظر الأم للشافعي (٥/١٧) . ٣ انظر: الكافي لابن عبد البر (١/٤٣٢)، والإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٤) . وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٤٤)، وفتح الباري (٩/١٩٤) . ٤ انظر: الزرقاني على الموطأ (٣/١٤٤)، والمنتقى للباجي (٣/٣١١) . ٥ انظر: المبسوط (٥/١٥)، الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٣٠٦وما بعدها) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
وحجَّتهم حديث الفتاة البكر التي أنكحها أبوها وهي كارهة فجعل النبي ﷺ الأمر إليها فقالت: "قد أجزت ما صنع أبي، ولكنِّي أردت أن أعلم: أن للنساء من الأمرشيء؟ "١.
ولاختلاف العلماء أيضًا في هذه المسألة سبب آخر:
وهو قياس عقد الوليّ هنا على عقد الفضولي، وهو عقد مختلف في صحَّته، فعندالحنفية كلُّ عقد انعقد وله مجيز انعقد موقوفًا على الإجازة، فعقد الفضولي عندهم عقد صدر من أهله- وهو الحرّ البالغ العاقل- مضافًا إلى محلّه- وهو هنا الأنثى من بنات آدم التي لم يمنع من نكاحها مانع- ولا ضرر في انعقاده؛ لتوقفه على إجازة من له الحق، فإن رأى فيه مصلحة أجازه وإلاّ ردّه.
وهذا بخلاف مذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه فعقود الفضولي
عنده كلُّها لاغية لا حكم لها٢.
"الرَّاجح":
والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ عقد الوليِّ هنا لا يخلو من أمرين:
إمّا أن يكون قد وقع صحيحًا أو باطلًا أصلًا.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه (ص١٧٧) . ٢ انظر في عقد الفضولي: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٣٠٧وما بعدها) .
[ ١ / ٣٦١ ]
فإن وقع باطلًا فلا تلحقه الإجازة، بل لا بدّ من استئناف عقد جديد إن رضيت بعد ذلك. وإمّا أن يقال: إنَّه انعقد صحيحًا ولها حقّ الفسخ إن لم ترض، وهذا هو أصحها وأقواها فيما يظهر لي لما يلي:
أوّلًا: أنَّ ما ورد فى السنة الصحيحة من الأمر باستئذان المرأة المكلَّفة في إنكاحها والنهي عن إنكاحها بدون إذنها قد بيَّنه قضاء رسول الله ﷺ في خنساء بنت خِدَام والفتاة، وكلتاهما قد أنكحهما أبواهما كارهتين، أولاهما ثيِّب، وا لأخرى بكر على أصح القولين فيهما، والمسكوت عنه في حديث الخنساء قد جاء مفسَّرًا في حديث الفتاة البكر، فالقول بأن النّبيّ ﷺ لم يقل لخنساء إلا أن تجيزي- مما يدلّ على عدم الجواز- يردُّه قول الفتاة البكر "قد أجزت ما صنع أبي". وقول من قال: إنَّ النَّبيّ ﷺ إنّما أثبت لهذه الفتاة الخيار؛ لأنَّ أباها قد أنكحها غير كفء لها، ونقصان الكفاءة يثبت الخيار ولا يبطل النِّكاح مردود بتصريح هذه الفتاة بأنَّ أباها أنكحها وهى كارهة، فالعلَّة هى الكراهة، كما تقدَّم تحقيقه١، ثم إنَّه أيُّ فرق بين أن تكون كارهة، لنقص في كفاءة خاطبها أو لأمرآخر؟ فثبت بهذا أنّ ما جاءت به السنَّة من الأمر بالاستئذان والنهي عن إنكاح المرأة بدونه إنَّما يدل على تأكيد حقّها في الرضى، وحقّها في الفسخ إن لم ترض، لا على بطلان إنكاح وليِّها إن رضيت به بعد ذلك.
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم (ص ١٨٢ وما بعدها) .
[ ١ / ٣٦٢ ]
ثانيًا: أنَّ العقد هنا حقٌّ للوليّ، ورضى المرأة ليس شرطًا في ولايته؛ إذ الوليُّ قد تصرَّف في حقِّه، وكلُّ ما يترتَّب على عقده بدون إذنها هو تداركها ما يلحقها من ضرر، أو يفوّت عليها من مصلحة، فيكون لها حقُّ الفسخ دفعًا للضرر عنها، وتأكيدًا لحقِّها في معاشرة من ترضاه من ذوي الخلق والدِّين.
ثالثًا: أنَّ عقد الوليِّ ليس كعقد الفضولي- سواء قيل بصحته أو ببطلانه- ولا هو أيضًا كعقد المرأة النِّكاح لنفسها أو لغيرها؛ فإنَّ كلًا من الفضولي والمرأة لا يملكان عقدة النِّكاح أصلًا؛ للتصريح في الحديث بنفي النِّكاح بدون وليٍّ، وببطلان نكاح المرأة نفسها، والباطل لا تلحقه الإجازة، والقاعدة التي نستأنس بها في تقرير هذا المعنى هو ما ذهب إليه الشافعي ﵀ "من أنَّ كلَّ عقدة لا تحلّ المرأة لزوجها، لا تكون بالإجازة صحيحة"١.
إلاّ أنّ الشافعي - ﵀ - قد أجرى هذه القاعدة على النِّكاح بدون وليٍّ، وعلى نكاح من يعتبر إذنها بغير إذنها، والظَّاهر هو الفرق بين المسألتين كما تقدّم، وقدأشارإلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيميَّة في فتاواه٢.
_________________
(١) ١ انظر الأم (٥/١٦٩-١٧٠) . ٢ انظر الفتاوى (٣٢/٢٩-٣٠) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
وقد حرر ابن قدامة مذهب الحنابلة في نكاح المرأة بدون وليِّها- رادًّا على بعض الأصحاب- قائلًا: متى تزوَّجت المرأة بغير إذن وليِّها، أو الأمة بغير إذن سيدها فقد ذكره أصحابنا من جملة الصور التي فيها الروايتان، والصحيح عندي أنّه لا يدخل فيها؛ لتصريح النبيّ ﷺ فيه بالبطلان١.
رابعًا: أنَّ رضى المرأة بعقد وليِّها وتنازلها عن حقِّها في الفسخ طاعة لوليِّها واحترامًا لتصرَّفه فيه فخرٌ للمرأة، وشرف عند الأقارب والأباعد، بل إنّه دليل على كمال عقلها وحيائها، وهذا بخلاف الأمر- فيما لو أنكحت نفسها، أو أنكحها فضوليِّ، فانَّ تنازل الوليّ عن حقِّه في العقد لا ينجي المرأة، ولا أولياءها من معرَّة الذمّ والتشنيع من الناس، فظهر الفرق واضحًا جليًا بين عقد الوليِّ وعقد غيره. والله الموفِّق للصَّواب وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) ١ المغني مع الشرح الكبير (٧/٣٦٦) .
[ ١ / ٣٦٤ ]