إذا كان للأمة زوج فعتقت تحته فهو إمَّا أن يكون عبدًا أو حرًّا حينذاك.
فإن كان عبدًا فقد أجمع أهل العلم على ثبوت حقِّها في الخيار؛ فإن شاءت فسخت نكاحها منه، وإن شاءت بقيت على ما كانت عليه، فإذا اختارت البقاء معه لم يكن لها بعد ذلك حقّ في الفسخ؛ لأنّها أسقطت حقّها بنفسها.
والأصل في ثبوت الخيار للأمة حديث (بَرِيرَة) الصحيح، المشهور، حيث كانت أمة فأعتقت فخيّرها رسول الله ﷺ في زوجها فاختارت نفسها١.
فقد قالت عائشة - ﵂ -: كان في بَرِيرَة٢ ثلاث سنن: عتقت فخيّرت، وقال رسول الله ﷺ: "الولاء لمن أعتق"، ودخل
_________________
(١) ١ انظر: المغني لابن قدامة (٧/٥٩١) . ٢ بَرِيرَة- بفتح الموحدة وكسر الراء وإسكان التحتية، فراء ثانية، فهاء تأنيث، بزنة فعيلة، من البرير، وهو ثمر الأراك، قيل اسم أبيها: صفوان، وأنّ له صحبة، وقيل: كانت نبطيّة، وقيل: قبطية، وقيل: حبشية، مولاة عائشة، وكانت تخدمها قبل أن تشتريها. كذا في شرح الزرقاني للموطأ (٣/١٨٠)، وانظر ما ذكره أيضًا من الخلاف في مواليها قبل ذلك في نفس الصفحة. وانظر ترجمتها في: الإصابة (٤/٢٥١-٢٥٢)، والاستيعاب (٤/٢٤٩- ٢٥٠)، وطبقات ابن سعد (٨/٢٥٦- ٢٦١) .
[ ٢ / ٣٧ ]
رسول الله ﷺ وبُرْمَة على النَّار فقرّب إليه خبز وأُدْمٍ١ من أُدْمِ البيت فقال: ألم أر البُرْمَة٢ على النَّار؟ فقيل: لحم تُصدِّق به على بَرِيرَة، وأنت لا تأكل الصدقة، قال: "هو عليها صدقة، ولنا هديّة". وهذا الحديث رواه الأئمة: ما لك، وأحمد، والستة، والدارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم٣ من طرق شتَّى وبألفاظ متقاربة تتَّفق
_________________
(١) ١ الأُدْم: بضم الهمزة وإسكان الدال المهملة- هو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان. انظر: النهاية في غريب الحديث (١/٣١) . ٢ البُرْمَة- بضم الموحدة وإسكان الراء- قال ابن الأثير: هي القدر مطلقًا. وجمعها: بِرام- (أي بكسر الباء) - وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن، وقد تكررت في الحديث اهـ. النهاية في غريب الحديث (١/١٢١) . ٣ تخريجه:
(٢) مالك: (٣/١٨٠ مع شرح الزرقاني) طلاق، باب ما جاء في الخيار.
(٣) أحمد: (المسند ٦/٤٢، ٤٦، ١١٥، ١٧٠، ١٧٢، ١٧٥، ١٨٦، ٢٠٩) .
(٤) البخاري: بهذا اللفظ في كتاب الطلاق من الصحيح، باب الحرَّة تحت العبد (٩/١٣٨الفتح) وفي مواضع أخر كثيرة منها في كتاب الطلاق، باب (٩/٤١٠ الفتح)، وهنا أطال ابن حجر في شرحه وتعداد فوائده.
(٥) مسلم: (١٠/١٤٦-١٤٧ نووي) العتق، "باب بيان أنَّ الولاء لمن أعتق".
(٦) أبو داود: (٦/٣١٥ عون المعبود) طلاق، باب في المملوكة تعتق تحت حرّ أو عبد، وباب من قال حرًّا (٦/٣١٦) وباب متى يكون الخيار (٦/٣١٨) .
(٧) الترمذي: (٤/٣١٧-٣١٨ تحفة) الرضاع، باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج.
(٨) النسائي: (٦/١٦٢) طلاق، باب خيار الأمة، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها حرٌّ (٦/١٦٣منه)، وباب خيار الأمة تعتق وزوجها مملوك (٦/١٦٤) .
(٩) ابن ماجه: (١/٦٧٠- ٦٧١) طلاق، باب الأمة إذا أعتقت.
(١٠) الدارمي: (٢/٩١مع تخريجه) طلاق، باب في تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق.
(١١) ابن الجارودي: (ص ٢٤٧ مع تخريجه) طلاق.
