للنِّكاح معناه لغة وشرعًا واصطلاحًا، وإليك بيان ذلك ما أمكن:
١- أمَّا معناه لغة:
فهو: اسم يقع على الوطء، وعقد التزويج.
قال الأزهري: "أصل النِّكاح في كلام العرب الوطء. وقيل للتزويج: نكاح؛ لانَّه سبب الوطء المباح" ١.
وقال ابن فارس: "نكح" النون والكاف والحاء أصل واحد وهو
البِضاع ٢، ونَكَح ينكِح "أي بكسر الكاف"، وامرأة ناكح في بني فلان أي ذات زوج منهم. والنِّكاح يكون العقد دون الوطء يقال: نكحتُ: تزوَّجت. وأنكحتُ غيري "بضم تاء المتكلم فيهما"٣.
وقال الجوهري: "النِّكاح الوطء. وقد يكون العقد، تقول العرب:
نكحتُها "بضم التاء" ونكحت هي أي تزوجت، وهي ناكح في بني فلان أي هي ذات زوج منهم، وقال:
_________________
(١) ١ تهذيب اللغة للأزهري (٤/١٠٣)، وعنه اللسان (٢/٦٢٦) مادة (نكح) . ٢ البِضاع: بكسر الباء الموحدة: هو الجماع. ومنه المثل "كمعلِّمة أمِّها البِضَاع" يضرب لمن يعلِّم من هو أعلم منه. انظر مادة (بضع) . مقاييس اللغة (١/٢٥٥-٢٥٦)، والصحاح (٣/١١٨٧) . ٣ مقاييس اللغة لابن فارس (٥/٤٧٥) .
[ ١ / ٣١ ]
لصلصلة اللِّجام برأس طِرْفٍ١ أحبّ إليّ من أن تنكحيني واستنكحها
بمعنى نكحها، وأنكحها أي زوَّجها، ورجل نُكَحةٌ، كثير النِّكاح.
والنُّكح والنِّكح "أي: بضم النون وكسرها وإسكان الكاف فيهما" لغتان، وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، وكان يقال لأمِّ خارجة عند الخِطبة "بكسر الخاء" خُطْب "أي: بكسر الخاء وضمها وإسكان الطاء" فتقول: نُكْحُ "أي: بضم النون" حتى قالوا: أسرع من نكاح أمِّ خارجة٢.
وقال الفيروزآبادي: النِّكاح الوطء والعقد له، نكح كمنع وضرب٣.
وقال الزبيدي شارحًا تلك العبارة: النِّكاح بالكسر في كلام العرب الوطء في الأصل. وقيل هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنَّه سبب للوطء المباح٤.
_________________
(١) ١ بكسر الطاء المهملة وإسكان الراء، هو الفرس الكريم. انظر مادة (طرف) في مقاييس اللغة (٣/٤٤٨)، الصحاح (٤/١٣٩٣)، القاموس (٣/ ١٧٢)، اللسان (٩/ ٢١٤) . ٢ الصحاح (١/٤١٣) . ٣ القاموس (١/٢٦٣) . ٤ تاج العروس (٢/٢٤٢) .
[ ١ / ٣٢ ]
وقال ابن منظور: نكح فلان امرأة ينكحها نكاحًا إذا تزوجها، ونكحها ينكحها: باضعها أيضًا. وكذلك دحمها وفجأها، وقال الأعشى في نكح بمعنى تزوَّج:
ولا تقربنَّ جارة، إنَّ سرَّها١ عليكَ حرام فانكحنْ أو تأبَّدَا٢
اهـ المقصود منه٣.
