أوّلًا: اشتراطه فى وليّ المسلمة:
الإسلام يعلو ولا يُعْلى عليه، به أعزّ الله عباده، وبه قطع الموالاة بين أوليائه المؤمنين وأعدائه الكافرين؛ فلا ولاية لكافر على مسلم بإجماع أهل العلم، كما حكاه ابن المنذر وغيره١.
وهذا هو المعتمد في المذاهب الأربعة مما أمكن الوقوف عليه٢.
_________________
(١) ١ انظر الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر (٤/٤٠) . والمغني (٧/٣٥٦، ٣٦٣)، والمحلى (٩/٤٧٣)، والبحر الزخار (٤/٥٣) . ٢ انظر المصادر التالية في اشتراط إسلام ولي المسلمة إضافة إلى المصادر السابقة: للحنفية: المبسوط (٤/٢٢٣) . وبدائع الصنائع (٣/١٣٤٧/١٣٤٨) . والهداية وفتح القدير والعناية (٣/٢٨٥) . وتبيين الحقائق وحاشيته (٢/١٢٥) . والبحر الرائق (٣/١٣٢) . والدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/٧٧) . وللمالكية: المدونة (٢/١٥٠) وبداية المجتهد (٢/٩) وقوانين الأحكام لابن جزي (٢٢٤) . والخرشي والعدوي (٣/١٨٨) والشرح والدسوقي (٢/٢٣١) . والحطاب والموّاق (٣/٤٣٨) . وللشافعية: الأم (٥/١٥) روضة الطالبين (٧/٦٦) مغنى المحتاج (٣/١٥٦) وتحفة المحتاج (٧/٢٥٦) . وللحنابلة: الإنصاف (٨/٧٨-٧٩) والمبدع (٧/٣٨) . وكشاف القناع (٥/٥٣) وشرح منتهى الإرادات (٣/١٨) .
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وحكى بعض الحنابلة وجهًا في المذهب لصحّة ولاية الكافر على ابنته المسلمة، وهل يباشر تزويجها بنفسه على هذا الوجه؟ أو يعقده مسلم بإذنه؟ أو يعقده الحاكم بإذنه؟ أو جه على هذا الوجه، أصحها الأوّل١. إلاّ أن المعتمد الذي عليه المذهب أنَّه لا ولاية لكافر على مسلمة، سواء أكان أبًا أم غيره، وهو المنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله٢. وهذا هو الصحيح لما تقدَّم من حكاية الإجماع المستند لعموم الكتاب والسنة ومن ذلك:
أ- من القرآن الكريم ما يلى:
أوّلًا: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ ٣.
وولاية الكافر على المسلمة نوع من هذا السبيل المنفي شرعًا.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٤.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف (٨/٧٩) . والمبدع (٧/٣٨) . ٢ انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٤١٠-٤١٢) . ٣ سورة النساء آية رقم: (١٤١) . ٤ سورة التوبة آية رقم: (٧١) . ٥ سورة الأنفال آية رقم (٧٣) .
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ففي هاتين الآيتين الكريمتين قد قسم الله تعالى الناس إلى قسمين، مؤمن وكافر؛ فجعل المؤمنين بعضهم لبعض أولياء، والكافرين بعضهم لبعض أولياء، ومفهوم ذلك أنَّ لا ولاية بين مؤمن وكافر. والله أعلم. رابعًا: قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١. وهذه الآية وإن كانت ليست في الكافرين، بل هي في المؤمنين؛ لبيان الموالاة بين من أسلم ولم يهاجر، ومن هم في دار الإسلام، إلا أنَّ بعض العلماء - كمالك ﵀ - قد استدلَّ بها على منع الموالاة بين المؤمنين والكافرين من باب أولى٢ والله أعلم.
ب- وأمَّا من السنَّة فمنها:
أوّلًا: زواج النبي ﷺ أمّ حبيبة، ابنة أبي سفيان من غير ولاية أبيها"٣.
