إعلم أنه إذا اشترى بالدراهم (١) التي غلب غشها، أو بالفلوس (٢) وكان كل منهما نافقًا حتى جاز البيع لقيام الاصطلاح على الثمنية، ولعدم الحاجة إلى الإشارة لالتحاقها بالثمن، ولم يسلمها المشتري للبائع، ثم كسدت بطل البيع (٣).
_________________
(١) الدراهم جمع درهم وهو اسم للمضروب من الفضة وهو معرّب وكانت الدراهم مستعملة منذ عهد بعيد كأحد نوعي العملة والنوع الآخر هو الدنانير الذهبية، والدراهم الإسلامية على أنواع منها الدرهم البغلي والدرهم الخوارزمي والدرهم الطبري وأوزانها بينها بعض الاختلاف، ومن الدراهم ما يكون مغشوشًا وغشه غالب ومنها غشه غير غالب والأول هو المقصود في هذه الرسالة كما بينت في الدراسة، انظر تفصيل ذلك في الأموال ص ٦٢٩ - ٦٣١، الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان ص ٦٠ - ٦٢، المصباح المنير ص ١٩٣، قاعدة المثلي والقيمي ص ١٥٢ - ١٥٣، النقود الإئتمانية ص ٦٢.
(٢) الفلوس جمع فلس وهي لفظة يونانية لاتينية الأصل يقال أفلس الرجل أي اصبح ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم والفلوس نقود تصنع من المعادن الخسيسة كالنحاس وتستعمل في شراء الأشياء البسيطة وقد عرفت من قديم الزمان، انظر تاج العروس ٨/ ٤٠٢، أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية على المهور ص ٣٣، قاعدة المثلي والقيمي ص ١٥٤ - ١٥٧، الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٢/ ٢٠٤، النقود الإئتمانية ص ٥٩.
(٣) ليس المراد هنا بطلان البيع على حقيقته بل المراد بالبطلان الفساد، انظر الفتاوى الهندية ٣/ ٢٢٥، تنبيه الرقود ٢/ ٥٦، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤/ ١٤٢.
[ ٧٥ ]
والانقطاع (١) عن أيدي الناس [كالكساد] (٢)، وحكم الدراهم كذلك، فإن اشترى بالدراهم ثم كسدت أو انقطعت بطل البيع، ويجب على المشتري ردّ المبيع إن كان قائمًا (٣).
ومثله إن كان هالكًا وكان مثليًا، وإلا فقيمته (٤).
وإن لم يكن مقبوضًا فلا حكم لهذا البيع أصلًا، وهذا عند الإمام الأعظم (٥).
وقالا (٦) لا يبطل (٧) البيع
_________________
(١) الانقطاع أن لا يوجد في السوق وإن كان موجودًا في يد الصيارفة والبيوت، انظر تبيين الحقائق ٤/ ١٤٣، البحر الرائق ٦/ ٢٠١، حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٣٣.
(٢) في النسخة (كالكاسد) وما أثبته من تنبيه الرقود. والكساد أن تترك المعاملة بالنقد في جميع البلاد، تبيين الحقائق ٤/ ١٤٣، البحر الرائق ٦/ ٢٠١، حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٣٣.
(٣) بشرط أن لا يتغير المبيع.
(٤) فرَّق أبو حنيفة في هذه المسألة بين البيع والإجارة من جهة وبين القرض من جهة أخرى، ففي البيع والإجارة قال كما ذكر المصنف، وأما في القرض فقول أبي حنيفة بردّ المثل ولا عبرة للكساد، انظر شرح فتح القدير ٦/ ٢٧٦، البحر الرائق ٦/ ٢٠١، تنبيه الرقود ٢/ ٥٦.
(٥) انظر المبسوط ١٤/ ٢٨ - ٢٩، الهداية مع شرح فتح القدير ٦/ ٢٧٦، تبيين الحقائق ٤/ ١٤٢، حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٣٣، الاختيار ٢/ ٤١، ملتقى الأبحر ٢/ ٥٤.