هذا بعض ما قاله أهل اللغة في معنى النِّكاح، آثرت نقل جمل من
أهمها - فيما يظهر لي- لأنهم أهل الفن- وكما قيل: "أهل مكة أدرى بشعابها"، ومنها يتضح أنّ القدر المشترك بين تلك النصوص جميعًا ثبوت استعمال لفظ النِّكاح في كلٍّ من الوطء، وعقد التزويج، وهذا مما لا خلاف فيه- فيما أعلم- وشواهده من اللغة أكثر من أن تحصى. وإنما الخلاف في تعيين حقيقة الاستعمال في كلِّ من المعنيين. وفيه بحث يطول ذكره على المباحث الفقهية، ولكن نشير إلى أهم ما قيل فيه جريًا على
_________________
(١) ١ أصل السِّر: ضد العلن، فهو اسم لكلِّ ما يكتم ويخفى، ويسمى الجماع سرًّا لإخفائه وستره. والمقصود به هنا الوطء بدون تزويج. انظر مادة (سرر)، مقاييس اللغة (٣/٦٧)، الصحاح (٢/ ٦٨١)، القاموس (٢/٤٨)، اللسان (٤/٣٥٨) . ٢ تأبَّد: أي توحَّش، أي كن منها كالوحش بالنسبة إلى الآدميات، فلا يكن منك قربان لهنَّ كما لا يقربهن، وحش. كذا في فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٦) . وانظر مادة (أبد) في مقاييس اللغة (١/٣٤)، الصحاح (٢/٤٣٩)، القاموس (١/٢٨٣)، اللسان (٣/٦٨-٦٩) . ٣ اللسان (٢/٦٢٥) .
[ ١ / ٣٣ ]
عادة الفقهاء في بيان حقيقة معنى هذه الكلمة وأمثالها من الكلمات التي تتصدَّر أبواب الفقه؛ ليكون بيان معناها اللغوي مدخلًا للمعنى الشرعيّ أو الاصطلاحيّ؛ لذلك فإن أهم ما قيل في حقيقة النِّكاح لغة يمكن حصره في أربعة أقوال:
القول الأوَّل: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في عقد التزويج.
وعلى هذا يدلّ كلام الأزهري السابق ذكره، وكذلك الزَّبيدي في شرحه لعبارة القاموس، وإليه تشير عبارة الجوهري فإنه قال: "وقد يكون العقد"، مشيرًا لقلَّة استعماله في التزويج بخلاف الوطء.
القول الثاني: أنَّ النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء وعقد التزويج، أي مشترك لفظي، كالعين: للباصرة والجارية.
ويدلُّ على هذا المعنى ما سبق عن الجوهري، وابن فارس، والفيروزآبادي١.
وتوجيه هذا القول: أنّه تحقَّق الاستعمال في اللغة في كلٍّ منهما، والأصل في الاستعمال الحقيقة٢.
واستدلَّ بعض الفقهاء لهذا المعنى بما نقل عن أبي القاسم
_________________
(١) ١ انظر ما تقدم عنهم ص (٣١،٣٢)، وانظر المصباح المنير (٢/٦٢٤)، وتاج العروس (٢/٢٤٣) . ٢ انظر فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥) .
[ ١ / ٣٤ ]
الزَّجَّاجي١ أنه قال: "النِّكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا، وموضع "نكح" على هذا الترتيب في كلام العرب للزوم الشيء على الشيء راكبًا عليه، هذا كلام العرب الصحيح، قالوا نكح فلان فلانة ينكحها نكحًا ونكاحًا أرادوا تزوّجها" ٢.
ولكن ظاهر كلامه أنه جعله من "المتواطئ" فلا يتَّجه حمله على معنى الاشتراك اللفظيِّ كما هو الظاهر عند إطلاق لفظ المشترك "، وإنما يتجه على معنى الاشتراك المعنويّ؛ إذ هو المرادف لمعنى التواطؤ. والله أعلم.
وقال ابن جنِّي: "سألت أبا علي الفارسي عن قولهم "نكحها"، فقال: فرّقت العرب فرقًا لطيقًا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: "نكح فلانة" أو "بنت فلان" أرادوا تزويجها والعقد عليها، وإذا
_________________
(١) ١ هو: عبد الرحمن بن إسحاق البغدادي، تتلمذ على إبراهيم بن السري الزَّجَّاج فنسب إليه. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (٥/١٢٤)، والأعلام (٤/٩٦)، وانظر ترجمة شيخه في معجم المؤلفين (١/٣٣)، والأعلام (١/٣٣) . وبعضهم يعزو هذا القول للزجاج، فليلاحظ الفرق بينهما. ٢ شرح النووي (٩/١٧١)، فتح الباري (٩/١٠٣)، الإنصاف (٨/٣)، نيل الأوطار (٦/١١٥) .
[ ١ / ٣٥ ]
قالوا "نكح امرأته" لم يريدوا إلا المجامعة؛ لأنّه بذكر امرأته وزوجته تستغنى عن العقد"١.