(١٢) الطحاوي: (٣/٨٢ شرح معاني الآثار) نكاح، باب الأمة تعتق وزوجها حرٌّ، هل لها الخيار؟.
(١٣) الدارقطني: (٣/٢٨٨- ٢٩٢) نكاح. ١٣ البيهقي: (٧/٢٢٠وما بعدها)، باب الأمة تعتق وزوجها عبد، (٧/٢٢٣وما بعدها) باب من زعم أن زوج بَرِيرَة كان حرًّا يوم أعتقت. وانظر كتب التخريج التالية: نصب الراية (٣/٢٠٤-٢٠٨)، والتلخيص الحبير (٣/٢٠٢-٢٠٣)، وإرواء الغليل (٦/٢٧٢- ٢٧٨، ٣٢٠) .
[ ٢ / ٣٨ ]
جميعها على ثبوت خيار بَرِيرَة من زوجها، وتختلف في كون زوجها حرًّا أو عبدًا يوم أُعتقت، وبعضها أطول من بعض، وهو حديث له شأنه عند الفقهاء والمحدّثين حتى إن بعض المحدّثين قد أفرده بالتأليف وهو حقيق بذلك١.
وأمّا إن كان زوج الأمة حرًّا حين عتقت: فقد اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار لها تحت زوجها الحرّ على قولين مشهورين:
_________________
(١) ١ انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٨٠)، وقال ابن حجر في الإصابة في ترجمة بَرِيرَة: قد جمع بعض الأئمة فوائد هذا الحديث فزادت على ثلاث مائة، ولخصتها في فتح الباري. انظر: الإصابة (٤/٢٥٢)، وفتح الباري (٩/٤١١-٤١٦) .
[ ٢ / ٣٩ ]
القول الأوّل: أنّه لا خيار لها، وبه قال جمهور العلماء من المحدّثين والفقهاء، ومنهم الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد في القول المشهور عنه الذي عليه أصحابه١.
والقول الثَّاني: أنّه لها الخيار، وهو مذهب الحنفية، وروى عن بعض التابعين، وهو أيضًا مذهب ابن حزم الظاهري، ورواية عن الإمام أحمد٢.
سبب الخلاف:
وسبب اختلاف العلماء في هذا يرجع إلى أمرين:
أوّلهما: اختلاف الرِّوايات عن عائشة - ﵂ - في زوج بَرِيرَة حين أُعتقت: أكان حرًّا أم عبدًا؟
وثانيهما: المعنى المعلَّل به ثبوت الخيار للأمة،،أي تنقيح المناط، أهو ملك الأمة نفسها بالعتق؟ أم عدم كفاءة زوجها العبد لها بعد أن أصبحت حرَّة؟ أم غير ذلك؟. وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد (٢/٤٠)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٢٤١-٢٤٢)، والإفصاح لابن هبيرة (٢/١٣٤)، والمغني لابن قدامة (٧/٥٩١)، والمهذب للشيرازي - (٢/٥١-٥٢)، والمنهاج ومغني المحتاج (٣/٢١٠) . ٢ انظر للحنفية: الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٤٠٢-٤٠٣) وتبيين الحقائق (٢/١٦٦-١٦٧)، والبحر الرائق (٣/١١٥) ولأحمد: المغني لابن قدامة (٧/٥٩١)، وزاد المعاد (٥/١٦٩) . ولابن حزم: المحلى (١٠/١٥٢) .
[ ٢ / ٤٠ ]
السبب الأوّل:
أمّا السبب الأوّل: وهو اختلاف الرِّوايات عن عائشة - ﵂ - في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا يوم عتقت، فقد روى حديث عائشة هذا في تخيير بَرِيرَة حين عتقت ثلاثة نفر هم:
القاسم بن محمد "ابن أخيها"، وعروة بن الزبير "ابن أختها"،
والأسود بن يزيد١.
فأمّا القاسم فعنه روايتان:
إحداهما: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، رواها أحمد ومسلم وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدرامي، والبيهقي، والدارقطني٢.
والثَّانية: رواية شعبة. عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وفي هذه الرواية شكَّ عبد الرحمن بن القاسم حيث قال: "وزوجها حرٌّ أو عبد؟ قال شعبة: سألت عبد الرحمن عن زوجها؟ قال: لا أدري" هذا لفظ البخاري.
