نبذة موجزة عن دراسات الفقهاء لمسائل النقود قديمًا وحديثًا
اعتنى الفقهاء بمسائل النقود عناية خاصة، وقد ظهرت الأقوال والآراء في هذه المسائل قديمًا، وتعرض الفقهاء لمسائل النقود في أبواب الربا والصرف والبيع والإجارة، وغير ذلك من أبواب الفقه، وهذا أمر واضح جلي لمن يراجع كتب الفقه الإسلامي، وفي فترة لاحقة ظهرت دراسات لمسائل النقود على شكل فتاوى أو رسائل عندما كانت تقع واقعة متعلقة بهذه المسائل.
ففي القرن الخامس الهجري كما ذكر الونشريسي أنه قد حدث ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كان ضربها القيسي وبلغت ستة دنانير بمثقال ونقلت إلى سكة أخرى كان صرفها ثلاثة دنانير للمثقال، فالتزم الحافظ ابن عبد البر السكة الأخيرة وأفتى أبو الوليد الباجي بأنه لا يلزم إلا السكة الجارية حين العقد (١).
وقال الونشريسي أيضًا: [سئل ابن الحاج (المتوفى ٥٢٩هـ) عمن عليه دراهم فقطعت السكة فأجاب: أخبرني بعض أصحابنا أن ابن جابر
_________________
(١) تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي، د. عجيل النشمي، بحث منشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد ٥ الجزء ٣ ص ١٦٢٠، وانظر المعيار المعرب ٦/ ١٦٤.
[ ١٣ ]
فقيه إشبيلية قال: نزلت هذه المسألة في قرطبة أيام نظري في الأحكام ومحمد بن عتاب حي ومن معه من الفقهاء فانقطعت سكة ابن جهور
(المتوفى ٤٦٢هـ) بدخول ابن عباد (المتوفى ٤٨٨هـ) سكة أخرى فأفتى الفقهاء أنه ليس لصاحب الدين إلا السكة القديمة، وأفتى ابن عتاب بأن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب. قال وأرسل إليَّ ابن عتاب فنهضت إليه فذكر المسألة وقال لي: الصواب فيها فتواي فاحكم بها ولا تخالفها أو نحو هذا من الكلام (١).
وفي القرن السابع الهجري قال الذهبي في تاريخه: في سنة إثنتين وثلاثين وستمئة أمر الخليفة المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلًا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه الدراهم عوضًا عن قراضة الذهب رفقًا بكم وإنقاذًا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي. فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار. (٢)
_________________
(١) المصدر السابق ١٦٢١، وانظر المعيار المعرب ٦/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) قطع المجادلة عند تغيير المعاملة ص ١٠٣ - ١٠٤ ضمن المجلد الأول من الحاوي للفتاوي.
[ ١٤ ]
وكذلك فإن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش في أواخر القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن، قد أفتى في عدة قضايا متعلقة بالنقود، كما في مجموع الفتاوى: ٢٩/ ٢٥١، ٢٩/ ٤٦٦، ٢٩/ ٤٦٩.
وذكر جلال الدين السيوطي أنه: [قد وقع في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عكس ما نحن فيه وهو عزة الفلوس وغلوها بعد كثرتها ورخصها، وتكلم في ذلك قاضي القضاة جلال الدين البلقيني كلامًا مختصرًا فنسوقه ثم نتكلم بما وعدنا به، نقلت من خط شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام علم الدين البلقيني ﵀، قال في فوائد الأخ شيخ الإسلام جلال الدين وتحريره ما قال اتفق في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عزة الفلوس بمصر وعلى الناس ديون في مصر من الفلوس وكان سعر الفضة قبل عزة الفلوس كل درهم بثمانية دراهم من الفلوس ثم صار بتسعة وكان الدينار الأفلوري بمائتين وستين درهمًا من الفلوس، والهرجة بمائتين وثمانين والناصري بمائتين وعشرة وكان القنطار المصري ستمائة درهم فعزت الفلوس ونودي على الدرهم بسبعة دراهم وعلى الدينار بناقص خمسين فوقع السؤال عمن لم يجد فلوسًا وقد طلب منه صاحب دينه الفلوس فلم يجدها فقال أعطني عوضًا عنها
[ ١٥ ]
ذهبًا أو فضة بسعر يوم المطالبة ما الذي يجب عليه؟] (١)، ثم ذكر السيوطي كلام جلال الدين البلقيني في المسألة. (٢)