القول الثَّالث: أنّه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء.
وهذا في المعنى الشرعي أوضح منه في المعنى اللغويِّ كما سيأتي٢.
القول الرَّابع: أنّه حقيقة في الجمع والضَّمِّ والتداخل. أي مطلقًا، سواء كان حسيًّا أم معنويًّا.
قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصّلناه عن ثعلب عن الكوفيين، وعن المبرِّد عن البصريين أنّه الجمع، قال الشاعر:
أيّها المنكح الثريّا سهيلًا عَمْرَركَ الله كيف يجتمعان٣ "اهـ".
ومن وروده في الضمِّ قولهم: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض. ومنه قول الشاعر:
ضممت إلى صدري معطَّر صدرها كما نكحت أمُّ الغلام صبيَّها
أي كما ضمَّته٤.
_________________
(١) ١ انظر: المبدع (٧/٣)، الإنصاف (٨/٣)، شرح النووي (٩/ ١٧١)، فتح الباري (٩/١٠٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١٢٤) . ٢ انظر: تاج العروس (٢/٢٤٢-٢٤٣)، فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥)، البحر الرائق لابن نجيم (٣/٨٢) . ٣ المبدع (٧/٣)، كشاف القناع (٥/ ٥)، الإنصاف (٨/٣) . وانظر البيت في الصحاح (٢/٧٥٦) . ٤ الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) .
[ ١ / ٣٦ ]
ومن وروده في الدخول قولهم: نكح النومُ عينَه إذا غلبه، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل إذا دخلت فيها، ومنه قول المتنبي:
أنكحتْ صمُّ حصاها خُفَّ يَعْمَلَةٍ١ تَغَشْمَرَتْ٢ بي إليك السهلَ والجبلا٣
وعلى هذا القول فهل النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد أو مجاز فيهما؟
قال صاحب المصباح المنير: - بعد تصريفات فعل "نكح "- قال: "يقال مأخوذ من نكحه الدواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها، وعلى هذا فيكون النِّكاح مجازًا في العقد والوطء جميعًا؛ لأنَّه
_________________
(١) ١ اليعملة: بفتح الياء الناقة المطبوعة على العمل. كذا في شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) . وانظر مادة (عمل) في مقاييس اللغة لابن فارس (٤/١٤٥) والصحاح (٥/١٧٧٥)، والقاموس (٤/ ٢٢)، واللسان (١١/٤٧٦) . ٢ تغشمرت: التغشمر - بغين معجمة- الأخذ قهرًا. كذا في شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) . وقال ابن فارس: (الغشمرة): إتيان الأمر من غير تثبت، وهذه منحوتة من كلمتين: من الغشم والتشمّر، لأنّه يتشمّر في الأمر غاشمًا. اهـ (٤/٤٣٠) . وانظر الصحاح (٢/٧٧٠) . ٣ الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) .
[ ١ / ٣٧ ]
مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنَّه حقيقة لا فيهما ولا في أحدهما، ويؤيِّده أنّه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو "نكح في بني فلان"، ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو "نكح زوجته"، وذلك من علامات المجاز، وإن قيل غير مأخوذ من شيء فيترجح الاشتراك؛ لأنه لا يفهم واحد من قسيمه إلا بقرينة".اهـ١.
وقال ابن الهمام الحنفي- مبيّنًا أنّه لا منافاة بين مذهب الحنفية أنّه حقيقة في الوطء، وقول بعضهم: أنه حقيقة في الضَّمِّ قال: ولا منافاة بين كلاميهم؛ لأنَّ الوطء من أفراد الضمِّ، والموضوع للأعمِّ حقيقة في كلٍّ من أفراده كإنسان في زيد، لا يعرف القدماء غير هذا٢.
وتعقبه ابن نجيم في البحر الرائق بالمنع؛ لمغايرة الوطء للضَّمِّ ٣.
_________________
(١) ١ المصباح المنير (٢/٦٢٤) . وانظر في ورود النِّكاح بمعنى الضم والدخول في كل من: تهذيب اللغة للأزهري (٤/ ٢٠٤)، واللسان (٢/٢٢٦)، وتاج العروس (٢/٢٤٣) . ٢ فتح القدير (٣/١٨٥-١٨٦) . ٣ البحر الرائق (٣/٨٢) .
