هذا هو السّبب الثَّاني من أسباب الولاية في النِّكاح، وإليك معناه لغة وشرعًا.
١- أمّا لغة: فالوَلاَء- بفتح الواو وآخره ألف ممدوة- هو القرابة.
لأنّه مشتق من مادة "وَلِيَ ". ومعنى هذه الكلمة كلّه راجع إلى معنى القرب، كما نصّ على ذلك ابن فارس وغيره من أهل اللغة١.
وقيل: الولاء: الملك. كذا في القاموس، وتبعه صاحب تاج العروس،٢ واعتمده بعض الفقهاء في تعريفاتهم٣.
والأنسب لبحثنا هذا هو المعنى الأوّل؛ فإنَّ الوَلاَء هنا: أثر من آثار الملك بعد زواله؛ إذ هو علاقة بين المالك والمملوك بعد عتقه. والله أعلم.
وأمّا المراد به شرعًا: فهو تلك القرابة بين المعتِق وعتيقه بسبب العتق.
وأحسن ما وقفت عليه من تعريفات الوَلاَء هو: أنّه عصوبة سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق٤.
_________________
(١) ١ انظر مادة "ولي" في: مقاييس اللغة لابن فارس (٦/١٤١-١٤٢) . والصحاح (٦/٢٥٣٠)، ولسان العرب (١٥/٤٠٨-٤١٠) . وتاج العروس (١٠/٤٠١) . ٢ انظر القاموس (٤/٢٠٤)، وتاج العروس (١٠/٣٩٩) . ٣ انظر كشاف القناع (٤/٤٩٨)، والمبدع (٦/٢٦٩) . ٤ العذب الفائض شرح عمدة الفارض (٢/١٠٤) .
[ ٢ / ١٦٠ ]
ومعنى هذا: أنَّ المالك إذا أنعم على رقيقه بالعتق أصبح المنعَم عليه بالعتق عصبة لمن أنعم عليه به في جميع أحكام التعصيب، فيحلُّ محلَّ عصبة النسب عند عدمها في الإرث والنكاح والعقل ونحوها.
وهذا التعريف للولاء: قاصر على الولاء المتفق عليه وهو: ولاء العتق ١، دون ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة ﵀ من اعتبار الولاء بالموالاة، وهو من أسلم أبو الصغير أو الصغيرة على يديه ووالاه٢.
وقد روى نحو هذا أيضًا عن الإمام أحمد ﵀ فيمن أسلمت
على يد رجل أنّه أحقُّ بتزويجها من السلطان "٣.
_________________
(١) ١ انظر المقصود بالولاء عند الفقهاء- هنا- ما يلي: للحنابلة: المغني (٧/٢٣٧) . وكشاف القناع (٤/٤٩٨) . والمبدع (٦/٢٦٩) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (٣/٢٠، ١٥١) . وللمالكية: الخرشي والعدوي (٣/١٨١) والشرح الكبير والدسوقي (٢/٢٢٥) وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (٢٢٢-٢٢٣) . وللحنفية: الهداية وتكملة فتح القدير (٩/٢١٧-٢١٨) . وبدائع الصنائع (٣/١٣٧٥) . ٢ انظر: بدائع الصنائع (٣/١٣٧٥) . وفتح القدير (٣/ ٢٨٦) . والبحر الرائق (٣/١٣٣) . ورد المحتار وحاشية ابن عابدين (٣/٧٩) . ويلاحظ أنَّ ترتيب ولايته عنده: بعد ذوى الأرحام؛ إذ أنَّه آخر الأولياء، ثم بعده السلطان؛ لأنَّ السلطان وليّ من لا ولي له". انظر فتح القدير (٣/ ٢٨٦) . ٣ انظر الإنصاف (٨/٧٠) .
[ ٢ / ١٦١ ]
إلاّ أنَّ هذا النوع من الولاء لم يثبت عند الجمهور؛ ولذلك فسنقتصر في هذا البحث على الولاء المتفق عليه: وهو وَلاَء العتق دون غيره.
٢- دليل الوِلاَية فى النِّكاح بوَلاَء العتق.
لا خلاف بين أهل العلم في أنَّ من أعتق شخصًا ثبت له ولاؤه في الإرث، والنِّكاح، والعقل، ونحو ذلك بشرط ألا يكون للمنعَم عليه بالعتق وليٌّ من النَّسب.
ومن الأدلّة على ثبوت ولاء العتق لمن أعتقه ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ ١:
فقد نزلت هذه الآية في (زيد بن حارثة ﵁) ٢ فقد كان مملوكًا لخديجة ﵂، فأهدته للنبي ﷺ، فأعتقه وتبنّاه- على ما كان معروفًا حينذاك- فكان يدعى (زيد بن محمد) حتى نزلت هذه الآية فأبطلت التبنّي- وهو أن يدعى الشخص إلى غير أبيه حقيقة- وأمرت أن يدعى الناس إلى آبائهم من النَّسب، فإن لم يعرف لهم آباء فإلى مواليهم، وهم المعتِقون لهم، وحسبهم أخوّة الإسلام.