_________________
(١) ١ هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، مخضرم، ثقة، مكثر، فقيه، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (١/٧٧)، وتهذيب التهذيب (١/٣٤٢-٣٤٣) . ٢ انظر التخريج السابق: أحمد (المسند٦/١١٥، ١٨٠، ٢٠٩) ومسلم (١٠/١٤٦ نووي)، وأبو داود (٦/٣١٦ عون المعبود) النسائي (٦/١٦٥)، ابن ماجه (١/٦٧١)، الدارمي (٢/٩١)، الدارقطني (٣/٢٩١- ٢٩٢)، البيهقي (٧/٢٢٠) .
[ ٢ / ٤١ ]
وعند غير البخاري: "قال عبد الرحمن: كان زوجها حرًّا- أي بالجزم ثم قال شعبة: سألت عبد الرحمن عنها فقال: لا أدري". وهذه الرواية عن القاسم رواها: أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي١.
وأمَّا عروة بن الزبير: فلم تختلف روايته عن عائشة - ﵂ - أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا، ولفظه: قالت: "وكان زوج بَرِيرَة عبدًا فخيَّرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها، ولو كان حرًّا لم يخيِّرها". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٢.
إلاّ أنَّ النسائي قال: "قال عروة: ولو كان حرًّا ما خيَّرها رسول الله ﷺ.
قال الحافظ ابن حجر: قال الدارقطني في العلل: "لم يختلف على عروة أنّه كان عبدًا"٣.
_________________
(١) ١ انظر: التخريج السابق: أحمد: (المسند٦/١٧٢)، والبخاري (٥/٢٠٣الفتح)، ومسلم (١٠/١٤٦ نووي) والنسائي (٦/١٦٥)، والبيهقي (٧/٢٢٠) . ٢ انظر التخريج السابق: مسلم (١٠/١٤٦نووي)، وأبو داود (٦/٣١٥ عون المعبود)، والترمذي (٤/٣١٧ تحفة) والنسائي (٦/١٦٥)، وابن الجارودي (ص ٢٤٧)، والطحاوي (٣/٨٢)، والدارقطني (٣/٢٨٩- ٢٩٢)، والبيهقي (٧/٢٢١) . ٣ فتح الباري (٩/٤١٠) .
[ ٢ / ٤٢ ]
وأمّا ما رواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ إلى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا١، فقال الحافظ ابن حجر: إنَّ هذا غلط، ونصُّ كلامه: "قلت: وقع لبعض الرُّواة غلط؛ فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه، وابن حزم من طريقه قال: أنبأنا أحمد ابن يزيد المعلم، حدثنا موسى بن معاوية، عن جرير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان زوج بَرِيرَة حرًّا، هذا وهم من موسى، أو من أحمد، فإنّ الحفّاظ من أصحاب هشام، ومن أصحاب جرير، قالوا: كان عبدًا، منهم إسحاق بن راهويه، وحديثه عند النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أسامة، عن هشام، وفيه أنَّه كان عبدًا" اهـ٢.
وأمَّا ما رواه الأسود بن يزيد: عن عائشة - ﵂-، فلم تختلف روايته عنها أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا". رواه أحمد والستة إلا مسلمًا، ورواه الدارمي، والطحاوي، والدارقطني والبيهقي٣.
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم (١٠/١٥٤-١٥٥) . ٢ فتح الباري (٩/٤١٠) . ٣ انظر التخريج السابق: أحمد (المسند ٦/٤٢، ١٧٠،١٧٥، ١٨٦)، والبخاري (٩/١٠ فتح)، وأبو داود (٦/٣١٦ عون المعبود)، والترمذي (٤/٣١٧ تحفة)، والنسائي (٦/١٦٣)، وابن ما جه (١/٦٧٠)، والدارمي (٢/٩١)، والطحاوي (٣/٨٢)، والدارقطني (٣/٢٩٠)، والبيهقي (٧/٢٢٣-٢٢٤) وقال: قد روينا عن القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن، كلهم عن عائشة ﵂ أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا (٧/٢٢٤) .
[ ٢ / ٤٣ ]
وبناء على هذا الاختلاف في الرِّوايات عن عائشة - ﵂ - في حال زوج بَرِيرَة يوم أعتقت أكان عبدًا أم حرًّا؟ فقد اختلف العلماء في تصحيح تلك الرِّوايات جميعها، أو ترجيح بعضها على بعض، فمنهم من حكم لها بالصِّحة جميعها وجمع بينها، ومنهم من رجَّح رواية أنّه كان عبدًا، ومنهم من رجّح رواية أنّه كان حرًّا. وقد انتصر كلُّ ذي وجهة لوجهته بكلام يطول ذكره، ويصعب حصره في مثل هذا المقام، وحسبنا من كلِّ ذلك خلاصته.