[ ١ / ٣٨ ]
ونقل المرداوي١ عن الشيخ تقي الدين ٢﵀- قوله:
معناه في اللغة: الجمع والضمّ على أتم الوجوه، فإن كان اجتماعًا بالأبدان فهو الإيلاج الذي ليس بعده غاية في اجتماع البدنين، وإن كان اجتماعًا بالعقود فهو الجمع بينهما على الدَّوام واللزوم، ولهذا يقال: استنكحه المذي إذا لازمه وداومه" اهـ٣.
٢- معنى النِّكاح شرعًا.
وأمَّا حقيقة النِّكاح شرعًا فقيل فيها أربعة أقوال أيضًا:
القول الأوَّل: أته حقيقة في عقد التزويج دون الوطء.
وهذا هو الصَّحيح من مذهب الشافعية والحنابلة وظاهر صنيع بعض المالكية يدلُّ على اعتماده في المذهب٤.
_________________
(١) ١ هو علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي صاحب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ﵀. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (٧/١٠٢)، الأعلام (٥/١٠٤) . ٢ هو شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (١/٢٦١)، والأعلام (١/١٤٠) . ٣ الإنصاف (٨/٣-٤) . ٤ انظر للشافعية: شرح النووي على مسلم (٩/١٧٢)، فتح الباري (٩/١٠٣)، مغني المحتاج (٣/١٢٣)، تفسير الفخر الرازي (٦/٥٥) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣)، الإنصاف (٨/٤)، المبدع (٧/٣)، كشاف القناع (٥/٥)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢) . وللمالكية: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤)، الفواكه الدواني (٢/ ٢١)، الخرشي والعدوي (٣/ ١٦٥)، والحطاب (٣/٤٠٣) .
[ ١ / ٣٩ ]
ومن أدلة هذا القول ما يلي:
أولًا: أنَّ لفظ النِّكاح بمعنى التزويج أكثر وأشهر استعمالًا في القرآن ولسان أهل العرف. كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١.
وقوله ﷺ: "أيُّما امرأة نَكَحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل- ثلاثًا-" ٢.
وقول عمر بن الخطاب - ﵁ -: "لا تُنكح المرأة إلا بإذن وليِّها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان"٣
والوطء إنّما يجوز بالعقد، لا بالإذن المجرد عنه. وشواهد ذلك من القرآن والسنة وعرف الصحابة كثيرة مشهورة٤.
_________________
(١) ١ سورة النور – آية رقم: ٣٢. ٢ انظر تخريجه ص (١١٢) . ٣ انظر تخريجه ص (١٤٥) . ٤ انظر توجيه هذا الاستدلال لهذا القول في: المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣)، شرح النووي (٩/ ١٧٢)، فتح الباري (٩/١٠٣)، مغني المحتاج (٣/١٢٣)، نيل الأوطار (٦/١١٥)، شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) .
[ ١ / ٤٠ ]
بل قيل: إنَّه لم يرد النِّكاح في القرآن إلا بمعنى التزويج، ولكن أورد على هذا أنه ينتقض في موضعين من القرآن الكريم:
أولهما: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ١ فإن معناه الوطء؛ بدليل قوله ﷺ لامرأة رفاعة القرظيّ حين أرادت الرجوع إلى زوجها الأول قبل وطء الثاني- قال: "لا، حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتَك". رواه الستة وغيرهم٢.
ولكن قيل: إنّ هذا الاعتراض غير وارد فإن معنى "تَنْكِحَ" في الآية تتزوَّجٌ أي بعقد وليِّها لها. وظاهر الآية أنَّ هذا يكفي، ولكن ثبت في السنة أته لا بدّ من الوطء وهو "ذوق العسيلة" كما أته لا بدَّ من التطليق بعد ذلك والعِدَّة٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة- آية رقم: ٢٣٠. ٢ عن عائشة ﵂: أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: إنَّ رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي، وإنِّي نكحت بعده عبد الرحمن بن الزَّيِير القرظي وإنَّما معه مثل الهدبة، قال رسول الله ﷺ: "لعلِّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته" (رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الطلاق، باب من جوّز الطلاق الثلاث (٩/٣٦١ فتح الباري) . وانظر بقية تخريجه في إرواء الغليل (٦/٢٩٧ وما بعدها) ٣ انظر: فتح الباري (٩/١٠٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤)، مغني المحتاج (٣/١٢٣)، نيل الأوطار (٦/١١٥) .
