لقد تقدَّم أنَّ الولاية في النّكاح علي الأرقاء ثابتة عليهم لمالكيهم إجماعًا.
ولكن هل للمالكين إجبار أرقّائهم على النِّكاح بدون رضاهم؟
إليك تفصيل ذلك:
أمّا الأمة: ففي إجبارها قولان:
الأوّل: صحَّة إجبارها على النكاح مطلقًا. وهذا مذهب جمهور العلماء من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرها١.
الثَّاني: عدم إجبارها. وهو مذهب ابن حزم الظاهري٢، ورواية
_________________
(١) ١ انظر للحنفية: المبسوط (٥/١٣٣)، الهداية وفتح القدير والعناية (٣/٣٩٧)، بدائع الصنائع (٣/١٣٤٤-١٣٤٥)، الكنز وتبيين الحقائق (٢/١٦٤)، والبحر الرائق (٣/٢١٢) . وللمالكية: الخرشي (٣/١٧٤)، الشرح الكبير (٢/٢١٢)، الحطّاب والموّاق (٣/٤٢٤)، الزرقاني مع حاشية البناني (٣/١٧٠)، منح الجليل (٢/١٢)، بلغة السالك (١/٣٥٤)، تفسير القرطبي (١٢/٢٤٠) . وللشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٧٢)، وتحفة المحتاج (٧/١٩٤)، ونهاية المحتاج (٦/٢٦٩)، وروضة الطالبين (٧/١٠٣) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٣٩٩والشرح ٣٩١)، والإنصاف (٨/٥٩- ٦٠) . ٢ انظر: المحلى (٩/٤٦٩) .
[ ٢ / ٢٩ ]
عن الإمام أحمد في الأمة العاقلة الكبيرة١.
وأمّا إن كان المملوك عبدًا، فإمّا أن يكون كبيرًا، أو صغيرًا، عاقلًا أو مجنونًا.
فأمّا إن كان صغيرًا أو مجنونًا ففي إجباره قولان للعلماء أيضًا:
الأوّل: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الجمهور٢.
الثَّاني: عدم إجباره. وهو مذهب ابن حزم الظاهري، وقول لبعض الحنابلة في الصغير العاقل المميّز٣.
وأمّا إن كان العبد كبيرًا عاقلًا ففي إجباره قولان مشهوران للفقهاء أيضًا:
أوّلهما: إجباره مطلقًا. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ووجه للشافعية وقول للحنابلة٤.
ثانيهما: عدم إجباره مطلقًا. وهو أصحّ الوجهين عند الشافعية، ومذهب الحنابلة وابن حزم الظاهري، ورواية عن أبي حنيفة وأبي سف٥.
_________________
(١) ١ انظر: المراجع السابقة للحنابلة، والمبدع (٧/٢٤) . ٢ انظر للحنفية والمالكية نفس المصادر السابقة، وكذلك للشافعية نفس المصادر والصفحات إلاّ روضة الطالبين ففي (٧/١٠٢) . ٣ المحلى (٩/٤٦٩)، وللحنابلة: الشرح الكبير (٧/٣٩٣) . ٤ انظر: المراجع السابقة في إجبار الأمة. ٥ انظر للشافعية: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٧٢)، وتحفة المحتاج (٧/٣٩٣-٣٩٤)، ونهاية المحتاج (٦/٢٦٨-٢٦٩)، وروضة الطالبين (٧/١٠٢) . وللحنابلة: المغني والشرح الكبير (٧/٤٠٠ والشرح ٣٩٣) الإنصاف (٨/٦٠)، وشرح منتهى الإرادات (٣/١٣)، والمبدع (٧/٢٥)، وكشاف القناع (٥/٤٥)، والإفصاح لابن هبيرة (١/١١٧) . ولابن حزم: المحلى (٩/٤٦٩) . ولأبي حنيفة وأبي يوسف: الهداية وفتح القدير (٣/٣٩٧)، وتبيين الحقائق (٢/١٦٤) . ولأبي حنيفة خاصة: البحر الرائق (٣/٢١٢) .
[ ٢ / ٣٠ ]
فتلخَّص مما سبق أنَّ مذاهب الفقهاء في إجبار الأرقّاء ثلاثة مذاهب:
الأوّل: إجبار العبد والأمة على السَّواء.
الثَّاني: عدم إجبارهما على السَّواء.
الثَّالث: التفصيل: إمّا باعتبار الذكورة والأنوثة في المملوك، أو باعتبار صغره وكبره، أو عقله وجنونه، وإليك وجهة نظر تلك الأقوال:
أ- أدلّة من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء:
استدلّ من قال بإجبار العبيد والإماء على السَّواء بما يلي:
أوّلًا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ١.