قال الشافعي ﵀: ولا يكون الكافر وليًّا لمسلمة وإن كانت بنته، قد زوّج ابن سعيد٤ بن العاص النبيّ ﷺ أمّ حبيبة، وأبو سفيان حيّ؛
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية رقم (٧٢) . ٢ انظر: المدونة (٢/١٥٠)، والمنتقى للباجي (٣/٢٧٢)، ومنح الجليل على مختصر خليل (٢/٢٥)، والمبسوط للسرخسي (٤/٢٢٣) . ٣ تقدم تخريجه (ص ١٦٨-١٦٩) . ٤ هو ابن ابن عم أبيها: خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، كما تقدم (ص١٦٩) . وهذا لا يتعارض مع ما تقدم من أنّ الذي زوجها النجاشي بولاية السلطنة وهو مسلم حينذاك، أو أنّ الذي زوجها ابن ابن عم أبيها الآحر عثمان بن عفان ﵁، فكلّها دليل على أنه لم يكن لأبيها عليها ولاية حينذاك. وأما ما قيل من أنَّ الذي زوجها أبوها (أبوسفيان بن حرب) فهذا بعيد جدًا. والله أعلم (انظر سنن البيهقي (٧/١٣٩-١٤٠)، وتهذيب السنن لابن القيم (مع معالم السن ٣/٣٢- ٣٤) .
[ ٢ / ٢٢٦ ]
لأنَّها كانت مسلمة وابن سعيد مسلم، لا أعلم مسلمًا أقرب بها منه، ولم يكن لأبي سفيان فيها ولاية؛ لأنَّ الله ﵎ قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين والمواريث والعقل وغير ذلك" اهـ١.
ثانيًا: حديث "الإسلام يعلو ولا يُعْلى":
والولاية في النكاح فيها استعلاء على الموْلِيِّ عليه، فلا ينبغي أن تكون لكافر على مسلم. والله أعلم.
وهذا الحديث قد رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهم مرفوعًا عن عائذ ابن عمرو المزني رضي الله عنه٢.
ورواه البخاري في صحيحه تعليقًا موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنه٣.
ووصله الطحاوي بإسناده إلى ابن عباس ﵁ في اليهوديَّة والنصرانيَّة تكون تحت النصرانيِّ أو اليهوديِّ، فتُسلم هي، قال: "يفرق
_________________
(١) ١ الأم للشافعي (٥/١٥) . ٢ الدارقطني (٣/٢٥٢مع التعليق المغني) . نكاح. والبيهقي (٥/٢٠٥) اللقطة. باب ذكر من صار مسلمًا بإسلام أبوية أو أحدهما من أولاد الصحابة ﵃. ٣ البخاري (٣/٢١٨ فتح الباري)، الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلَّى عليه..) .
[ ٢ / ٢٢٧ ]
بينهما، الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلى عليه"١. وساقه من طريق آخر ولكن بدون لفظ "الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلى عليه"٢.
وهو صحيح موقوفًا على ابن عباس ﵄، وحسن مرفوعًا بمجموع طرقه التي يشدّ بعضها بعصًا.
قال الألباني في إرواء الغليل: "حديث الإسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى" حسن. روي من حديث عائذ بن عمرو المزني، وعمر بن الخطاب، ومعاذ ابن جبل مرفوعًا، وعبد الله بن عباس مرفوعًا٣.
ثم فصّل القول في هذه الطرق كلّها، وقال في آخر البحث:
وجملة القول: "أنَّ الحديث حسن مرفوعًا بمجموع طريقي عائذ ومعاذ، وصحيح موقوفًا"٤
_________________
(١) ١ شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/٢٥٧-٢٥٨) السير. باب الحربية تسلم في دار الحرب، فتخرج إلى دار الإسلام، ثم يخرج زوجها بعد ذلك مسلمًا، وعزا الحافظ تخريجه إلى ابن حزم (٣/٢٢٠الفتح) . ٢ نفس المصادر السابقة. ٣ إرواء الغليل (٥/١٠٦) . إلا أنه لم يذكر طريق رفعه عن ابن عباس ﵄، ولم أر من خرجه عنه مرفوعًا فلعلّه سبق قلم. وأن صوابه (وعبد الله بن عباس موقوفًا) كما يدلّ عليه كلامه الآتي والمنقول نصّا من آخر بحثه في تخريج هذا الحديث. ٤ انظر: إرواء الغليل (٥/١٠٦-١٠٩)، ونصب الراية (٣/٢١٣)، والدراية لابن حجر (٢/٦٦)، وفتح الباري (٣/٢٢٠) .
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ج- وأمَّا من الآثار.
فقد ذكر ابن قدامة في المغني عن الإمام أحمد ﵀ أنَّه قال: "بلغنا أنَّ عليًّا ﵁ أجاز نكاح الأخ، وردّ نكاح الأب وكان نصرانيًّا١.
د- وأمَّا من المعقول.