[ ١ / ٤١ ]
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ ١،
فإنَّ معناه بلوغ الحلم٢.
وقال الراغب: "أصل النِّكاح للعقد ثم استعير للجماع، ومُحَال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد، لأنَّ أسماء الجماع كلَّها كنايات؛ لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشًا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه"٣.
ثانيًا: ولأنَّه يصح نفي النِّكاح عن الوطء، فيقال: هذا سفاح لا نكاح، وصحة النفي دليل المجاز٤.
ثالثًا: أن النِّكاح أحد اللفظين المجمع على صحة العقد بهما، فكان حقيقة فيه كاللفظ الآخر وهو لفظ التزويج٥.
رابعًا: ولأنَّ الذهن ينصرف إليه عند الإطلاق ولا يتبادر إلا إليه فهو إن لم يكن حقيقة فيه أصلًا -أي في اللغة- فهو مما نقله العرف٦.
_________________
(١) ١ سورة النساء- آية رقم: ٦. ٢ قاله أبو الحسين بن فارس. انظر نفس المصادر السابقة وصفحاتها. ٣ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (٥٠٥) . وانظر مغني المحتاج (٣/١٢٣) . ٤ انظر: المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣-٣٣٤)، المبدع (٧/٣)، مغني المحتاج (٣/١٢٣)، تحفة المحتاج وحواشيها (٧/١٨٣) . ٥ انظر: المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣-٣٣٤) . ٦ المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢)، كشاف القناع (٥/٥) .
[ ١ / ٤٢ ]
ولكن المخالف لا يسلِّم بهذا بل يقول: إنَّ هذا مفهومه في العرف الاصطلاحي الفقهي خاصة١.
القول الثَّاني: أنَّه حقيقة في الوطء دون العقد.
وهذا مذهب الحنفية. واختاره بعض الحنابلة، وهو أحد الأوجه عند الشافعية٢.
ودليل هذا القول: أنَّ الأصل في استعماله لغة إنَّما هو في الوطء، كما قاله الأزهري وغيره من أهل اللغة، والأصل عدم النقل٣.
وجاءت به السنة كما في قوله ﷺ في بيان ما يَحِلُّ للرجل من
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥-١٨٦) . ٢ انظر للحنفية: المبسوط (٤/ ٩٢ ١)، الفتح والعناية (٣/١٨٥-١٨٧)، البحر الرائق (٣/٨٢) . تبيين الحقائق (٢/٩٥) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٣٣)، الإنصاف (٨/٤)، المبدع (٧/٣-٤) . وللشافعية: شرح النووي (٩/١٧٢)، فتح الباري (٩/١٠٣) مغني المحتاج (٣/١٢٣) . ٣ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥-١٨٧)، المبدع (٧/٤)، كشاف القناع (٥/٦) . تنبيه: يلاحظ أنَّ الأزهري قال: إنَّه لا يعرف شيء من ذكر النِّكاح في كتاب الله إلا على معنى التزويج. انظر: تهذيب اللغة (٤/١٠٣)، ونقله ابن منظور في اللسان (٣/٦٢٥) .
[ ١ / ٤٣ ]
امرأته الحائض- "اصنعوا كلَّ شيء إلا النِّكاح" ١.
وأمَّا ما ورد في الشرع بمعنى عقد التزويج فلقرينة صرفته عن معناه الحقيقيِّ إلى معنى التزويج كخطاب الأولياء في قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ ٢.
أو اشتراط إذنهم كما في قوله تعالى: ﴿فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ﴾ ٣.
وسمِّي عقد التزويج نكاحًا؛ لأنَّه سبب الوطء المباح٤.
_________________
(١) ١- رواه بهذا اللفظ الإمام مسلم عن أنس ﵁ (٣/٢١١ شرح النووي) كتاب الحيض، باب جواز قراءة القرآن في حجر الحائض.
(٢) وأبو داود (٦/٢٠٧ عون المعبود) . نكاح. باب إتيان الحائض ومباشرتها.
