ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مواضع في " كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، حديث رقم ١١٨٠) واللفظ له، وفيه في (باب التطوع بعد المكتوبة، حديث رقم ١١٧٢) والزيادة منه، وفيه في (باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، حديث رقم ١١٦٥) وفي (كتاب الجمعة، باب الصلاة بعد الجمعة، حديث رقم ٩٣٧)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين، باب فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن، حديث رقم ٧٢٩)، وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة باب ما جاء أنه يصليهما في البيت، حديث رقم ٤٣٤، ١/٣٣٠-تحفة)، وأخرجه مالك "موطأ محمد" (٢٩٦)، وزاد: " كان لا يصلي بعد الجمعة في المسجد حتى ينصرف فيسجد سجدتين"، "موطأ الليثي" (١/١٨٠-تنوير)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/٣٣٦)، والدارمي (١/١٢٥٢، ١/٤٨٦-عون)؛ بنحو ما في "موطأ محمد" وأخرجه النسائي في (كتاب الإقامة، باب الصلاة بعد الظهر، ٢/١١٩)، وانظر: " جامع الأصول" (٦/٤) .
[ ٢١ ]
أولًا: حكمها.
ثانيًا: وصفها وفضلها.
ثالثًا: تخفيفها.
رابعًا: ما يقرأ فيها.
خامسًا: الاضطجاع بعدها.
سادسًا: من فاتته.
وتفصيل القول في هذه المسائل كما يلي:
أولًا: حكمها:
راتبة الفجر من آكد السنن الراتبة، وكان ﷺ يتعاهدها ولا يدعها في حضر ولا سفر.
ولم يصح عنه ﷺ ما يدل على وجوبها. (١)
والدليل على صلاة الرسول ﷺ لركعتي الفجر في السفر: ما ثبت عن أبي مريم؛ قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأسرينا ليلة، فلما كان في وجه الصبح؛ نزل رسول الله ﷺ فنام ونام الناس، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت علينا، فأمر رسول الله ﷺ المؤذن فأذن، ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام، فصلى بالناس، ثم حدثنا بما هو كائن حتى تقوم الساعة" (٢) .
_________________
(١) أما حديث أبي هريرة مرفوعًا: " لا تدعوها وإن طردتكم الخيل" (يعني: سنة الفجر)؛ فإنه حديث ضعيف. أخرجه أبو داود (١/٤٨٧-عون)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/٢٩٩)، وفي سنده عندهما عبد الرحمن بن إسحاق المدني؛ ضعيف، وابن سيلان؛ مجهول الحال. وبالله التوفيق.
(٢) حديث صحيح لغيره. أخرجه النسائي في (كتاب المواقيت، باب كيف يقضي الفائت من الصلاة، صحيح سنن النسائي باختصار السند حديث رقم ٦٠٥، ١/١٣٣) . والحديث ورد بمعناه عند مسلم في "صحيحه" (حديث رقم ٦٨٠) عن أبي هريرة، وله شواهد كثيرة عند أبي داود في (كتاب الصلاة، باب في من نام عن الصلاة أو نسيها، صحيح سنن أبي داود باختصار السند، ١/٨٨-٩٠) . وقد قال ابن قيم الجوزية: وكان من هديه ﷺ في سفره الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه ﷺ أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها؛ إلا ما كان من الوتر وسنة الفجر؛ فإنه لم يكن ليدعهما حضرًا ولا سفرًا " أهـ. " زاد المعاد" (١/٤٧٣) .
[ ٢٢ ]
والحديث يدل على أنه ﷺ كان يصلي صلاة راتبة الفجر مع صلاة الفجر في السفر.
كما يدل على مشروعية صلاتها عند فوات صلاة الفجر عن وقتها، فإنه يشرع في صلاة راتبة الفجر ثم صلاة الفجر كما فعل رسول الله ﷺ.