(٦) أي الصاحبان أبو يوسف ومحمد وانظر قولهما في المصادر المذكورة في الهامش السابق.
(٧) نهاية الورقة ١٨٩/أ.
[ ٧٦ ]
لأن المتعذر [إنما] (١) هو التسليم بعد الكساد، وذلك لا يوجب الفساد لاحتمال الزوال بالرواج، كما لو اشترى شيئًا بالرطب (٢) ثم انقطع.
وإذا لم يبطل [وتعذر] (٣) تسليمه وجبت قيمته، لكن عند أبي يوسف يوم البيع (٤)
وعند محمد (٥) يوم الكساد (٦)، وهو آخر ما يتعامل الناس بها.
_________________
(١) ما بين المعكوفين ليس في النسخة وما أثبته من البحر الرائق حيث نقل المصنف كلام شيخه وهي في تنبيه الرقود حيث نقلها ابن عابدين عن المصنف.
(٢) الرطب ثمر النخيل قبل أن يصير تمرًا وهو نضيج البسر قبل أن يتمر، وأول التمر طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر، انظر لسان العرب ١/ ٤٧٨، ٥/ ٢٣٧، تاج العروس ٢/ ٢٤.
(٣) ما بين المعقوفين ليس في النسخة وما أثبته من البحر الرائق حيث نقل المصنف كلام شيخه وهي في تنبيه الرقود حيث نقلها ابن عابدين عن المصنف.
(٤) أي في اليوم الذي فيه تعلق الحق بالذمة، وهو قول الحنابلة على الراجح عندهم وقول للمالكية، انظر كشاف القناع ٣/ ٣٠١، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٦، حاشية الرهوني ٥/ ١٢٠.
(٥) هو محمد بن الحسن الشيباني الصاحب الثاني للإمام أبي حنيفة، أصولي فقيه محدث، له فضل كبير في نشر مذهب أبي حنيفة، صاحب المؤلفات المعتبرة كالمبسوط والجامع الكبير والجامع الصغير والسير الكبير والسير الصغير والزيادات، وهذه الكتب الستة معروفة بكتب ظاهر الرواية وله كتب غيرها، توفي سنة ١٨٧هـ، انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/ ١٢٢، الفوائد البهية ص ٢٦٨، الانتقاء ص ٣٣٧.
(٦) أي في آخر يوم تعامل الناس فيه بالنقد ثم كسد بعده وبه قال بعض الحنابلة، انظر الشرح الكبير ٤/ ٣٥٨. وفي المسألة قول رابع وهو للشافعية والمالكية على المشهور عندهم وبه قال = = الليث ابن سعد وهو أنه إذا كسد النقد بعد ثبوته في الذمة فعلى المدين أن يؤدي ما قبض، انظر المجموع ٩/ ٢٨٢، شرح الخرشي ٥/ ٥٥، المعيار المعرب ٦/ ٤٦١، بلغة السالك ٢/ ٢٣.
[ ٧٧ ]
وفي الذخيرة (١): والفتوى على قول أبي يوسف (٢).
وفي المحيط (٣) والتتمة (٤)
_________________
(١) الذخيرة وتعرف بذخيرة الفتاوى والذخيرة البرهانية للإمام برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة البخاري المتوفى ٦١٦ هـ، اختصرها من كتابه المشهور المحيط البرهاني، انظر كشف الظنون ١/ ٦٢١، الجواهر المضية ١/ ١٣٠ - ١٣١، الفوائد البهية ص ٣٣٦
(٢) انظر البحر الرائق ٦/ ٢١٩، تنبيه الرقود ٢/ ٥٦ - ٥٧، حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٣٣.
