_________________
(١) أقتدي في إلحاق هذا الملحق آخر هذا الكتاب بالشيخ المحدث العلامة أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني سلمه الله ورعاه؛ فقد رأيته أورد ملحقًا في آخر كتابه "أحكام الجنائز وبدعها" حول بدع الجنائز، وأورد ملحقًا شبيهًا في آخر كتابه "حجة النبي كما رواها جابر"، وكتابه "مناسك الحج والعمرة" حول بدع الحج والعمرة والزيارة.
[ ١٧١ ]
أورد في هذا الملحق جملة من البدع المتعلقة بصلوات التطوع دون تتبع واستقراء.
[وقد رأيت أن ألحق بالكتاب ذيلًا أسرد فيه بدع صلوات التطوع؛ لأن كثيرًا من الناس لا يعرفونها فيقعون فيها، أحببت أن أزيدهم نصحًا ببيانها والتحذير منها، ذلك لأن العمل لا يقبله الله ﵎ إلا إذا توفر فيه شرطان اثنان:
الأول: أن يكون خالصًا لوجهه ﷿.
والآخر: أن يكون صالحًا، ولا يكون صالحًا إلا إذا كان موافقًا للسنة غير مخالف لها.
ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة؛ لم يشرعها لنا رسول الله ﷺ بقوله، ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله؛ فهي مخالفة لسنته؛ لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية؛ فما تركه ﷺ من تلك العبادات؛ فمن السنة تركها.
ألا ترى مثلًا أن الأذان للعيدين ولدفن الميت مع كونه ذكرًا وتعظيمًا لله عزوجل لم يجز التقرب به إلى الله ﷿، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول
[ ١٧٣ ]
الله ﷺ.
وقد فهم هذا المعنى أصحابه ﷺ، فكثر عنهم التحذير من البدع تحذيرًا عامًا كما هو مذكور في موضعه، حتى قال حذيفة بن اليمان ﵁: "عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ، فلا تعبدوها"، وقال ابن مسعود ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق".
فهنيئًا لمن وفقه الله للإخلاص في عبادته واتباع سنة نبيه ﷺ ولم يخالطها ببدعة.
إذًا، فليبشر بتقبل الله ﷿ لطاعته، وإدخاله إياه في جنته، جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
واعلم أن مرجع هذه البدع المشار إليها إلى أمور:
الأول: أحاديث ضعيفة لا يجوز الاحتجاج بها ولا نسبتها إلى النبي ﷺ، ومثل هذا لا يجوز العمل به عندنا، على ما بينه الألباني سلمه الله في مقدمة كتابه "صفة صلاة النبي ﷺ "، وهو مذهب جماعة من أهل العلم؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
الثاني: أحاديث موضوعة، أو لا أصل لها، خفي أمرها على بعض الفقهاء، فبنوا عليها أحكامًا هي من صميم البدع ومحدثات الأمور!
الثالث: اجتهادات واستحسانات صدرت من بعض الفقهاء، خاصة المتأخرين منهم، لم يدعموها بأي دليل شرعي، بل ساقوها مساق المسلمات من الأمور، حتى صارت سننًا تتبع!
ولا يخفى على المتبصر في دينه؛ أن ذلك مما لا يسوغ اتباعه؛ إذ لا شرع إلا ما شرعه الله تعالى، وحسب المستحسن - إن كان مجتهدًا - أن يجوز له هو العمل بما استحسنه وأن لا يؤاخذه الله به، أما أن يتخذ الناس ذلك شريعة
[ ١٧٤ ]
وسنة؛ فلا ثم لا، فكيف وبعضها مخالف للسنة العملية كما سيأتي التنبيه عليه إن شاء الله تعالى؟!
رابعًا: عادات وخرافات لا يدل عليها الشرع، ولا يشهد لها عقل، وإن عمل بها بعض الجهال واتخذوها شرعة لهم، ولم يعدموا من يؤيدهم، ولو في بعض ذلك – ممن يدعي العلم ويتزيى بزيهم.
ثم ليعلم أن هذه البدع ليست خطورتها في نسبة واحدة، بل هي على درجات؛ فبعضها شرك وكفر صريح كما سترى، وبعضها دون ذلك، ولكن يجب أن يعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة؛ فليس في البدع – كما يتوهم بعضهم- ما هو في رتبة المكروه فقط، كيف ورسول الله ﷺ يقول: "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"؛ أي: صاحبها.
وقد حقق هذا أتم تحقيق الإمام الشاطبي ﵀ في كتابه العظيم "الاعتصام".
ولذلك فأمر البدعة خطير جدًا، لا يزال أكثر الناس في غفلة عنه، ولا يعرف ذلك إلا طائفة من أهل العلم، وحسبك دليلًا عل خطورة البدعة قوله ﷺ: "إن الله احتجر التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته". رواه الطبراني والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" وغيرهما بسند صحيح. وحسنه المنذري. (١)
وأختم هذه الكلمة بنصيحة أقدمها إلى القراء من إمام كبير من علماء المسلمين الأولين، وهو الشيخ حسن بن علي البربهاري من أصحاب الإمام أحمد ﵀ المتوفى سنة (٣٢٩هـ) .
_________________
(١) وهو مخرج في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (١٦٢٠)
[ ١٧٥ ]
قال رحمه الله تعالى: " واحذر من صغار المحدثات؛ فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرًا يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها، ثم لم يستطع المخرج منها، فعظمت، وصارت دينًا يدان به.
فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة؛ فلا تعجلن، ولا تدخل في شيء منه؛ حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب الرسول ﷺ أو أحد من العلماء؟ فإن أصبت أثرًا عنهم؛ فتمسك به، ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا؛ فتسقط في النار.
واعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعًا ومصدقًا مسلمًا، فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله ﷺ، فقد كذبهم، وكفى بهذا فرقة وطعنًا عليهم؛ فهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس فيه".
قلت: ورحم الله الإمام مالك حيث قال: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فما لم يكن يومئذ دينًا، لا يكون اليوم دينًا ".
وصلى الله على نبينا القائل: " ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ".
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات] (١)
وإليك ذكر بدع صلوات التطوع:
_________________
(١) الكلام الموضوع بين عارضتين [] من أول جملة: " وقد رأيت أن ألحق بالكتاب " إلى هنا: من كلام العلامة المحدث الألباني في كتابه "حجة النبي" (ص١٠٠- ١٠٥) وكتابه "مناسك الحج والعمرة" (ص٤٣-٤٧) بتصرف يسير جدًا ليتناسب الكلام مع موضوع هذا الكتاب.
[ ١٧٦ ]
١- الصلاة التي يصلونها في أواخر رمضان لتكفير الفوائت من صلوات العام الماضي. "السنن والمبتدعات" (ص١٧) .
٢- صلاة دعاء حفظ القرآن. "السنن والمبتدعات" (ص١٢٤) .
٣- صلاة الحاجة: " من كانت له حاجة إلى الله ". "السنن والمبتدعات" (ص١٢٤)
٤- قراءة سورة الأنعام في ركعة واحدة في رمضان أو غيره بدعة، سواء تحروا الليلة بعينها أو لا؛ كما يفعله بعض الناس: يقرؤنها في آخر ركعة من صلاة الوتر، يطول على الناس، ويهذها هذًا مكروهًا. "مختصر الفتاوى المصرية"
٥- الاجتماع على صلاة في المساجد مقدرة بمئة ركعة بقراءة ألف: ﴿قل هو الله أحد﴾؛ دائمًا؛ فهي بدعة لم يستحبها أحد. "مختصر الفتاوى المصرية" (ص ٨١)
٦- صلاة الآبق والضياع. "السنن والمبتدعات" (ص١٢٧)
٧- صلاة العازم على السفر. "السنن والمبتدعات" (ص١٢٩) .
٨- صلاة الأوابين بين المغرب والعشاء. " السنن والمبتدعات" (ص١٣٠)، "صحيح الترغيب والترهيب" (١/٢٨٠) .
٩- صلاة الغفلة بين المغرب والعشاء. " السنن والمبتدعات" (ص١٣٠) .
١٠- صلاة الكفاية. "السنن والمبتدعات" (ص١٣٢) .
١١- صلاة رؤية النبي ﷺ. " السنن والمبتدعات" (ص١٣٢) .
١٢- صلاة عاشوراء. " السنن والمبتدعات " (ص١٣٤- ١٨٠) .
[ ١٧٧ ]
١٣- صلاة ليلة المعراج.
١٤- صلاة كل ليلة من رجب. " السنن والمبتدعات" (ص ١٤٠، ١٤٣) .
١٥- صلاة الرغائب من رجب، "السنن والمبتدعات" (ص١٥٦)، "علم أصول البدع" (ص١٤٩، ١٥٠، ١٥١) .
١٦- صلاة البراءة ليلة النصف من شعبان. " السنن والمبتدعات" (ص١٤٤)، "علم أصول البدع" (ص١١٥، ١٤٩- ١٥٠) .
١٧- صلاة دفع البلاء. " السنن والمبتدعات" (ص١٤٥) .
١٨- صلاة كل ليلة من شعبان. " السنن والمبتدعات" (ص١٤٠، ١٤٣، ١٥٦) .
١٩- صلاة ليلة القدر. " السنن والمبتدعات " (ص١٥٦) .
٢٠- صلاة ليلة عيد الفطر ويومه عيد الأضحى. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص٧٩)، " السنن والمبتدعات" (ص١٦١، ١٧٢، ١٨٠) .
٢١- صلاة يوم عرفة. " السنن والمبتدعات" (ص١٧٢) .
٢٢- صلوات أيام الأسبوع. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص٧٨)، " السنن والمبتدعات" (ص١٧٩) .
٢٣- الصلوات الحولية. " مختصر الفتاوى المصرية " (ص٧٨) .
٢٤- الصلاة الألفية أول رجب ونصف شعبان. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص٧٨)، " السنن والمبتدعات" (ص١٧٩)، "علم أصول البدع" (٨٦) .
٢٥- الصلاة الاثني عشرية في أول جمعة من رجب.
[ ١٧٨ ]
٢٦- الصلاة في ليلة سبع وعشرين من رجب، "مختصر الفتاوى المصرية" (ص٧٨)، "السنن والمبتدعات" (ص١٨٠) .
٢٧- صلاة الأشهر الثلاثة. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص٧٨-٧٩) .
٢٨- صلاة ركعتين بعد السعي. " ملحق بدع الحج والعمر والزيارة آخر كتاب حجة النهي كما رواها جابر" (ص١٢١) .
٢٩- إحياء الليل كله. " علم أصول البدع" (ص٨٦، ١٠٨) .
٣٠- المداومة على صلاة النفل جماعة. " مختصر الفتاوى المصرية" (ص٨١) .
٣١- الاجتماع المعتاد في المساجد على صلاة مقدرة بدعة. "مختصر الفتاوى المصرية" (ص٨١) .
تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
سبحانك الله وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
مكة المكرمة – العزيزية الجنوبية
صباح الاثنين ٢٢ رمضان ١٤١٣ هـ
محمد بن عمر بازمول
[ ١٧٩ ]