(٣) والترمذي: (٨/٣١٩ تحفة) . التفسير. سورة البقرة.
(٤) الدرامي: (١/١٩٦) الطهارة. باب مباشرة الحائض. ورواه النسائي وابن ماجه بلفظ (الجماع):
(٥) النسائي (١/١٥١ مع شرح السيوطي وحاشية السندي) الطهارة، باب تأويل قول الله ﷿ (ويسألونك عن المحيض) .
(٦) ابن ماجه (١/ ٢١١) الطهارة. باب ما جاء في مؤاكلة الحائض سؤرها. ٢ سورة النور – آية رقم: ٣٢. ٣ سورة النساء – آية رقم: ٢٥. ٤ المبسوط (٤/ ١٩٢)، فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥-١٨٧)، البحر الرائق (٣/ ٨٢)، تبين الحقائق (٢/٩٥) .
[ ١ / ٤٤ ]
القول الثَّالث: أن النِّكاح حقيقة في كلٍّ من الوطء والعقد. أي مشترك بينهما، ويتعيَّن المقصود منهما بالقرينة.
وهو قول لبعض الحنابلة قيل: إنَّه ظاهر ما نقل عن الإمام أحمد١.
وهو أحد الأوجه عند الشافعية٢. قال الحافظ في الفتح: "وهو الذي يترجَّح في نظري وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد"٣.
وحكاه غيرهم إمَّا قولًا للفقهاء، أو لأهل اللغة على اعتبار أنَّه لا فرق بين أهل اللغة والشرع في حقيقة النِّكاح إلا في المعنى الاصطلاحي الفقهي، أمّا مجرّد الاستعمال في اللُّغة والشرَّع فالقول فيه واحد٤.
ودليل هذا القول أنَّه ثبت الاستعمال في اللغة والشّرع بمعنى الوطء والعقد، والأصل في الإطلاق الحقيقة٥.
القول الرَّابع: أنَّه حقيقة فيهما معًا- أي من الألفاظ المتواطئة.
_________________
(١) ١ المبدع (٧/ ٤)، الإنصاف (٨/ ٥)، شرح منتهى الإرادات (٥/ ٦)، كشاف القناع (٥/٦) . ٢ شرح النووي (٩/ ١٧٢)، مغني المحتاج (٣/١٢٣) . ٣ فتح الباري (٩/١٠٣) . ٤ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥-١٨٧)، والبحر الزخار (٤/٣)، والبحر الرائق (٣/٨٢)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٢٤) . ٥ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٥-١٨٧)، والمبدع (٧/ ٤)، وكشاف القناع (٥/٦) .
[ ١ / ٤٥ ]
وبهذا قال بعض الحنابلة، وما نقل عن الإمام أحمد يحتمله ويحتمل الاشتراك١.
وتوجيه هذا القول: أنَّ القول بالتواطؤ أولى من القول بالاشتراك والمجاز؛ لأنَّهما خلاف الأصل٢.
ونقل المرداوي عن الشيخ تقي الدين ﵀: "أنَّه في الإثبات لهما، وفي النهي لكلِّ منهما، بناء على أنَّه إذا نهي عن شيء نهي عن بعضه، والأمر به أمر بكلِّه في الكتاب والسنة والكلام، فإذا قيل- مثلًا- "انكح ابنة عمِّك"، كان المراد العقد والوطء، وإذا قيل "لا تنكحها" تناول كل واحد منهما" اهـ٣.
وظاهر هذا أنَّ النِّكاح حقيقة فيهما بالتواطؤ، وإنما بيَّن الفرق بين دلالة الإثبات والنهي، ويؤيِّده ما سبق عنه من أن النِّكاح لغة الضمُّ على أتِّم الوجوه في الأبدان والعقود"٤.
هذه أهم الأقوال في حقيقة النِّكاح لغة وشرعًا، ولا يخفى أنَّ مناقشة كلِّ قول منها وترجيح ما يقوى رجحانه منها بحث يطول بيانه. وكلُّ ما
_________________
(١) ١ الإنصاف (٨/ ٥)، المبدع (٧/٤)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٢)، الإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٤) . ٢ الإنصاف (٨/٥)، شرح منتهى الإرادات (٣/٢) . ٣ الإنصاف (٨/٦) . ٤ انظر نصّ ما حكي عنه فيما سبق (ص ٣٩) .