فممَّن ذهب إلى طريقة الجمع بين تلك الرِّوايات: الطحاوي، وابن حزم الظاهري. وحجَّتهم أنَّ طريقة الجمع مقدّمة على طريقة الترجيح متى أمكن ذلك، والجمع هنا ممكن؛ وذلك بحمل رواية أنّه كان عبدًا على حاله قبل عتق زوجته، وحرًّا يوم عتقها، فمن قال: كان عبدًا حكى حاله السابقة، ومن قال كان حرًّا حكى حاله يوم عِتْق زوجته، وذلك أنَّ الرِّق تعقبه الحُرِّية بخلاف الحُرِّية فلا يعقبها رِقّ١.
ونوقش هذا الجمع بأنَّ بعض الرِّوايات الصحيحة صريحة في أن زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أعتقت، وأنَّ القول بأنَّه كان حرًّا ليس من قول
_________________
(١) ١ انظر: شرح معاني الآثار (٣/٨٣)، والمحلى (١٠/١٥٦)، وقد أطال في بحث هذه المسألة فليراجعها من شاء.
[ ٢ / ٤٤ ]
يشاهد الواقعة كما سيأتي١
وأمَّا من ذهب إلى ترجيح رواية أنَّه كان عبدًا، فهم جمهور المحدّثين ومنهم الإمام أحمد، والبخاري، وابن حجر.
فأمّا الإمام أحمد فنقل عنه قوله: إنّما يصحُّ أنّه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصحَّ عن ابن عباس وغيره أنَّه كان عبدًا، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ، وإذا عتقت الأمة تحت الحرِّ فعقدها المتَّفق على صحَّته لا يفسخ بأمر مختلف فيه"٢ اهـ.
وأمَّا البخاري فقد أورده في صحيحه من قول الأسود حيث قال:
قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: "رأيته عبدًا أصحّ"٣ اهـ.
ومعنى قول البخاري: منقطع: أي مدرج من كلام الأسود، وليس من كلام عائشة - ﵂كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره٤.
_________________
(١) ١ وانظر أيضًا: فتح الباري (٩/٤١٠)، (١٢/٣٩-٤٠) . ٢ نيل الأوطار (٦/١٧٣)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٨١) . ٣ انظر: فتح الباري (١٢/٤١) كتاب الفرائض، باب ميراث السائبة، وحديث ابن عباس المشار إليه في كلام البخاري وأحمد سيأتي تخريجه في آخر هذا المبحث إن شاء الله تعالى. ٤ انظر البخاري مع فتح الباري (١٢/٤٠)، وانظر: إرواء الغليل (٦/٢٧٦) .
[ ٢ / ٤٥ ]
١. وذكره مرَّة من قول الحكم٢، ولفظه: "قال الحكم: وكان زوجها حرًّا. ثم قال البخاري: وقول الحكم مرسل٣ اهـ.
أي غير مسند إلى عائشة رضي الله عنها٤.
وأمّا الحافظ ابن حجر: فقد بسط القول في بيان طرق هذا الحديث ثم قال: فدلّت تلك الرِّوايات المتَّصلة التي قدَّمتها آنفًا على أنَّه من قول الأسود، أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو نادر؛ فإنَّ الأكثر أن يكون في آخره، ودونه أن يقع في وسطه، وعلى تقدير: أنَّه كان موصولًا فترجَّح رواية من قال "عبدًا" بالكثرة، وأيضا فآل المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة، وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود، فإنَّهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها، والله أعلم. ويترجّح أيضًا بأنَّ عائشة كانت تذهب إلى أنَّ الأمة إذا أعتقت تحت الحرّ لا خيار لها، وهذا بخلاف ما رواه العراقيون عنها،
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع فتح الباري (١٢/٤٠)، وانظر: إرواء الغليل (٦/٢٧٦) . ٢ هو: راوي هذا الحديث عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة ﵂. (انظر: فتح الباري ١٢/٣٩-٤٠) . وهو الحكم بن عُتَيْبة- بالمثناة ثم الموحدة مصغَّرًا- أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلاّ أنه ربَّما دلس، روى له أصحاب الكتب الستة. انظر: التقريب (١/١٩٢)، وتهذيب التهذيب (٢/٤٣٢-٤٣٤) . ٣ انظر: البخاري مع فتح الباري (١٢/٣٩) الفرائض، باب الولاء لمن أعتق. ٤ انظر: فتح الباري (١٢/٤٠) .
[ ٢ / ٤٦ ]
فكان يلزم على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها، ويدعوا ما روي عنها، لا سيَّما وقد اختلف النقل عنها. اهـ١.