فولاية الكافر على المسلمة ممنوعة قياسًا على منع التوارث بينهما٢.
لقوله ﷺ: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" متفق عليه٣.
وأيضًا ففي ولاية الكافر على المسلم إذلال للمسلم، مع عدم النظر له غالبًا؛ لما بينهما من العداوة في الدِّين، ولهذا صينت المسلمة عن نكاح الكافر إجماعًا. والله المستعان.
إذا كانت الأمة مسلمة وسيِّدها كافر فهل يزوِّجها؟
وكذلك إذا أسلمت الأمة وبقي سيِّدها كافرًا فلا يلي نكاحها كالحرَّة، إلا أن تكون أمَّ ولده في أحد الوجهين للحنابلة،٤ وهو وجه
_________________
(١) ١ المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٦ والشرح ٤٢٥) . ٢ انظر: الهداية وفتح القدير (٣/٢٨٥) والمبسوط (٤/٢٢٣) وبدائع الصنائع (٣/١٣٤٨) . ٣ انظر تمام تخريجه في إرواء الغليل (٦/١٢٠، ١٥٥) من حديث أسامة بن زيد ﵁. ٤ انظر: المغني (٧/٣٦٣) والإنصاف (٨/٧٨) . والمبدع (٧/٣٨)، وكشاف القناع (٥/٥٥) .
[ ٢ / ٢٢٩ ]
أيضًا في مذهب الشافعية١؛ لأنَّها مملوكته فيلي نكاحها كالمسلم في تزويج أمته الكافرة٢.
وقد قرّر صاحب (الإنصاف) من الحنابلة: أنَّ هذا الوجه هو المذهب٣.
فعلى هذا هل يباشر تزويجها بنفسه؟ أو يباشره بإذنه مسلم؟ أو الحاكم؟ أوجه٤.
وأمَّا على الوجه الأول، وهو: أنَّه لا ولاية له عليها فيزوِّجها الحاكم، واختاره ابن قدامة في المغني٥؛ لما سبق من حكاية الإجماع على أنَّه لا ولاية لكافر على مسلم. والله أعلم.
وبحث هذه المسألة- أعني تزويج الكافر أَمَتَه المسلمة- بحث قليل الجدوى؛ إذ مبناه على أنَّ الكافر هل يثبت له ملك شرعيّ على مسلم عبد أو أمة؟ وعلى القول بثبوته فهو ملك غير مستقرٍّ؛ لإجبار الكافر على إزالة ملكه عنهما بنحو بيع أو كتابة٦. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: روضة الطالبين (٧/٦٧) وتكملة المجموع الثانية (١٦/١٦١) . ٢ انظر: المغني والشرح الكبير (٧/٣٦٣ والشرح ٤٣٢-٤٣٣) . ٣ الإنصاف (٨/٧٨) . وانظر أيضًا المبدع (٧/٣٨) وكشاف القناع (٥/٥٥) . ٤ انظر المبدع (٧/٣٨) . ٥ انظر المغني (٧/٣٦٣) . ٦ المحلى لابن حزم (٩/٢٠٨، ٤٤٩-٤٥٠) المنهاج ومغني المحتاج (٢/٨) و(٤/٥١٢) والبحر الزخار (٤/٥٤) .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
ثانيًا: الولاية على الكافرة في النِّكاح.
إنّ المقصود في هذا المبحث هو الولاية على المسلمة دون الكافرة إلا أنَّه اشتهر عند الفقهاء في هذا المبحث ذكر من الذي يزوج الكافرة؟ وذلك بناء على أنَّ الشرط هنا هل هو الإسلام في وليِّ المسلمة؟ أو اتحاد الدِّين مطلقًا؟ ولهذا أردت التنبيه إلى تلك المسائل استكمالًا لهذا المبحث وهي:
المسألة الأولى: ولاية المسلم على الكافرة.
والمسألة الثَّانية: ولاية الكافر على الكافرة.
والمسألة الثَِّالثة: إذا كان خاطِب الذميّة مسلمًا فهل يزوّجه إيّاها وليّها الذميّ؟
فأمَّا المسألة الأولى: وهي ولاية المسلم على الكافرة، فإنَّ المسلم لا يكون وليّا لكافرة، كما لا يكون الكافر وليًّا لمسلمة إلاّ في الحالات التَّالية:
الحالة الأولى: أن يكون المسلم سلطانًا ولا وليَّ لها فيكون هو
[ ٢ / ٢٣١ ]
وليّها؛ لعموم ولايته على من هم في دار الإسلام من المسلمين وغيرهم١.
