وأمَّا اشتراط البلوغ في وليِّ النكاح فإنَّه يكاد يكون محلَّ اتفاق بين الأئمة؛ إذ إنَّ الولاية في النكاح، أو غيره، ولاية نظر، والصغير إمَّا معدوم النظر أو ناقصه، فلم يكن من أهلها، وهذا هو المذهب المشهور المعتمد عند أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها١.
وقد روى عن الإمام أحمد ﵀: أنَّ الصغير إذا بلغ عشرًا زوّج وتزوّج وطلّق، وأجيزت وكالته في الطلاق، قال ابن قدامة- بعد أن حكى هذه الرواية-: "وهذا يحتمله كلام الخرقي لتخصيصه مسلوب الولاية بكونه طفلًا"٢.
_________________
(١) ١ انظر للحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٨٤-٢٨٥) وتبيين الحقائق (٢/١٢٥)، وبدائع الصنائع (٣/١٣٤٧) وللمالكية: الخرشي (٣/١٨٧)، والشرح الكبير (٢/٢٣٠) وبداية المجتهد (٢/٩)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٢٢٤) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٥٤)، وروضة الطالبين (٧/٦٢) . وللحنا بلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٦ والشرح ٤٢٦)، والإنصاف (٨/٧٣)، والمبدع (٧/٣٥)، وكشاف القناع (٥/٥٣) . ٢ المغني (٧/٢٥٦والشرح ٤٢٦) .
[ ٢ / ٢١٤ ]
الأدلة:
ووجه اشتراط البلوغ في الوليِّ لا يختلف عمّا قدَّمناه في تزويج الصغار أنفسهم؛ إذ إنَّ الولاية على الغير فرع عن الولاية على النفس، وحاصل ما يستدل به لهذه المسألة ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ١.
فإذا لم يؤتمن الصغير على حفظ ماله حتى بلغ، فأولى ألاّ يؤتمن على تصريف أمور غيره فيما هو أشدّ خطرًا من المال، وهذه الآية الكريمة هي الأصل في منع عقود الصغار، ولكن لا يستبعد أن يقال: إنَّ هناك فرقًا بين عقود الصغار وحفظ أموالهم، والآية نصّ في الثَّاني دون الأول، كما تقدّم في مبحث الولاية على الصغار٢.
ثانيًا: ما روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا بلفظ "لا نكاح إلاّ بوليٍّ مرشد" ٣، ومظنّة الرُّشْد المعتبر هو ما كان بعد البلوغ، لا قبله. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة النساء- آية رقم: ٦. ٢ راجع ما تقدم (١/ ٣٦٦ وما بعدها) . ٣ سيأتي تخريجه والكلام عليه إن شاء الله تعالى (٢٤٤ وما بعدها) .
[ ٢ / ٢١٥ ]
إلاّ أن الصحيح في هذا الحديث وقفه بهذا اللفظ على ابن عباس ﵄، كما سيأتي تخريجه مع مزيد بيان حول معناه١.
ثالثًا: حديث "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصَّبيِّ حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق"٢.
رابعًا: ويستدلّ من جهة المعنى بأنَّ الصغير مَوْلِىٌّ عليه في نفسه، فأولى أن لا يلي على غيره، والولاية يعتبر لها كمال النظر، والصغير إما أن يكون لا نظر له - إن كان غير مميِّز - أو ناقص النظر إن كان مميِّزًا، ولأنَّ النكاح عقد معاوضة فلم يصحّ من الصَّبيِّ كالبيع٣.
وأمَّا وجه ما روي عن الإمام أحمد ﵀ من أن الصغير إذا بلغ عشرًا زوّج وتزوّج، فذلك لأنَّه إذا بلغ هذا السنّ صحّ بيعه، ووصيّته، وطلاقه، فتثبت له الولاية كالبالغ، قاله٤ ابن قدامة ﵀، إلاّ أنه رجّح الرواية المشهورة في المذهب وهي اشتراط البلوغ٥، وتبعه صاحب
_________________
(١) ١ سيأتي تخريجه والكلام عليه (٢٤٤ وما بعدها) . ٢ تقدم تخريجه (١/٣٦٦ وما بعدها) . ٣ انظر: المصادر السابقة، وخاصّة: المغني (٧/٣٥٦)، ومغني المحتاج (٣/١٥٤)، والخرشي (٣/١٨٧)، والهداية والعناية وفتح القدير (٣/٢٨٤-٢٨٥)، وبدائع الصنائع (١٣/١٣٤٧) . ٤ انظر: المغني والشرح (٧/٣٥٦ والشرح ٤٢٦) . ٥ نفس المصادر.
[ ٢ / ٢١٦ ]
الشرح الكبير، إلاّ أنه زاد- في ردّه للقول بعدم اشتراط البلوغ- قوله: "والأصول المقيس عليها ممنوعة"١.
ولعلَّ هذا فيما ترجّح عنده، وإلا فالرواية بصحة بيع الصَّبيِّ وطلاقه ووصيّته موجودة في المذهب، بل إنَّ صحة طلاق الصَّبيِّ ووصيَّته هي المذهب كما قرّره صاحب الإنصاف٢.