[ ١ / ٤٦ ]
يمكن أن أقوله في خاتمة هذا المبحث أنَّ ورود النِّكاح في الشرع - أي في استعمال القرآن والسنة وعرف الصحابة- هو في جانب عقد التزويج أكثر وأشهر، وهذا وإن لم ينف حقيقة استعماله في الوطء- أو المعنى الأعمّ وهو الضم ونحوه، فهو أقوى أدلَّة حقائق معاني الألفاظ؛ إذ ليس هناك حجَّة أقوى من كثرة الاستعمال وشهرته في أحد المعنيين، وظهور النِّكاح مرادًا به عقد التزويج في القرآن والسنة وعرف الصحابة بل وحتى العرب قبل الإسلام هو بالمكان المعروف الذي لا يتوقف فهمه على قرينة. والله أعلم.
وثمرة هذا البحث تظهر حين يرد النِّكاح في الشرع مطلقًا عن القرينة كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ١، فمن جعل النِّكاح حقيقة شرعية في التزويج لم يثبت التحريم بوطء الزنى، ومن جعله حقيقة في الوطء- حلالًا أم حرامًا- أثبت به التحريم٢.
والذي لا ينبغي العدول عنه هو حمل "النِّكاح" في الشرع على التزويج عند الإطلاق إذ إنَّه إن لم يكن حقيقة فيه في أصل اللغة فهو حقيقته العرفية في الشرع، كما قاله ابن قدامة رحمه الله٣. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة النساء – آية رقم: ٢٢. ٢ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/١٨٧)، البحر الرائق (٣/٨٢)، مغني المحتاج (٣/١٢٣)، الإنصاف (٨/٥) . ٣ المغني (٧/٣٣٣) .
[ ١ / ٤٧ ]
معنى النِّكاح في اصطلاح الفقهاء.
وأمّا معنى النِّكاح في اصطلاح الفقهاء- أي في عرفهم عند الإطلاق- فهو عقد التزويج اتفاقًا وإن اختلفوا في تعريفه تبعًا لحقيقة المعقود عليه. أهو ملك منفعة الاستمتاع بالأنثى؟ أم إباحة الاستمتاع بها لزوجها؟ أم لكلِّ منهما بصاحبه؟
وهل ينعقد بكلِّ لفظ يفيد التمليك أو الحلّ أو لا ينعقد إلا بلفظ "الإنكاح" أو "التزويج"؟ مما هو معروف في محلِّه في الكلام على صيغة
الإيجاب والقبول١.
وخلاصة القول في معنى النِّكاح: أنَّه في عرف الفقهاء لا ينصرف -عند الإطلاق- إلا إلى التزويج. وأمَّا حقيقته في اللغة والشرع فقد اختلف فيها. أهو حقيقة في الوطء مجاز في التزويج؟ أم عكس هذا؟ أم حقيقة في كلٍّ منهما بحسب الاشتراك؟ أو التواطؤ؟، وإنَّما فصَّلت القول - فيما
_________________
(١) ١ انظر تعريف النِّكاح في الاصطلاح وحقيقة المعقود عليه واللفظ المنعقد به في المراجع التالية: فتح القدير (٣/١٨٦)، تبيين الحقائق (٢/٩٥) البحر الرائق (٣/٨٣) . مغنى المحتاج (٣/١٢٣)، تحفة المحتاج (٧/١٨٣) نهاية المحتاج (٦/١٧٦)، شرح حدود ابن عرفة (١/٢٣٥) . كشاف القناع (٥/٦)، شرح منتهى الإرادات (٣/٢)، الإنصاف (٨/٦) .
[ ١ / ٤٨ ]
سبق- في حقيقة النِّكاح في كلٍّ من اللغة والشرع؛ لأنَّ بعض العلماء لا يمانع في كون حقيقته لغة في الوطء دون التزويج.
وإنَّما يقول: إنَّه على عكس ذلك في الشرع. فلهذا التفصيل جرى ما سبق من التقسيم. وقد سبق أنّ المختار من هذه الأقوال هو حمل النِّكاح - عند الإطلاق- في الشرع على التزويج خاصة؛ لكثرته وشهرته في هذا المعنى دون غيره. والله الموفِّق.
[ ١ / ٤٩ ]