ثم أجاب الحافظ عن قول من قال: إنه "عبدًا" باعتبار ما كان بقوله: "وادّعى بعضهم أنّه يمكن الجمع بين الرِّوايتين بحمل قول من قال "كان عبدًا" على اعتبار ما كان، ثم أعتق؛ فلذلك قال من قال "كان حرًّا" ويردّ هذا الجمع ما تقدَّم من قول عروة: كان عبدًا ولو كان حرًّا لم تخيَّر". وأخرجه الترمذي بلفظ "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا أسود يوم أعتقت"، فهذا يعارض الرِّواية المتقدِّمة عن الأسود، ويعارض الاحتمال المذكور احتمال أن يكون من قال "حرًّا" أراد ما آل إليه أمره وإذا تعارضا إسنادًا واحتمالًا احتيج إلى الترجيح، ورواية الأكثر يرجَّح بها، وكذلك الأحفظ، وكذلك الألزم، وكلُّ ذلك موجود في جانب من قال "كان عبدًا"٢ اهـ.
_________________
(١) ١ فتح الباري (٩/٤١١، وانظر نحو هذا في: نيل الأوطار (٦/١٧٣-١٧٤)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٤/١٨١)، وتحفة الأحوذي (٤/٣١٧-٣٢٠)، وعون المعبود (٦/٣١٥-٣١٧) . ٢ فتح الباري (٩/٤١١)، وانظر: نيل الأوطار (٦/١٧٣-١٧٤)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٣/١٨١)، وتحفة الأحوذي (٤/٣١٧-٣٢٠)، وعون المعبود (٦/٣١٥- ٣١٧) .
[ ٢ / ٤٧ ]
وأمَّا من ذهب إلى ترجيح كونه حرًّا: فهو ابن الهمام الحنفي في فتح القدير حيث قال: "هذا الحديث رواه عن عائشة ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم، فأمَّا الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة أنَّه كان حرًّا، وأمّا عروة فعنه روايتان١ صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى "أنّه كان عبدًا"، وأمّا عبد الرحمن بن القاسم٢ فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما: "أنّه كان حرًّا"، والأخرى: "الشك"٣.
_________________
(١) ١ كذا قال هنا، ومثله ابن القيم في زاد المعاد (٥/١٦٨) . وقد تقدم قول الدارقطني: إنّه لم يختلف على عروة أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا اهـ (انظر ما تقدم ص٤٢) ولم أقف على رواية أخرى عن عروة أنَّ زوج بَرِيرَة كان حرًّا إلاّ الرواية التي ذكرها ابن حزم من طريق ابن أصبغ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن زوج بَرِيرَة كان حرًّا. وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر: إنّها غلط؛ بسبب وهم بعض رواتها؛ لمخالفتها لروايات أصحاب هشام، وكذلك أصحاب جرير الراوي عن هشام، والله أعلم. (انظر ما تقدم ص٤٣) . وقد نقل الشوكاني في نيل الأوطار هذه العبارة عن ابن القيم وقال: وقد عرفت مما سلف ما يخالف هذا. اهـ (٦/١٧٣) . ٢ كان المناسب هنا لكلامه السابق أن يقول: "وأمّا القاسم"، ولعلّه قد سبق ذهنه إلى من وقع منه الشك حقيقة وهو عبد الرحمن وليس أباه. ٣ تقدَّم أن القاسم عنه روايتان: إحداهما: "أنه كان عبدًا" وهذه أصحّ وأشهر؛ لكثرة رواتها، والثانية: "أنّه كان حرًّا"، وهذه رواية شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وهذه هي التي فيها الشك، فمرة جزم بأنَّه حرٌّ، ومرَّة قال: لا أدري. ولا شك في إمامة شعبة، حتى وإن خالفه الأكثر، ولكن علَّة هذه الرواية شك عبد الرحمن بن القاسم، وهذا ما نص عليه شعبة نفسه. انظر ما تقدم (ص٤١) .
[ ٢ / ٤٨ ]
ثم قال: "والذي لا مردّ له من الترجيح أنَّ رواية "كان حرًّا" أنصّ من "كان عبدًا" لما قلنا، وتثبت زيادة، فهي أولى، وأيضًا فهي مثبتة، وتلك نافية للعلم، بأنّه كان حالته الأصلية الرّقّ، والنافي هو المبقيها، والمثبت هو المخرج عنها"١ اهـ.