فهذا أمر للأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم، ولو لم يكن لهم ذلك لما أُمِروا به، مع وروده مطلقًا عن شرط الرِّضى٢، مع أنَّ قرينة ذكر العبيد
_________________
(١) ١ سورة النور- آية رقم: ٣٢. ٢ انظر: المنتقى شرح الموطأ للباجي (٣/٣٣٨)، وبدائع الصنائع للكاساني (٣/١٣٤٤) .
[ ٢ / ٣١ ]
مع الإماء دليل على أنَّهما في الحكم سواء، فكلُّ من قال بإجبار الأمة لزمه القول بإجبار العبد أيضًا١.
ولكن لا يخفى أنَّ هذا الاستدلال غير ناهض على ما ذكر؛ فإنَّ أمر الأسياد بتزويج عبيدهم وإمائهم مع وروده خال من شرط الرِّضى لا يلزم منه نفي الرِّضى وإثبات حقٍّ للأسياد في الإجبار، بل إنَّما تدلّ الآية على أنَّ للأسياد تزويج مماليكهم، ولا تلازم بين ثبوت أصل الولاية، وثبوت الإجبار، وإلاّ للزم أن يستدلَّ بالآية على إجبار الأيامى الحرائر مطلقًا ثيباتٍ أو أبكارًا، وسواء أكان أولياؤهنَّ آباءً أم غيرهم؛ لأنَّ الخطاب واحد فيهما، إلاّ أن يقال: إنَّ السنّة وردت بالنهي عن إنكاح الحرائر بدون إذنهنَّ بخلاف الأرقاء، ومع هذا فإنَّ ملك عقدة النكاح غير ملك الإجبار عليه. والله أعلم.
ثانيًا: واستدلُّوا أيضًا على إجبار العبيد والإماء مطلقًا بأنَّهما ملك للسيِّد، وللمالك أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجهما تحصيل لمصلحتهما في النِّكاح، وإصلاح لملكه بإعفافهما عن الزِّنى الذي يتسبَّب في إقامة الحدّ عليهما ونقص قيمتهما٢.
_________________
(١) ١ انظر: المنتقى- نفس الجزء والصفحة. ٢ انظر: بدائع الصنائع (٣/١٣٤٤-١٣٤٥)، وتبيين الحقائق (٢/١٦٤)، وأحكام القرآن لابن العربي (٣/١٣٧٨) .
[ ٢ / ٣٢ ]
ثالثًا: أنَّ للمالك بيعهما وإجارتهما بدون إذنهما، فجاز له تزويجهما كذلك بدون إذنهما١.
ب- وأمَّا من قال بعدم إجبارهما مطلقًا: وهو ابن حزم الظاهري، فاستدلَّ بما يلي:
أوّلًا: قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْهَا﴾ ٢.
ثانيًا: قوله ﷺ: "لا تُنْكَح الأيّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تُستأذن" ٣ بدون تفريق بين حرَّة وأمة٤.
ولكن لا يخفى أنّ عموم الآية بعيد كلَّ البعد عن شموله لمسألتنا هذه، فهي في كسب المعاصي والذنوب، فكلُّ نفس تؤاخذ بذنبها، ولا تؤاخذ بما يقترفه غيرها. والله أعلم.
وأمّا الحديث فلو صحّ الاستدلال به لكان خاصَّا بالإماء دون العبيد، مع ما في شموله للإماء من بعد أيضًا، فإنَّ الظاهر أنّه خاصٌّ بالحرائر دون الإماء.
وأمَّا ما روى عن الإمام أحمد من عدم إجبار الأمة الكبيرة العاقلة، فقد قيل في توجيه هذه الرواية: إنّه بناء على أنَّ البُضْع ليس بمال فيدخل
_________________
(١) ١ انظر: المبسوط (٥/١١٣)، وبدائع الصنائع (٣/١٣٤٤) . ٢ آخر سورة الأنعام. ٣ تقدم تخريجه (١/٢٧٧) . ٤ انظر: المحلى (٩/٤٦٩- ٤٧٠) .
[ ٢ / ٣٣ ]
تحت ملك السيِّد١. ولكنَّ في هذا الاستدلال نظر سيأتي بحثه قريبًا إن شاء الله تعالى.
ج- وأمَّا من قال بإجبار الأمة دون العبد:
فذلك لأنَّ العبد يملك الطلاق، فلا فائدة في إجباره على النكاح حينئذ؛ إذ لا يؤمن أن يطلق من ساعته، ولأنَّ النكاح خالص حقّه، ونفعه راجع إليه مع إلزام ذمّته مالًا. وهذا بخلاف الأمة، فإنَّها لا تملك الطلاق، ويملك سيِّدها الاستمتاع بها، ويملِّكها غيره بالهبة، والبيع، ونحوه، كما أنَّ السيِّد ينتفع بتزويجها بما يحصل له من مهرها، وولدها، وسقوط نفقتها عنه، وهذا بخلاف العبد في جميع ما مرّ٢.