ولعموم قوله ﷺ: "السلطان وليّ من لا وليّ له"،٢ ولم أر خلافًا في استثناء هذه الحالة.
الحالة الثَّانية: أن يكون المسلم سيِّدَ أمة أو وليَّ سيِّدتِها، فيزوِّجها لكافر، لأنَّها لا تحلُّ للمسلمين.
وذلك لأنّ هذه ولاية مال بناء على الصحيح من قولي الفقهاء في تزويج العبيد والإماء؛ أهو بالملك أم بالولاية؟ والصحيح أنَّه بالملك، ولأنَّها تحتاج إلى التزويج ولا وليَّ لها غير سيّدها٣.
_________________
(١) ١ انظر المغني (٧/٣٦٤)، وكشاف القناع (٥/٥٦)، والأم للشافعي (٥/١٥)، وروضة الطالبين (٧/٦٧)، ومغني المحتاج (٣/١٧٣،٢٥٦)، وفتح القدير لابن الهمام (٣/٢٨٥) والدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣/٧٧-٧٨) وتبيين الحقائق (٢/١٢٦) . ٢ تقدم تخريجه (١/١١٢) وانظر إرواء الغليل (٦/٢٤٧) . ٣ انظر في استثناء هذه الصورة المصادر التالية: للحنفية: نفس المصادر السابقة في تزويج السلطان للأمة الكافرة. وللمالكية: الخرشي والعدوي (٣/١٨٨) والشرح الكبير والدسوقي (٢/٥٣١) والموّاق مع الحطاب (٣/٤٣٨) ومنح الجليل (٢/٢٥)، والمنتقى شرح الموطأ للباجي (٣/٢٧٢) . وللشافعية: الأم (٥/١٥) وروضة الطالبين (٧/٦٧) ومغني المحتاج (٣/١٥٦، ١٧٣) وتكملة المجموع الثانية (١٦/١٦١) . وللحنابلة: المغني (٧/٣٦٣-٣٦٤) والمبدع (٧/٣٨) وكشاف القناع (٥/٥٥- ٥٦) .
[ ٢ / ٢٣٢ ]
قال ابن هبيرة: اتفقوا على أنَّ السيِّد المسلم يملك تزويج أمته الكافرة، إلاّ الشافعي في أحد قوليه أنَّه لا يملك ذلك. اهـ١.
الحالة الثَّالثة: أن تكون الكافرة عتيقة لمسلم من غير نساء الرجال الذين يؤدّون الجزية، وذلك بأن يعتقها وهو مسلم في دار الإسلام، أمّا لو أعتقها كافرًا ثم أسلم فلا يزوِّجها إلاّ أهل الكفر إلا أن تسلم، وكذلك لو أعتقها ببلاد الحرب فليس له تزويجها٢.
وهذه الحالة مستثناة للمالكية، ولم يظهر لي وجه استثنائها على هذا الوجه. والله أعلم.
الحالة الرَّابعة: ما حكى عن ابن وهب من المالكية أن "للمسلم أنَّ يعقد نكاح ابنته النصرانية لمسلم، وإن كان لنصرانيّ فلا يليها أبوها"٣. وتوجيه ذلك كما في المنتقى للباجي: أنّ عقد المسلم على النصرانيَّة غير
_________________
(١) ١ الإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٧) . ولعل القول المستثنى للشافعي هنا هو المبنى على أن تزويج الأمة بالولاية لا بالملك. والله أعلم. ٢انظر نفس المصادر السابقة للمالكية فيما اذا كان سيد الأمة الكافرة مسلمًا. ٣ انظر المنتقى شرح الموطأ للباجي (٣/٢٧٢) .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
مفسد للنكاح، كالسيّد المسلم يزوّج أمته النصرانية من مسلم أو نصرانيِّ١.
وقد منع ابن حزم صحَّة استثناء هذه الصورة، وردّها بما سبق من الآيات الدالّة على قطع الولاية بين المسلم والكافر، ثم قال: "وهو قول من حفظنا قوله إلا ابن وهب صاحب مالك قال: إنَّ المسلم يكون وليًّا لابنته الكافرة في إنكاحها من المسلم أو من الكافر، وهذا خطأ لما ذكرنا، وبالله التوفيق"٢.