٢- حديث "الوَلاَء لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسب، لا يباع ولا يوهب".
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية رقم (٥) . ٢ انظر ترجمة زيد بن حارثة ﵁ في الإصابة (١/٥٦٣) .
[ ٢ / ١٦٢ ]
وهذا الحديث قد رواه الشافعي وابن حبّان. قال الشافعي أخبرنا محمد بن الحسن١، عن يعقوب بن إبراهيم٢، عن عبد الله بن دينار٣ عن ابن عمر مرفوعًا٤.
ومن طريق الشافعي رواه الحاكم٥ والبيهقي٦، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقَّبه الذهبي قائلًا: "بالدَّبُّوس " تشنيعًا على الحاكم في تصحيحه له.
ومع هذا فإنَّ الحديث صحيح بشواهده ومتابعاته، كما في إرواء الغليل وغيره من كتب التخريج٧.
_________________
(١) ١ هو: محمد بن الحسن الشيباني: صاحب أبي حنيفة. انظر ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٧/٢٢٧) وميزان الاعتدال للذهبي (٣/٥١٣) . ٢ هو: أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة: انظر ترجمته في الجرح والتعديل (٩/٢٠١-٢٠٢) وميزان الاعتدال (٤/٤٤٧) . ٣ هو: عبد الله بن دينار مولى ابن عمر، ثقة، مات سنة سبع وعشرين بعد المائة، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر التقريب (١/٤١٣) وتهذيب التهذيب (٥/٢٠١-٢٠٣) . ٤ نصب الراية (٤/١٥١) . ٥ المستدرك (٤/٣٤١) الفرائض. ٦ البيهقي (١٠/٢٩٢) ٠ الولاء. باب من أعتق مملوكًا له. ٧ انظر إرواء الغليل (٦/١٠٩-١١٤) . والتلخيص الحبير (٤/٢٣٥) . ونصب الراية (٤/١٥١-١٥٣) . وانظر لمزيد طرقه السنن الكبرى للبيهقي فقد أطال في تخريجه (١٠/٢٩٢-٢٩٤) .
[ ٢ / ١٦٣ ]
ولعلَّ سبب تعقيب الذهبي المشار إليه ما قيل من ضعف محمد وأبي يوسف١ صاحبي الإمام أبي حنيفة ﵏، ولذلك قال محقِّق نصب الراية: "قد صحح الحاكم هذا الحديث، وتتبَّعه الذهبي في "تلخيصه" ومن رجاله الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي "النُّجوم الثَّواقب" اه ٢.
وهذا الحديث من أشهر أدلّة هذه المسألة عند الفقهاء؛ لصراحة تشبيه الولاء بالنَّسب، مما يدلّ على قيامه مقام قرابة النَّسب عند عدمها؛ لدلالة التشبيه على أنَّ الولاء أقلّ رتبة من النَّسب٣. والله أعلم.
٢- حديث "مولى القوم منهم". رواه أحمد والحاكم وغيرهما من حديث رافع بن رفاعة ﵁ مرفوعًا. وصححه الحاكم، وأقرّه الذهبي٤.
_________________
(١) ١ صرّح بذلك الألباني في إرواء الغليل (٦/١١٠) . وانظر ترجمتهما في الحاشية السابقة. ٢ انظر حاشية نصب الراية (٤/١٥١) . وقوله "النجوم الثواقب" ردٌّ على الذهبي فى قوله - مشنِّعًا على الحاكم - "بالدَّبُّوس". ٣ انظر: المغني لابن قدامه٨/٢٣٨) . ومغنى المحتاج للشربيني (٣/١٥٢) وبدائع الصنائع للكاساني (٣/١٣٧٥) . ٤ انظر: المسند (٤/٣٤٠)، والحاكم (٢/٣٢٨) . وانظر شواهده في نصب الرايه (٣/١٤٨-١٤٩)، والدراية في تخريج الهداية (٢/١٩٣)، والتلخيص الحبير (٤/٢٣٦) .
[ ٢ / ١٦٤ ]
٣- حديث "إنّما الوَلاَء لمن أعتق". متفق عليه١.
٣- من يستحق الولاء بالعتق؟
وأمّا من الذي يستحق الولاء بالعتق؟ فهو المنعِم بالعتق اتِّفاقًا، رجلًا أم امرأة، لقوله ﷺ: "إنّما الوَلاَء لمن أعتق". متفق عليه٢.
إلاّ أنّه إذا كانت المنعمة بالعتق امرأة ففي مباشرتها لنكاح مولاتها الخلاف المعروف في ولاية النِّساء في النكاح، والقول هنا في ولايتها على عتيقتها- إن لم يكن للعتيقة وليٌّ من النَّسب- كالقول في ولايتها على أمتها، وخلاصته - عند من منع ولاية النساء في النكاح - قولان:
القول الأوّل: أنّها توكِّل رجلًا فيزوّج عتيقتها.
