إنّ وصف السَّفَه يشمل من حيث اللغة كلَّ من اتصف بهذا الوصف، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، إلاّ أن المقصود به هنا في الولاية في النّكاح هو المقصود به في الولاية في المال، وهو: السّفيه المحجور عليه في ماله خاصّة، وهو الذي بلغ ولم يؤنس منه الرُّشْد فبقي محجورًا عليه في تصرُّفاته الماليَّة انتظارًا لإناس رشده، أو بلغ رشيدًا ولكن طرأ عليه السّفه بعد ذلك، فرفع أمره إلى الحاكم فحجر عليه، أي حكم عليه بالمنع من تصرّفاته الماليَّة، وعلى هذا:
فلا يدخل معنا في هذا المبحث: الصغير ذكرًا كان أم أنثى، ففي وصف الصغر ما يغني عن تلمُّس أثر السفه في تصرفاته.
ولا يدخل معنا السفيه المهمل، وهو السّفيه الذي لم يحجر عليه؛ لأنَّ تصرُّفاته قبل الحجر محمولة على الصحّة حتى عند القائلين بالحجر عليه في ماله١.
وأمّا المرأة البالغ؛ فلقلّة مزاولتها للأعمال الماليَّة لم تكن مقصودة بهذا المبحث عند كثير من الفقهاء، مع أنَّ وصف السفه يشملها، كما يشمل
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: مغني المحتاج (٣/١٦٩)، وقوانين الأحكام لابن جزي (٣٤٩- ٣٥٠) .
[ ١ / ٤٥٧ ]
الذَّكر، ويمكن أن يحجر عليها كما يحجر على الذكر أيضًا، وكلام الفقهاء في الحجر على الذكور شامل لها، بل قد خصّها١ بعض الفقهاء كالمالكيَّة بالحجر عليها في مالها قبل أن تزوّج وتدخل بيت زوجها، ومع هذا فإنَّ بحث الولاية على المرأة البالغ، في النّكاح بسبب وصف السفه بحث عديم الجدوى؛ لأنَّ وصف الأنوثة كافٍ في إثبات الولاية عليها في النّكاح في حال رشدها، بل إنّ وصف الأنوثة هو المقصود- أصلًا- ببحث الولاية في النّكاح، وقد أغنانا بحثها في أوّل هذه الرسالة عن إعادته هنا، مع أنّ عمدة الخلاف في المسألتين- أعني في إثبات الولاية بسبب الأنوثة، وإثبات الحجر بسبب السّفه- إنّما هو لأبي حنيفة رحمه الله٢.
وعلى هذا فالمقصود بالسّفيه في هذا المبحث: إنّما هو الحرُّ، الذَّكر، البالغ، المحجور عليه، بسبب السّفه.
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد (٢/٢١١-٢١٢)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٣٤٨-٣٥١) . ٢ أي أنّه لا يثبت الولاية في النكاح بسبب الأنوثة، ولا يثبت الحجر بسبب السّفه على المشهور عنه في المسألتين، وأمَّا الجمهور فأثبتوا الولاية في النكاح على الأنثى بسبب الأنوثة، ولا حاجة إلى سبب آخر كالسّفه.
[ ١ / ٤٥٨ ]