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق. ٢ المحلى لابن حزم (٩/٤٧٣) . ويلاحظ أنه قد أطلق القول عن ابن وهب أنّ للمسلم أن يزوج ابنته من مسلم وكافر. وهذا بخلاف ما في المنتقى للباجي من أنه يزوجها لمسلم دون النصراني. والله أعلم. تنبيه: ذهب المالكية إلى أنّ المسلم إذا أقدم على تزويج حرّة كافرة لكافر ترك وشأنه، ولو كان المسلم أجنبيًّا منها، وذلك لعدم التعرض لهم في الزِّنى إن لم يعلنوه، فأحرى عدم التعرض لهم في النكاح ويكون المسلم- حينئذ- قد ظلم نفسه باعانته لهم على نكاح فاسد. وأمَّا إن عقده لمسلم- وهذا يتصوّر إذا كانت المرأة كتابية- فيفسخ النكاح أبدًا خلافًا لأصبغ. وهذا ما لم تكن عتيقته الكتابية (كما تقدم في الحالة الثالثة) . وهذا التفصيل من الفسخ، أو عدمه لا يتنافى مع عدم ولايته عليها، إذ الفسخ شيء ونفي الولاية شيء آخر كما قاله الخرشي (٣/١٨٨) وانظر أيضًا: الشرح الكبير (٣/٢٣١) وشرح الزرقاني على مختصر خليل (٣/١٨٣) . ومنح الجليل (٢/٢٥) .
[ ٢ / ٢٣٤ ]
المسألة الثَّانية: ولاية الكافر على الكافرة.
وأمّا ولاية الكافر على الكافرة: فهذا لا يخلو من أن يكون الكافر أصليًّا أو مرتدًّا، فإن كان مرتدًّا، فلا ولاية له على أحد، ولو على مرتدّة مثله١؛ لأنَّه محكوم عليه بالقتل.
وأمَّا إن كان أصليًّا: فله الولاية على قريبته الكافرة، وهي كلُّ من يربطه بها سبب من أسباب الولاية المعروفة في نكاح المسلمين من نسب، أو ولاء، أو سلطان، أو نحوها.
وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢.
وهذا إن اتّحد دينهما كاليهوديين، أو النصرانيين، أو المجوسيين فلا خلاف فيه؛ لاتحاد معتقدهما.
وأمَّا إن اختلف دينهما كاليهوديِّ مع قريبته النصرانيَّة فظاهر صنيع الفقهاء عدم التفصيل في مبحث ولاية النكاح، ولكن الظاهر أنَّه يجري في باب الولاية في النكاح ما قالوه في باب الميراث من اختلاف الملل أو اتّحادها، وهو بحث يطول بيانه وتحقيقه، فليراجع في محلّه٣.
_________________
(١) ١ انظر: بدائع الصنائع (٣/١٣٤٧) . وروضة الطالبين (٧/٦٧) ومغنى المحتاج (٣/١٥٦) . ٢ سورة الأنفال آية رقم (٧٣) . ٣ انظر بحث توريث أهل الملل عند الفقهاء في المصادر التالية: للحنفية: تبيين الحقائق (٦/٢٤٠) والبحر الرائق (٨/٥٧١) . وللمالكية: منح الجليل (٤/٧٥٥) والخرشي والعدوي (٨/٢٢٣) . والزرقاني على البناني (٨/٢٢٨) . وللشافعية: المنهاج ومغنى المحتاة (٣/٢٥) وتحفة المحتاج (٥/٤١٦) ونهاية المحتاج (٦/٢٨) وروضة الطالبين (٧/٦٦) . وللحنابلة: الإفصاح لابن هبيرة (٢/٩١ والفتاوى لابن تيمية (٣٢/٣٥-٣٧) والإنصاف للمرداوي (٧/٣٥٠) وكذلك (٨/ ٨٠ كتاب النكاح منه) .
[ ٢ / ٢٣٥ ]
المسألة الثالثَّة: إذا كان خاطب الذمّية مسلمًا فهل ينكحه إيّاها وليّها الذمّي؟
مذهب الجمهور: - ومنهم الأئمة الثلاثة - نعم١، وهو أيضًا أحد الوجهين للحنابلة، قال المرداوي في (الإنصاف): وهو المذهب٢.
والوجه الثَّاني للحنابلة: لا يزوّجه إيّاها إلا الحاكم المسلم، وهو المنصوص عن الإمام أحمد ﵀ فقد روى حنبل٣ عنه أنَّه قال: "لا يعقد يهوديّ ولا نصرانيّ عقد نكاح لمسلم ولا لمسلمة"٤.