وتعقّبه صاحب (تحفة الأحوذي) بقوله: "اعلم أنَّ روايات كون زوج بَرِيرَة عبدًا لها ترجيحات عديدة على روايات كونه حرًّا، ذكرت بعضًا منها فيما تقدّم، والباقي مذكورٌ في فتح الباري والنيل، والإمام ابن الهمام قد عكس القضيَّة بوجوه عديدة كلّها مخدوشة، ولولا مخافة طول الكلام لبيّنت ما فيها من الخدشات"٢ اهـ.
وبهذا العرض المستفيض بالنِّسبة للمباحث الفقهية، والموجز بالنِّسبة لعلم الرِّجال والحديث، والذي أردت به بيان اختلاف الرواة عن عائشة ﵂ في صفة زوج بَرِيرَة، أكان حرًّا أم عبدًا يوم أُعتقت، وبيان مواقف العلماء من تلك الروايات، فلا يخفى ما بين كلِّ وجهة وأخرى من تفاوت في تصحيح تلك الروايات وتوجيهها، ومحلُّ الحكم الشافي في ذلك كتب الرِّجال والحديث.
_________________
(١) ١ انظر: فتح القدير لابن الهمام (٣/٤٠٢) . ٢ انظر: تحفة الأحوذي (٤/٣٢٠)، ونيل الأوطار (٦/١٧٣) .
[ ٢ / ٤٩ ]
وفيما تقدَّم من تخريجه والإحالة عليه كفاية بحمد الله.
والمختار من هذه الأقوال: هو قول أئمة الحديث: أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يوم أُعتقت، فهم أهل الشأن والاختصاص، وحسبنا حكمهم في ذلك، وحسبنا أيضًا شهادة من رأى زوج بَرِيرَة يوم أعتقت رأي العين، ووصف لنا حاله وهو يبكي وراءها في سكك المدينة، وهو ابن عباس ﵄ ونصّ حديثه عند البخاري: "كان زوج بَرِيرَة عبدًا أسود يقال له "مُغِيث"١ عبدًا لبني فلان٢، كأنّي أنظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة".
وفي لفظ آخر للبخاريِّ أيضًا: "أنَّ زوج بَرِيرَة كان عبدًا يقال له مُغِيث كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته،
_________________
(١) ١ مُغِيث- بضم أوله وكسر المعجمة ثم تحتانية ساكنة ثم مثلثة-، وقيل: بفتح المهملة وتشديد التحتانية، وآخره موحدة، والأول أثبت، وبه جزم ابن ماكولا، كذا في فتح الباري (٩/٤٠٨) . وانظر: ابن ماكولا (٧/٢٧٦) . ٢ قيل: كان عبدًا لبني المغيرة، وفي رواية لآل المغيرة من بني مخزوم، وقيل: مولى أحمد بن جحش، وفي رواية عبدًا لآل أبي أحمد. وقيل: مولى بني مطيع. قال الحافظ: والأول أثبت لصحة إسناده، ويبعد الجمع؛ لأنَّ بني مغيرة من آل مخزوم كما في رواية هشيم، وبني جحش من أسد بن خزيمة، وبني مطيع من آل عدي بن كعب، ويمكن أن يدَّعى أنه كان مشتركًا بينهم على بعده، أو انتقل. انظر: فتح الباري (٩/٤٠٨) . وانظر ترجمته في الإصابة (٣/٤٥١-٤٥٢)، والاستيعاب (٣/٤٥٣ مع الإصابة) .
[ ٢ / ٥٠ ]
فقال النبي ﷺ: "لو راجعتِه؟ " قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنّما أنا شافع"، قالت: لا حاجة لي به".
ورواه أيضًا: أحمد، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، والد ارمي، وابن الجارود، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي١.
ورواه أيضًا ابن سعد في الطبقات ولفظه كما في (إرواء الغليل): "كان زوج بَرِيرَة يوم خيرت مملوكًا لبني المغيرة يقال له مُغِيث٢". ثم
_________________
(١) ١ تخريجه:
(٢) أحمد: (المسند١/٢١٥، ٢٨١، ٣٦١) .
(٣) البخاري: (٩/٤٠٦-٤٠٨ الفتح) طلاق، باب خيار الأمة تحت العبد، وباب شفاعة النبي ﷺ في زوج بَرِيرَة.
(٤) أبو داود: (٦/٣١٣-٣١٥ عون المعبود) طلاق، باب في المملوكة تعتق تحت حرٍّ أو عبدٍ.
(٥) الترمذي: (٤/٣١٩ تحفة) الرضاع، باب ما جاء في الأمة تعتق ولها زوج.
(٦) ابن ماجه: (١/٦٧١) طلاق، باب خيار الأمة إذا أعتقت.
(٧) الدارمي: (٢/٩١) طلاق، باب تخيير الأمة تكون تحت العبد فتعتق.