بل إنَّ صاحب الإنصاف حكى عن الشارح المذكور قوله: إن أكثر الروايات تحدِّد من يقع طلاقه، من الصبيان بكونه يعقل، وهذا اختيار القاضي من الحنابلة٣.
الرَّاجح:
ومما تقدَّم يتَّضح أنَّ مذهب الجمهور باشتراط بلوغ الوليِّ هو الأقوى والأولى احتياطًا للنِّكاح؛ فإنَّ هذه ولاية على الغير، فينبغي أن يعتبر لها كمال النظر، ومظنَّته البلوغ، والصغير إن كان غير مميّز فلا نظر له لنفسه ولا لغيره، وأمَّا إن كان مميِّزًا فهو قاصر النظر، وقصور نظره مظنّة إلحاق الضَّرر بغيره.
ومع هذا؛ فإنَّ عقد الصّبيّ المميّز بإذن مولِيَّته المعتبر إذنها شرعًا له وجه من النظر ومستند من الأثر، فأمَّا الأثر فما سبق من حديث أمّ سلمة
_________________
(١) ١ نفس المصادر. ٢ انظر: الإنصاف (٤/٢٦٧ البيوع)، ٧/١٨٥-١٨٦ الوصيّة) (٨/ ٤٣١ الطلاق) . ٣ انظر: الإنصاف (٨/٤٣٢) .
[ ٢ / ٢١٧ ]
﵂ أنَّها أمرت ابنها ليزوّجها برسول الله ﷺ، وابنها هذا كان صغيرًا لم يبلغ الحلم حينذاك١.
وكذلك إن كان الذي زوّجها ابنها الآخر سلمة بن أبي سلمة، فإنَّه لم يقل أحد أنَّه قد بلغ الحلم حينذاك، وظاهر أمره أنَّه كان صغيرًا٢، فيلزم من قال بصحَّة هذا الحديث على هذا الوجه أنَّ يصحح عقد الصَّبيِّ المميّز، وليس القول بأنَّه وكيل عن أمّه بأولى من القول بأنَّه وليٌّ، وقد تقدَّم ما أمكن بيانه حول معنى هذا الحديث إسنادًا ودلالة فليراجع٣.
والأثر الثَّاني: ما سبق أيضًا عن أمّ سليم ﵂: أنها أمرت ابنها أنس أن يزوّجها بأبي طلحة الأنصاري ﵁، وكان عمر أنس إذ ذاك عشر سنين٤ أو دونها، وهذا قريب أو موافق لما روى عن الإمام أحمد ﵀ من اعتبار العشر سنين، فإن صحَّ هذان الأثران على هذا النحو ففيهما الحجّة على صحّة عقود الصبيان المميِّزين بإذن مولِيَّاتهم، وما يقال من الخصوصيّة في حديث أم سلمة ﵂ لا يمكن قوله في قصّة أمّ سليم ﵂، وما يقال أيضًا بأنَّهما وكيلان عن أمّهاتهم- كما يقوله من لا يشترط الولاية في النكاح على الحرة المكلّفة-
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم (١/ ١٩٠ وما بعدها) . ٢ انظر ما تقدم (١/ ١٩٨ وما بعدها) . ٣ انظر ما تقدم (١/ ١٨٤وما بعدها) . ٤ انظر ما تقدم (١/ ٢٢٠ وما بعدها) .
[ ٢ / ٢١٨ ]
ليس بأولى من القول بأنَّهما وليَّان، بل الظاهر كونهما وليِّين إمّا وجوبًا كما يقوله الجمهور أو استحبابًا كما يقوله الحنفية ومن وافقهم.
وأمَّا من جهة النظر: فإنَّ للصبي المميّز عبارة صحيحة في النكاح بإذن وليّه على قول الجمهور، والغالب في عقود الأنكحة أنَّه يسبقها تمهيد، ومشاورة من الوليِّ ومولِيَّته وأقاربهم، فإذا تمَّ عقد الصبي المميِّز لمولِيَّته بإذنها وإذن من يشاركها أمرها عادة كان منعه من العقد حينئذ بحجَّة قصور نظره محلَّ نظر، وخاصّة إذا لم يكن لها وليٌّ بالغ غيره كما هو ظاهر الأثرين السابقين.
وإنَّما قلت: باعتبار التَّمييز بين الصِّبيان دون الإطلاق أو اعتبار العشر، كما في الرواية الآنفة الذكر عن الإمام أحمد ﵀؛ لأنَّه لا عبرة بعقد غير مميّز إجماعًا؛ إذ ليس له قصد صحيح معتبر في تصرُّفاته أشبه المجنون.
وأمَّا التحديد بالعشر السنين فهذا يحتاج إلى توقيف، وما تقدَّم من أثر أمّ سليم وقع اتِّفاقًا - إن صحَّ أن عمره كان كذلك - فلا يدلُّ على منع ما دون ذلك.
ولذلك نقل صاحب (الإنصاف) قول بعض الحنابلة: إنَّ أكثر الروايات تحدِّد من يقع طلاقه من الصبيان بكونه يعقل١. والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم قريبا (ص٢١٧) .
[ ٢ / ٢١٩ ]