_________________
(١) ١ انظر: لهم جميعًا: الإفصاح لابن هبيرة (٢/١١٦) . والمغني والشرح الكبير (٧/٣٦٤والشرح ٤٣٣) وانظر للمالكية: الخرشي (٣/١٨٨)، والشرح الكبير مع الدسوقي (٢/٢٣١) وللشافعية: مغنى المحتاج (٣/١٥٦) وروضة الطالبين (٧/٦٦) . ٢ الإنصاف (٨/٨٠) وانظر أيضًا المبدع (٧/٣٩) وكشاف القناع (٥/٥٥) . ٣ هو حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني. ابن عم الإمام أحمد وتلميذه. وهو حافظ محدث مؤرّخ. انظر ترجمته في معجم المؤلفين (٤/٨٦) والأعلام (٢/٣٢١-٣٢٢) وطبقات الحنابلة (١/١٤٣-١٤٥) . ٤ انظر المغني (٧/٣٦٤) وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٤١٢) .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقال صاحب الإنصاف: ينبغي أن يكون هذا المذهب للنصّ عن الإمام١.
ودليل الجمهور على عدم التفريق بين كون زوج الكتابية مسلمًا أو كافرًا هو عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢ ونحوها من الأدلّة على أنَّ الكفَّار بعضهم لبعض أولياء، فصحّ تزويجه لها من مسلم، كما لو زوّجها كافرًا، ولأنَّها امرأة لها وليٌّ مناسب فلم يجز أن يليها غيره كما لو تزوّجها ذميّ٣.
وأمَّا وجه ما روى عن الإمام أحمد ﵀ من المنع فقال ابن قدامة في توجيهه: "ووجهه أنَّه عقد يفتقر إلى شهادة مسلمين، فلم يصحّ بولاية كافر كنكاح المسلمين"٤.
ثم عقّب عليه بقوله: "والأول أصحُّ (أي: تزويج الكافر لها من مسلم) - والشهود يرادان لإثبات النكاح عند الحاكم، بخلاف الولاية"اهـ٥.
_________________
(١) ١ الإنصاف (٨/٨٠) . ٢ سورة الأنفال آية رقم (٧٣) . ٣ انظر المغني والشرح الكبير (٧/٣٦٤ والشرح ٤٣٣) . وأحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٤١٣) . ٤ المغني (٧/٣٦٤) وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٤١٢) . ٥ المغني (٧/٣٦٤) وانظر أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٤١٢) .
[ ٢ / ٢٣٧ ]
وقيل أيضًا: لأنّ فيه صغارًا على المسلم١.
ولكن في هذا نظر؛ فإنَّ النِّكاح مبناه على المكارمة، ورضى المرأة الكتابية ووليّها بتزويج المسلم فيه إكرام له لا إهانة، وقد أحلَّ الله لنا نكاح نسائهم، ولم يفصِّل، بل قد بيّن ﷾ في مواضع من كتابه أنَّ الكفار بعضهم لبعض أولياء، وكذلك جاءت به السنة، كما أنَّ الزَّوج دائمًا في مقام السيّد لا المسود، بخلاف المرأة؛ بدليل الحديث "فإنَّما هنَّ عوان عندكم" ٢ والعاني هو الأسير، وعقد وليّها لها من مسلم إقرار لهذه السِّيادة.
ولهذا- والله أعلم- أحلَّ الله لنا نكاح نسائهم، ولم يُحِلَّ لهم نكاح نسائنا، وبهذا يتبيّن أنَّ عقد الذميّ على مَوْلِيَّته الذمّية لمسلم لا صَغَارَ فيه على المسلم. والله أعلم.
وإنَّما الأولى ألاّ يتزوَّج مسلم كتابية مطلقًا، لا بولاية وليِّها، ولا غيره؛ لسلامة دينه وذرّيته؛ فإنَّه بالزَّواج تتآلف القلوب؛ فربّما جارى زوجته وأهل دينها فيما يضرُّ بدينه، وربَّما نشَّأت أولادهما على دينها، فيفقد الزَّوج أعظم وأجلَّ مقاصد النِّكاح وهي الذرّية الصالحة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر المبدع لابن مفلح (٧/٣٩) . ٢ عوان: جمع عانية، والعاني الأسير، والحديث أخرجه أصحاب السنن، انظر نيل الأوطار (٦/٢٣٧) من حديث عمرو بن الأحوص.
[ ٢ / ٢٣٨ ]