(٨) ابن الجارود: (ص ٢٤٧) طلاق.
(٩) الطحاوي (٣/٨٢-٨٣) الطلاق، باب الأمة تعتق وزوجها حرّ، هل لها الخيار أو لا؟.
(١٠) الدارقطني: (٣/٢٩٣- ٢٩٤) .
(١١) البيهقي: (٧/٢٢١وما بعدها) نكاح، باب الأمة تعتق وزوجها عبد. ٢ انظر: الطبقات لابن سعد (٨/٢٦٠) .
[ ٢ / ٥١ ]
قال الألباني: وإسناده صحيح. وفيه حجّة قاطعة على إبطال ما ذهب إليه الطحاوي وتبعه ابن١ التركماني من تصحيح رواية كونه "حرًّا"، والجمع بينهما وبين الرِّوايات القائلة بأنّه كان عبدًا: بأنّه كان حرًّا آخر الأمر في وقت ما خُيِّرت به بَرِيرَة، عبدًا قبل ذلك؛ فإنَّ رواية ابن سعد هذه صريحة في أنّه كان عبدًا في الوقت المذكور، فبطل الجمع المزعوم، وثبت شذوذ رواية الأسود المتقدّمة"٢ اهـ.
السَّبب الثَّاني:
وأمّا السَّبب الثَّاني لاختلاف الفقهاء في ثبوت الخيار للأمة فهو تنقيح مناط إثبات الخيار لها، بقطع النَّظر عن زوج بَرِيرَة، أكان عبدًا أم حرًّا؟ وللعلماء فيه ثلاثة مذاهب:
أوّلها: أنّه زوال الكفاءة بين العبد والحرّ؛ فإنَّ الأمة بعد أن عتقت قد كملت بالحرّيّة فهي تستنكف أن تبقى تحت عبد، بخلاف ما إذا عتقت
_________________
(١) ١ انظر: الجوهر النقي لابن التركماني مع البيهقي (٧/٢٢٤) . ٢ إرواء الغليل للألباني (٦/٢٧٧) . ورواية ابن سعد هذه لا تختلف عن لفظ الترمذي، إلاّ أن في رواية ابن سعد هذه "كان مملوكًا" بدل "كان عبدًا"، ونصّ رواية الترمذي إن زوج بَرِيرَة كان عبدًا أسود لبني المغيرة يوم أعتقت بَرِيرَة، والله لكأنّي به في طرق المدينة ونواحيها، وإنّ دموعه لتسيل على لحيته. يترضاها لتختاره فلم تفعل" هذا حديث حسن صحيح. اهـ (٤/٣١٩ تحفة) . وقد تقدم في كلام الحافظ معزوًا إلى الترمذي (انظر ص٤٧) .
[ ٢ / ٥٢ ]
تحت حرّ فقد تساوت معه في الحرّيّة، فهي كالكتابية تسلم تحت زوجها المسلم. وهذا مذهب الجمهور١.
ونوقش هذا القول: بأنَّ الكفاءة إنّما تعتبر في الابتداء لا في الدَّوام٢.
ثانيها: أنّها ملكت نفسها بالعتق، فلا فرق في ثبوت الخيار بين أن يكون زوجها حرًّا أو عبدًا، وهذا أقوى حجّة لمن أثبت الخيار للأمة إذا أعتقت تحت حرٍّ.
فقالوا: إنَّ النَّبي ﷺ لم يقل لبَرِيرَة: خيَّرتك لأنَّ زوجك عبد، وإنّما خيّرها فوافق أنّ زوجها كان عبدًا٣.
بدليل ما روى في بعض ألفاظ حديث بَرِيرَة هذا نحو: "قد ملكت نفسك فاختاري" ٤.
وفي لفظ: "قد ملكت بُضْعك فاختاري"، وفي لفظ: "قد عتق معك بُضْعك" وفي لفظ: "اذهبي فقد عتق معك بُضْعك"٥.
وقال ابن القيِّم ﵀: "إنَّ هذا التعليل هو أرجح المآخذ الثَّلاث
_________________
(١) ١ انظر: المغني لابن قدامة (٧/٥٩٢)، وزاد المعاد لابن القيم (٦/١٦٩) . ٢ انظر: زاد المعاد لابن القيم (٦/١٦٩)، وفتح القدير لابن الهمام (٣/٤٠٢) . ٣ انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي (٣/٨٣) . ٤ انظر: زاد المعاد لابن القيم (٥/١٧٠)، ونيل الأوطار (٦/١٧٢) . ٥ انظر هذه الألفاظ الثلاثة في فتح القدير لابن الهمام (٣/٤٠٣) .
