أوّلًا: المراد بالرُّشْد في هذا المبحث.
الرُّشْد في اللغة: - بضم الراء المشدّدة وإسكان الشين المعجمة وفتحهما- خلاف الغيّ، وأصل هذه الكلمة يدلُّ على معنى الاستقامة، سواء أكانت حسيَّة أم معنويَّة١.
وأمّا المراد بالرُّشْد عند الفقهاء فهو: ضدُّ السَّفَه، وقد تقدَّم في إنكاح السَّفِيه نفسه اختلافهم في المراد بالرُّشْد في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٢ على ثلاثة أوجه: أهو الرُّشْد في المال وحده؟ وهو معرفة وجوه كسبه واستثماره وعدم تبذيره، أم الرُّشْد في الدِّين وحده؟ وهو الصلاح وعدم الفسق، أم الرُّشْد في الدِّين والمال جميعًا؟.
إلاّ أن الرُّشْد هنا بمعنى الصلاح في الدِّين غير مراد للفقهاء في هذا الشرط؛ إذ محلّه ولاية الفاسق وقد تقدَّم.
_________________
(١) ١ انظر مادة (رشد) في: مقاييس اللغة لابن فارس (٢/٣٩٨)، والصحاح (٢/٤٧٤)، والقاموس (١/٣٠٥)، وشرحه تاج العروس (٢/٣٥٢)، ولسان العرب (٣/ ١٧٤)، والنهاية في غريب الحديث (٢/٢٢٥) . ٢ سورة النساء- آية رقم: ٦.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
فلم يبق إلاّ الرُّشْد في المال وحده، فهل بين الرُّشْد في المال والرُّشْد في النكاح تلازم؟ أو أنَّ رُشْد كلّ مقام بحسبه؟ هذا ما نحاول بحثه من خلال استعراض مذاهب الفقهاء التالية:
أوّلًا: مذهب الحنفيَّة:
لم أر من صرح منهم بعدّ الرُّشْد شرطًا من شروط الولي في النِّكاح، وهذا هو قياس مذهب أبي حنيفة ﵀ في الولاية على ماله؛ إذ لا حَجْر – عنده - على السفيه الحرّ المكلّف في ماله، ولا في إنكاحه نفسه، فكذلك ينبغي أن يكون لا حجر عليه في ولايته النكاح؛ إذ باب الولايتين عنده واحد، وهذا هو المشهور عنه في كتب الخلاف، أعني أنَّ الرُّشْد ليس شرطًا في وليِّ النكاح١.
ثانيًا: مذهب المالكيَّة:
وأمَّا مذهب المالكيَّة فقد اختلف أصحاب مالك في اشتراط الرُّشْد في وليِّ النكاح: فمنهم من عدّه شرطًا، ومنهم من لم يره - وهم الأكثر والمذهب المشتهر - ومنهم من قال: إنه شرط كمال لا صحَّة، وهذا يحتمل أن يكون جمعًا بين القولين، أو تقييدًا لقول من أطلق اشتراط الرُّشْد في وليِّ النِّكاح.
_________________
(١) ١ انظر مثلًا: بداية المجتهد لابن رشد (٢/٩)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٢٢٤) .
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وظاهر مذهبهم أنَّ الرَّشيد ضدُّ السَّفِيه المحجور عليه في ماله، وعلى هذا فلا فرق عندهم بين رُشْد المال ورُشْد النكاح١.
ثالثًا: مذهب الشَّافعيَّة.
أنّ الرُّشْد شرط في ولي النِّكاح، والرَّشيد هنا ضدُّ السفيه المحجور عليه في ماله؛ فلا ولاية له في النكاح على الصحيح المعتمد في المذهب، وهناك قول آخر مرجوح: أنَّه يلي؛ لأنَّه كامل النظر في النِّكاح، وإنَّما حجر عليه لحفظ ماله٢.
رابعًا: مذهب الحنابلة.
قد نصّ بعضهم على أنَّ الرُّشْد شرط من شروط الوليِّ في النِّكاح، إلاّ أنَّهم صرّحوا بالفرق بين الرُّشْد في المال والرُّشْد في النكاح، وأنَّ رُشْد المال غير معتبر في النكاح، فقالوا: إنَّ الرُّشْد هنا: هو معرفة الكفء، ومصالح النكاح، وليس هو حفظ المال؛ لأنَّ رُشْد كلِّ مقام بحسبه٣.
_________________
(١) ١ انظر: بداية المجتهد (٢/٩)، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي (ص ٢٢٤)، والمنتقى للباجي (٣/ ٢٧١) . وانظر من شروح المختصر: الخرشي (٣/١٨٩)، والشرح الكبير والدسوقي (٢/ ٢٣١)، والحطاب والمواق (٣/٤٣٨)، والزرقاني (٣/١٨٣)، ومنح الجليل (٢/٢٥-٢٦)، وانظر أيضًا الفواكه الدواني (٢/٢٢) . ٢ انظر: المنهاج ومغني المحتاج (٣/١٥٤)، وتحفة المحتاج (٧/ ٢٥٤)، ونهاية المحتاج (٦/٢٣٧)، وروضة الطالبين (٧/٦٣) . ٣ انظر للحنابلة: كشاف القناع (٥/٥٣-٥٤)، وشرح منتهى الإرادات (٣/١٩)، والإنصاف (٨/٧٤، ٨٥)، والمبدع (٧/٣٥- ٣٦) .