ونوقش هذا: بأنَّ ملك العبد طلاق زوجته مختلف فيه، فقد قيل: إنَّه بيد السيِّد٣.
مع أنَّ الظاهر أنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق٤.
وأمَّا أنَّ النكاح خالص حقِّ العبد ونفعه راجع إليه فغير مسلَّم أيضًا؛ فإنَّ للسيِّد أن يتصرَّف في ملكه بما يصلحه، وفي تزويجه عبده إعفاف وصيانة له عن أسباب الهلاك أو نقصان قيمته٥.
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف (٨/٥٩)، والمبدع (٧/٢٤) . ٢ المغني لابن قدامة (٧/٤٠١)، ومغني المحتاج للشربيني (٣/١٧٢) . ٣ انظر: المحلى لابن حزم (٩/٤٧٠) . ٤ انظر: المبسوط (٥/١١٤)، وفتح القدير (٣/٣٩٧) . ٥ انظر: فتح القدير (٣/٣٩٧) .
[ ٢ / ٣٤ ]
أمَّا ما قيل من ملك السيِّد بُضْع أمته بخلاف العبد، ففيه: أنَّه لا تأثير لملك البُضْع أصلًا في تزويج الأرقاء، وإنَّما العبرة بملك الرَّقبة، فالسيِّد يزوّج أمته بملكه رقبتها لا بملكه بُضْعها، وكذلك العبد؛ بدليل أنَّ الرجل يملك بُضْع امرأته، ولا يملِّكه غيره، ولا يملك بُضْع ابنته، ويملِّكه غيره بالزَّواج، فليس لملك البُضْع تأثير في التزويج لا طردًا ولا عكسًا١. والله أعلم.
وأمَّا من قال: بإجبار العبد المجنون، والصغير، دون العاقل الكبير، فقياسًا على الحرّ الصغير، أو المجنون، بل هو أولى؛ لتمام ولايته عليه، وملكه له٢.
وأمَّا من استثنى الصغير العاقل المراهق فقال لا يجبر؛ فذلك لأنّه يملك- عندهم- الطلاق كالعبد العاقل الكبير، والحرّ، والمراهق٣. والله أعلم.
الرّاجح:
والذي يظهر لي مما تقدَّم- والله أعلم-: أنّ للمالك في ملكه تصرُّفًا بالمصلحة غير موقوف على إذن غيره، وأنَّ ولاية المالك على مماليكه في النكاح وغيره تخالف ولاية الوليِّ على الحرائر، إلاّ أنَّنا رأينا أنَّ العبد ينكح
_________________
(١) ١ انظر: أحكام القرآن لابن العربي (٣/١٣٧٨) وتبيين الحقائق للزيلعي (٢/١٦٤) . ٢ انظر: المغني لابن قدامة ٧/٤٠٠-٤٠١) . ٣ انظر: الشرح الكبير مع المغني (٧/٣٩٣) .
[ ٢ / ٣٥ ]
فيطلق، ومن قال: إنَّ الذي يطلق سيِّده لا يعوّل عليه، والقول بأنَّ حشمة سيِّده تمنعه من إيقاع الطلاق غير ظاهر مع الإكراه، بل الظاهر خلافه. وعلى هذا فالقول بإجبار العبد الذي يملك الطلاق قول عديم الجدوى.
وأمَّا الأمة: فقد رأينا أنَّ لسيِّدها أن يستمتع بها بدون إذنها، وأنَّ لمالكها أن يبيعها، أو يهبها بدون إذنها، فيستحلّ منها مالكها الجديد ما كان يستحلّه منها مالكها الأوّل من الاستمتاع الذي هو أهم مقاصد تزويجها، وعلى هذا فالقول بعدم إجبارها قول فيه ضعف، مع أنَّ الاستمتاع بها عن طريق النكاح أكرم لها منه بطريق البيع ونحوه، وعلى هذا فالقول بإجبار الأمة دون العبد هو الأولى بالرُّجحان إن شاء الله تعالى، لكن من الإحسان الذي كتبه الله على كلِّ شيء أن يحسن إلى إمائه في نكاحهنَّ وجميع أمورهنّ، وألاّ يضعهنّ موضعًا يُسْأل عنه، فإنَّه راع، وكلُّ راع مسؤول عن رعيَّته. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٦ ]