[ ٢ / ٥٣ ]
وأقربها إلى أصول الشرع وأبعدها عن التناقض١".
وقد ذكر قبل هذا: أنَّ مبنى الرِّوايتين عن الإمام أحمد إنّما هو في تحقيق مناط ثبوت الخيار، لا في الاختلاف في زوج بَرِيرَة أكان عبدًا أم حرًّا"٢.
ثالثها: زيادة ملك الزوج عليها؛ فقد ملك عليها طلقة ثالثة لم يملكها بالعقد، وهذا تعليل لبعض الحنفيّة٣.
ونوقش هذا التعليل: بأنّه ضعيف جدًا؛ فإنَّ للزوج ألاَّ يفارقها البتَّة ويمسكها حتى يفرق الموت بينهما، إذ إنّه عقد للعمر، فلا أثر لملكه عليها طلقة واحدة، مع أنَّ هذا مبنيٌّ على أنَّ الطلاق معتبر بالنِّساء، والصحيح أنّه معتبر بمن يملك الطلاق وهو الزوج٤.
الرَّاجح:
والذي يظهر لي- والله أعلم- أنَّ ثبوت الخيار للمعتَقة تحت حرٍّ لا يخلو من نظر لما يلي:
_________________
(١) ١ انظر: زاد المعاد (٥/١٧٠) . ٢ نفس المصدر (٥/١٦٩)، وانظر: الاختيارات لابن تيمية (ص٢٢٣)، وفتح القدير لابن الهمام (٣/٤٠٣) . ٣ زاد المعاد (٥/١٦٩)، وفتح القدير (٣/٤٠٣) . ٤ نفس المصدرين السابقين.
[ ٢ / ٥٤ ]
أوّلًا: أنَّ الحجّة في تخيير المعتقة هو حديث بَرِيرَة، وهو إنّما تقوم به الحجّة بعد ثبوت أنَّ زوجها كان حرًّا يوم أُعتقت، وقد عرفنا أنَّ الصحيح خلافه، وعلى هذا فقياس من عتقت تحت حرٍّ على من عتقت تحت عبد قياس مع الفارق بين الحرِّيَّة والرّقّ؛ فإنّه لا يخفى ما تشعر به الحرّة من النقص، والمذلّة تحت زوجها المملوك، بخلاف ما إذا كان زوجها حرًّا؛ فإنها تكون قد تساوت معه في الحرّيّة.
ثانيًا: أنّه ليس في حديث بَرِيرَة عموم، أو علّة منصوصة، فيعمل بعموم نصِّه أو علّته، والنبي ﷺ لم يقل: إذا أعتقت الأمة فلها الخيار؛ ليشمل أزواج المعتَقات سواء أكانوا أحرارًا أم عبيدًا بقطع النظر عن واقعة الحال، بل كلُّ ما فيه أنّه ﷺ خيّر بَرِيرَة، وكان زوجها عبدًا على الصحيح، وقال لها: "إن شئت أن تستقرِّى تحت هذا العبد، وإن شئت فارقْتِيه"١ رواه الدارقطني. وفي لفظ: "إن شئت أن تمكثي تحت هذا العبد " رواه أحمد والدارقطني- وهذا لفظه- والبيهقي٢.
ودلالة هذا اللفظ على التعليل بعبودية زوجها أظهر من دلالة لفظ "ملكت نفسك فاختاري" أو: "ملكتِ بُضْعك فاختاري" على إثبات الخيار لها مطلقًا، ولو كان زوجها حرًّا لملّكها بُضْعها على فرض صحّة
_________________
(١) ١ الدارقطني: (٣/٢٨٨) . ٢ أحمد: (المسند٦/١٨٠)، والدارقطني: (٣/٢٨٩)، والبيهقي: (٧/٢٢٠) .
[ ٢ / ٥٥ ]
رواية "ملكت بُضْعك فاختاري". مع أننا لا نشكُّ أنّ بَرِيرَة قد ملكت نفسها وبُضْعها حين عتقت تحت زوجها العبد، أمّا غيره فغير لازم.
ثالثًا: أنَّ الأصل عدم الخيار، والرَّافع لهذا الأصل مختلف فيه، والتمسك بالأصل هنا هو الأحوط للنِّكاح المتَّفق على صحَّته، كما قال الإمام أحمد ﵀: "العقد صحيح؛ فلا يفسخ بالمختلف فيه، والحرّ فيه اختلاف، والعبد لا اختلاف فيه"١ اهـ والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: المغني (٧/٥٩٢)، وقد تقدم (ص٤٥)
[ ٢ / ٥٦ ]