(٣) المحيط يطلق على كتابين عند الحنفية: أولهما المحيط البرهاني للإمام برهان الدين محمود بن أحمد صاحب كتاب الذخيرة المذكور سابقًا، وقد جمع فيه مسائل المبسوط والجامعين والسير والزيادات وألحق به مسائل النوادر والفتاوى والواقعات وهو كتاب معتبر عند الحنفية وإذا أطلق المحيط في كتب الحنفية فالأرجح أنه ينصرف إليه. وثانيهما محيط السرخسي وهو شمس الأئمة محمد بن أحمد بن سهل المتوفى سنة ٤٨٣ هـ، انظر كشف الظنون ٢/ ٥١١، الفوائد البهية ص ٣٣٦.
(٤) التتمة: تتمة الفتاوى لبرهان الدين المذكور في الهامش السابق وقد ذكر حاجي خليفة عنه أنه قال: [هذا كتاب جمع فيه الصدر الشهيد حسام الدين ما وقع إليه من الحوادث والواقعات وضم إليه ما في الكتب من المشكلات واختار في كل مسألة فيها روايات مختلفة وأقاويل متباينة ما هو أشبه بالأصول غير أنه لم يرتب المسائل ثم إن العبد الراجي محمود بن أحمد ابن عبد العزيز زاد على كل جنس ما يجانسه وذيل على كل نوع ما يضاهيه] كشف الظنون ١/ ٢٩٨، وانظر الفوائد البهية ص ٣٣٧.
[ ٧٨ ]
والحقائق (١): بقول محمد يفتى رفقًا بالناس (٢).
ولأبي حنيفة أن الثمنية بالاصطلاح (٣)، فتبطل لزوال الموجب، فيبقى البيع بلا ثمن، والعقد إنما تناول عينها بصفة الثمنية، وقد انعدمت بخلاف انقطاع الرطب، فإنه يعود غالبًا في العام القابل بخلاف النحاس، فإنه بالكساد رجع إلى أصله وكان الغالب عدم العود (٤).
والكساد لغة كما في المصباح (٥) من كسد الشيء يكسد من باب قتل، لم ينفق لقلة الرغبات فهو كاسد وكسيد
_________________
(١) الحقائق لمحمود بن محمد بن داود اللؤلؤي الإفشنجي البخاري المتوفى ٦٧١ هـ وهو شرح على منظومة النسفي في الخلاف سماه حقائق المنظومة وهو شرح مرغوب بديع الأسلوب تداولته العلماء، انظر كشف الظنون ٢/ ٦٩٥، الفوائد البيهة ص ٣٤٥.
(٢) البحر الرائق ٦/ ٢١٩، تنبيه الرقود ٢/ ٥٦ - ٥٧، حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٣٣.
(٣) أي أن ثمنية الفلوس والدراهم المغشوشة ثابتة باصطلاح الناس عليها لا بأصل الخلقة كما هو الحال في الذهب والفضة فإذا بطل الاصطلاح بطلت الثمنية، انظر شرح فتح القدير ٦/ ٢٧٧، تبيين الحقائق ٤/ ١٤٢.
(٤) انظر المصدرين المذكورين في الهامش السابق.
(٥) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي تأليف الإمام أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي المتوفى سنة ٧٧٠ هـ ذكر في مقدمته أنه جمع كتابًا في غريب شرح الوجيز للإمام الرافعي ثم اختصره ليسهل تناوله وسماه المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، والشرح الكبير للإمام الرافعي شرح به الوجيز في الفقه الشافعي لحجة الإسلام أبو حامد الغزالي، انظر مقدمة المصباح المنير للمؤلف، كشف الظنون ٢/ ٥٧٩.
[ ٧٩ ]
[يتعدى] (١) بالهمزة فيقال أكسده الله [وكسدت السوق فهي كاسد بغير هاء في الصحاح (٢)] (٣) وبالهاء في التهذيب (٤)، ويقال: أصل الكساد الفساد انتهى (٥).