لأنّها بإعتاقها لها أصبحت عصبة لها كالرَّجل، وإنّما منعت من مباشرة النّكاح؛ لأنَّها امرأة، فصحَّ أن توكِّل من تصحُّ عبارته في النِّكاح. وهذا مذهب المالكية ورواية في مذهب الحنابلة٣.
القول الثَّاني: أنّ وليّ عتيقتها هو نفس وليّ المنعِمة بالعتق في النِّكاح.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في حديث بريرة (ص ٣٧) . ٢ تقدم تخريجه في حديث بريرة (ص ٣٧) . ٣ انظر للمالكية: الخرشي والعدوي (٣/١٨٧)، والشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٣٠) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٩-٣٦٠ والشرح ٤٢٢)، وكشاف القناع (٥/٥٠)، وشرح منتهى الإرادات (٣/١٦-١٧) .
[ ٢ / ١٦٥ ]
وهذا مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة١.
وذلك لأنَّ هذه ولاية نكاح حرَّة، والمرأة ليست من أهل الولاية في النِّكاح، فتكون الولاية لعصبة المنعمة بالعتق؛ لأنَّهم يرثونها بالتعصيب بعد موت المعتِقة- بكسر التاء- ويعقلون عنها، كما لو تعذَّر على المعتِق- بكسر التاء- تزويج معتقته لموت أو جنون٢.
وفي قول للشافعي يزوّجها السلطان٣.
والصحيح هو أنَّ وليَّها وليُّ معتقتها كما تقدّم٤ في وليّ أمة المرأة في النكاح. والله أعلم.
وأمَّا بعد موت المعتِق- بكسر التاء- رجلًا أم امرأة فوليّها عصبة من أعتقها الذكور دون الإناث، الأقرب فالأقرب كما تقدّم في عصبة النَّسب، إلاّ أنَّ ابن المعتق هنا له الولاية على عتيقة أبيه أو أمّه اتِّفاقًا بخلاف ما سبق عن الشافعية ومن وافقهم من منع ولاية الابن على أمّه الحرّة٥، والفرق بينهما واضح، بل إنَّه يتقدَّم هنا على الأب عند الشافعية.
_________________
(١) ١ انظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٥٢)، وروضة الطالبين (٧/٦١) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٩-٣٦٠) . ٢ انظر المغني لابن قدامه (٧/٣٦٠) . ٣ انظر روضة الطالبين (٧/٦١) . ٤ انظر مبحث (من يزوّج أمة المرأة؟) (ص١٧) . ٥ يختلف ترتيب عصبات الولاء عن عصبات النسب عند الشافعية في أربع مسائل: الأولى: أنّ أخ المعتِق أولى من جده، وفي النسب يقدم الجدّ. الثَّانيه: ابن المعتِق يزوّج، ويقدّم على أبي المعتِق؛ لأنّ التعصيب له، وفي النسب لا يزوجها بالبنوّة.- الثالثَّة: ابن الأخ يقدم على الجد بناء على تقديم والده. الرَّابعة: العمّ يقدم على أبي الجد. اهـ. انظر مغني المحتاج (٣/١٥٢) .
[ ٢ / ١٦٦ ]
وكذلك يتقدم على الصحيح من مذهب الحنابلة بخلاف ما سبق عنهم من تقديم أبي الحرّة على ابنها في ولاية نكاحها. والله أعلم
استواء العصبات بالولاء في درجة واحدة.
وإذا استوى أولياء المعتَقة- بفتح التاء- بالولاء في درجة واحدة، كأن يكون لها أكثر من معتق.
فمذهب الجمهور: ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة١ أنّه لا يزوّجها أحدهم إلاّ بإذن الآخرين، ولا يشترط ذلك عند المالكية٢ والأولّ هو الأظهر؛ لأنَّ أحدهم لا يستحق الولاء كاملًا. والله أعلم.
وأمّا إن كان عصباتها بالولاء غير المباشرين لها بالعتق، كأبناء المعتِق- بكسر التاء- وإخوته، ففيهم ما سبق في استواء أولياء النسب، والظاهر هو أنّه لا يشترط اجتماع إذنهم كما تقدم في أولياء النّسب، وعلى هذا فلو كان للمعتَقة- بفتح التاء- أكثر من معتِق فيكفى واحد من عصبة كلٍّ منهم. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: للحنفية: المبسوط (٤/٢١٨-٢١٩) . وللشافعية: مغني المحتاج (٣/١٥٢) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٦٠والشرح ٤٢٣) . وكشاف القناع (٥/٥٣) . ٢ انظر للمالكية: الشرح الكبير والدسوقي (٢/٢٢٧) . والخرشي والعدوي (٣/١٨٣) . ومنح الجليل (٢/١٩) .
[ ٢ / ١٦٧ ]