قال في التتارخانية (٢): اعلم أن اختلاف أئمة الهدى توسعة على الناس، فإذا كان الإمام في جانب وهما في جانب خُيِّر المفتي (٣).
وإن كان أحدهما مع الإمام أخذ بقولهما، إلا إذا اصطلح المشايخ على قول الآخر، فيتبعهم (٤) كما [اختار] (٥) الفقيه
_________________
(١) في تنبيه الرقود [القاضي الإمام] والمراد به أبو يوسف.
(٢) التتارخانية: هو كتاب الفتاوى التتارخانية، وهو من كتب الفتاوى المعتمدة عند الحنفية واسم الكتاب زاد المسافر في الفروع لعالم بن علاء الحنفي، المتوفى سنة ٨٠٠ هـ، وقد جمع فيه مسائل المحيط البرهاني، والذخيرة والخانية والظهيرية، انظر كشف الظنون ١/ ٢٥٣، ٢/ ٤، هدية العارفين ١/ ٣٥٧، معجم المؤلفين ٢/ ٢٦، المذهب عند الحنفية ص ٩٩.
(٣) ومعنى قوله [خيّر المفتي] أن المفتي ينظر في الدليل فيفتي بما يظهر له ولا يتعين عليه الأخذ بقول الإمام كذا قال ابن عابدين في رسم المفتي ١/ ٢٦، وانظر فتاوى قاضي خان ١/ ٣، الفتاوى البزازية ٥/ ١٣٤، الدرّ المختار ١/ ٧١، ٥/ ٣٦٠، حاشية ابن عابدين ١/ ٧١، ٥/ ٣٦٠.
(٤) انظر المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(٥) في النسخة (قال) وهو خطأ وما أثبته من رسم المفتي.
[ ٨٩ ]
أبو الليث (١) قول زفر (٢) في مسائل (٣).
وإن اختلف المتأخرون أخذ بقول واحد، فلو لم يوجد من المتأخرين يجتهد برأيه، إذا كان يعرف وجوه الفقه ويشاور أهله (٤).
ولا يجوز له الإفتاء بالقول المهجور لجرّ منفعة ولا خرّجوا عليه دينًا انتهى.
وفي الحاوي القدسي (٥): إن الإمام إذا كان في جانب وهما في جانب، فالأصح أن الاعتبار لقوة المدرك (٦) انتهى.
_________________
(١) أبو الليث: هو نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي الفقيه أبو الليث المعروف بإمام الهدى، له تفسير القرآن والنوازل والفتاوى، وخزانة الفقه وبستان العارفين، توفي سنة ٣٩٣ هـ وقيل غير ذلك، انظر سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣، الجواهر المضية ٣/ ٥٤٤.
(٢) هو زفر بن الهذيل بن قيس المصري صاحب أبي حنيفة وكان أقيس أصحابه، وقد جمع بين العلم والعبادة وكان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، توفي سنة ١٥٨ هـ، انظر سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٥، الانتقاء ص ٣٣٥، الجواهر المضية ٢/ ٢٠٧، الفوائد البهية ص ١٣٢.
(٣) ورد كلام صاحب التتارخانية في رسم المفتي ١/ ٢٧، وانظر الفتاوى الهندية ٣/ ٣١٢.
(٤) ورد كلام صاحب التتارخانية: [وإن اختلف أهله] في رسم المفتي ١/ ٣٣.
(٥) الحاوي القدسي في الفروع لجمال الدين أحمد بن محمد بن نوح الغزنوي الحنفي، المتوفى في حدود سنة ٦٠٠ هـ، وإنما قيل فيه القدسي لأنه صنفه في القدس، وقد جعله على ثلاثة أقسام قسم في أصول الدين، وقسم في أصول في الفقه، وقسم في الفروع، وأكثر فيه من ذكر الفروع المهمة، انظر كشف الظنون ١/ ٤٩٠، معجم المؤلفين ١/ ٣٠١.
(٦) قول صاحب الحاوي القدسي: [والأصح أن الاعتبار لقوة المدرك] هذا في حق المجتهد لأن اعتبار قوة الدليل شأن المفتي المجتهد فصار فيما إذا خالف الصاحبان الإمام ثلاثة أقوال: الأول اتباع قول الإمام بلا تخيير، الثاني التخيير مطلقًا، الثالث وهو الأصح التفصيل بين المجتهد وغيره وبه جزم قاضي خان، انظر الفتاوى الهندية ٣/ ٣١٠، رسم المفتي ١/ ٢٦ - ٢٧، = = الدرّ المختار ١/ ٧٠ - ٧١، حاشية ابن عابدين ١/ ٧٠ - ٧١، ٥/ ٣٦٠ - ٣٦١، المذهب عند الحنفية ص٨٧.
[ ٩٠ ]
ولا شك أن قول أبي يوسف قوي المدرك في واقعة الفتوى كما لا يخفى.
وفي التتارخانية أيضًا: ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد بن الحسن، ثم بقول زفر بن هذيل، والحسن ابن زياد (١).
وقيل إذا كان أبو حنيفة في جانب وصاحباه في جانب فالمفتي بالخيار (٢).
والأول أصح، إذا لم يكن المفتي مجتهدًا، لأنه كان أعلم العلماء في زمانه، حتى قال الشافعي (٣) ﵁: الناس كلهم عيال أبي
_________________
(١) هو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي صاحب أبي حنيفة، كان يقظًا فطنًا فقيهًا نبيهًا، له كتاب المجرد والأمالي وأدب القاضي والفرائض والنفقات، توفي سنة ٢٠٤ هـ، انظر الجواهر المضية ٢/ ٥٦، الفوائد البهية ص ١٠٤، معجم المؤلفين ١/ ٥٥٢.
(٢) انظر الفتاوى الهندية ٣/ ٣١٠، رسم المفتي ١/ ٢٦، الدرّ المختار وحاشية ابن عابدين ١/ ٧١، ٥/ ٣٦٠، المذهب عند الحنفية ص ٨٧.
(٣) هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي ثالث الأئمة الأربعة، الأصولي الفقيه المجتهد المحدّث الأديب الشاعر، فضائله أكثر من أن تحصى، له الرسالة في أصول الفقه والأم في الفقه وأحكام القرآن واختلاف الحديث وغيرها، توفي سنة ٢٠٤ هـ، انظر تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٤٤، سير أعلام النبلاء ١٠/ ٥، طبقات الشافعية الكبرى ج١، الشافعي لأبي زهرة.
[ ٩١ ]
حنيفة في الفقه (١) انتهى.
قلت: يعني إذا لم يصطلح المشايخ على تصحيح قول أبي يوسف أو قول محمد أو قول زفر، يدل عليه أنهم جعلوا الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد، وعلى قول أحدهما في مواضع كثيرة، وكذلك على قول زفر، كما يعلم ذلك من طالع المطولات من كتب مشايخنا (٢).
وفي بعض المعتبرات من تصانيف مشايخنا (٣) أن الفتوى على قول أبي يوسف في المعاملات، لأنه تولى القضاء، وخبر أحوال الناس ومعاملاتهم (٤)، لا سيما وقد جعلوا الفتوى على قوله في مسألتنا فيكون هو الراجح.