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وممَّا سبق يتَّضح أنَّ للفقهاء في معنى الرُّشْد في وليِّ النِّكاح وجهتين:
الوجهة الأولى: أنَّ الرُّشْد في النِّكاح فرع الرُّشْد في الأموال.
وعلى هذا يدلُّ صنيع أكثر الفقهاء.
ولعلَّ وجهتهم: أنَّ من لم يكن رشيدًا في ماله، فأولى ألاّ يكون رشيدًا في معرفة مصالح النكاح، خاصّة أنَّ النكاح أعلى شأنًا من المال، وعلى هذا فتصحّ ولاية النكاح من السفيه قبل الحجر عليه في ماله، كما يصحّ تصرّفه في ماله قبل ذلك اتفاقًا.
وأمّا بعد الحجر عليه في ماله فلا تصحّ ولايته في النكاح، على الصحيح المعتبر، إلاّ أن يأذن له وليّه ففيه بحث آخر.
والوجهة الثَّانية: أنّ الرُّشْد في النكاح غير الرُّشْد في المال، وكلٌّ منهما معتبر في محلّه.
واشتراط الرُّشْد في النّشكاح بهذا المعنى لم أجده صريحًا كغيره من الشروط المشهورة لغير الحنابلة، كما تقدَّم.
ومع هذا فإن عبارات عامّة الفقهاء لم تَخْلُ من هذا المعنى كقولهم: "إن شرط الوليّ النظر". ولكنّ الظاهر أن هذا معتبر عندهم بالعقل والبلوغ؛ لأنَّ شأن العاقل البالغ حسن النظر، ويدلُّ على هذا عدم تصريحهم باشتراط الرُّشْد بجانب العقل، والبلوغ، وغيرهما، من الشروط التي سبق بيانها، ولا يخفى أنَّ المقصود بالرُّشْد هنا معنى زائد على ما يحصل بمجرَّد العقل، والبلوغ، وبقيَّة الشروط الأخرى؛ إذ المراد به صفة كمال للعاقل البالغ دالّة على حسن تصرّفه، كما هو الشأن في الأموال؛ فيلزم من
[ ٢ / ٢٥٧ ]
اعتبر هذه الصِّفة من الكمال شرطًا للأهليَّة في الأموال أن يعتبرها شرطًا للأهليَّة في النِّكاح، سواء أكان هناك تلازم بين رُشْد المال والنِّكاح- كما هو صنيع أكثر الفقهاء- أم لا.
كما قرّره ابن رُشْد بقوله: "وسبب الخلاف تشبيه هذه الولاية بولاية المال، فمن رأى أنَّه قد يوجد الرُّشْد في هذه الولاية مع عدمه في المال قال: ليس من شرطه أن يكون رشيدًا في المال، ومن رأى أنَّ ذلك ممتنع الوجود قال: لا بدّ من الرُّشْد في المال، وهما قسمان كما ترى، أعني أنَّ الرُّشْد في المال غير الرُّشْد في اختيار الكفاءة لها"١ اهـ.
وما اختاره ابن رُشْد هنا من عدم التلازم بين رُشْد المال ورُشْد النِّكاح هو الأظهر، ولكنَّ لا يلزم من الرُّشْد في المال أن يكون رشيدًا في النِّكاح، كما قد يفهم من كلامه.
وعليه فينبغي أن يمنع الوليُّ من النِّكاح إذا عرف بسوء اختياره درءًا
للمفسدة، وجلبًا للمصلحة، وأمَّا قبل ذلك فلا تزول ولايته بمجرَّد سفهه، ما لم يظهر موجبًا للفسخ يردّ به عقد الرَّشيد ومن هو دونه، وذلك قياسًا على اعتبار الرُّشْد في المال، لا أنَّ الحَجْر عليه في ماله يسقط ولايته في النِّكاح.
ويشهد لذلك قول ابن عباس ﵄ "لا نكاح إلاّ بولي مرشد"٢.
_________________
(١) ١ بداية المجتهد (٢/٩) . ٢ انظر ما تقدم (ص٢٤٤-٢٤٥) .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقد تقدَّم أنَّ له طرقًا مرفوعة ولكنَّها لم تصحَّ، وقد قال الإمام أحمد ﵀: إنَّ قول ابن عباس هذا هو أصحُّ شيء في هذا الباب١.
وقد جرى الاستشهاد بقول أحمد هذا فى الاستدلال لاشتراط العدالة في وليِّ النكاح، فلا أدري أقصد الإمام أحمد أنَّ هذا هو أصحّ شيء من حيث الرِّواية؟ أعني رفعه أو وقفه، أم أنَّه أصحّ شيء في الاستدلال لمنع ولاية الفاسق؟ كما هو ظاهر الاستشهاد به لاشتراط العدالة.
وربَّما كان المقصود بالرُّشْد فيما روي عن ابن عباس ﵄ العاقل المكلّف، لأنّه مظنّة الرُّشْد على نحو ما قيل فى معنى الرُّشْد "في الآية الكريمة"٢. والله أعلم.
ولكن يبقى أنَّ ضعف التصرّف نتيجة لضعف العقل، وضعف العقل مؤثِّر، والضرر مرفوع، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن ينظر إلى هذا الشرط نظر مصلحة، ودفع مفسدة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: المغني والشرح الكبير (٧/٣٥٧ والشرح ٤٢٦)، ومغنى المحتاج (٣/١٥٥) . ٢ أعني قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ سورة النساء آية (٦) . وانظر ما تقدم (ص٢٥٤) .
[ ٢ / ٢٥٩ ]