ثانيًا: وصفها وفضلها:
راتبة الفجر ركعتان، تصليان قبل صلاة الفجر، وقد ورد في فضلها أحاديث منها:
أ) عن عائشة عن النبي ﷺ؛ قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها [لهما أحب إلي من الدنيا جميعًا] ". أخرجه مسلم. (١)
والحديث يدل على استحباب ركعتي الفجر والترغيب فيهما.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، حديث رقم ٧٢٥) والزيادة له، وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل، حديث رقم ٤١٦، ١/٣٢٠- تحفة)، والنسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، ٣/٢٥٢)، والحاكم (١/٣٠٧) .
[ ٢٣ ]
ب) عن عائشة ﵂؛ قالت: " لم يكن النبي ﷺ على شيء من النوافل أشد منه تعاهدًا على ركعتي الفجر". أخرجه الشيخان (١) . والحديث يدل على تأكيد المحافظة على ركعتي الفجر.
وقد اجتمع في هذه الراتبة: القول منه ﷺ في الترغيب فيها، والفعل منه ﷺ في المحافظة عليها.
ج) وعنها ﵂؛ قالت: " إن النبي ﷺ كان لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل [الصبح] الغداة". أخرجه البخاري والنسائي (٢)
وهذه الأحاديث تدل على فضل ركعتي الفجر، وأنها من أوكد الرواتب.
ثالثًا: تخفيفهما:
كان من هديه ﷺ أن يخفف ركعتي الفجر، فلا يطيل القراءة فيهما، ومن الأحاديث الدالة على ذلك:
أ) ما جاء عن أم المؤمنين حفصة؛ قالت: " إن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح؛ ركع ركعتين خفيفتين قبل
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماها تطوعًا، حديث رقم ١١٦٩)، ومسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، حديث رقم ٧٢٤) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب الركعتين قبل الظهر، حديث رقم ١١٨٢) واللفظ له، والنسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب المحافظة على الركعتين قبل الفجر، ٣/٢٥٢) والزيادة له، وأخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب التطوع وركعات السنة، حديث رقم ١٢٥٣)، والدارمي (١/٣٣٥) .
[ ٢٤ ]
أن تقام الصلاة". أخرجه الشيخان (١)
ب) عن عائشة؛ قالت: " كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إنّي لأقول: هل قرأ بأم الكتاب؟ ". أخرجه الشيخان (٢) .
والحديثان يدلان على مشروعية تخفيف ركعتي الفجر.
واستدل بعض أهل العلم بحديث عائشة على مشروعية الاقتصار في سنة الفجر على قراءة فاتحة الكتاب، ولا دلالة في الحديث على ذلك، وغاية ما فيه الإشعار بأنه ﵊ كان يخفف فيهما القراءة، ويؤكد هذا ما يأتي في المسألة التالية.
رابعًا: ما يقرأ فيهما:
أ) عن أبي هريرة ﵁: " أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، و﴿قل هو الله أحد﴾ " (٣) .
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر، حديث رقم ٦١٨) ومسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، حديث رقم ٧٢٣) واللفظ له.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، حديث رقم ١١٧١)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، حديث رقم ٧٢٤) واللفظ للبخاري.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر والحث عليهما وتخفيفهما والمحافظة عليهما وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما، حديث رقم ٧٢٦) .
[ ٢٥ ]
ب) عن ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في ركعتي الفجر: في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ﴾ الآية التي في البقرة [١٣٦]، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون﴾ [آل عمران:٥٢] ".
وفي رواية: " كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ [البقرة: ١٣٦]، والتي في آل عمران: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] " (١)
والحديثان يدلان على استحباب قراءة سورة الإخلاص في الركعة الأولى وسورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ في الركعة الثانية من ركعتي الفجر، كما يدل على استحباب قراءة الآية من سورة البقرة وسورة آل عمران، فيقرأ المسلم أحيانًا بهذا وأحيانًا بهذا؛ تطبيقًا للسنة. (٢)
خامسًا: الاضطجاع بعدهما:
يستحب المسلم إذا صلى راتبة الفجر في البيت أن يضطجع على شقه الأيمن، وذلك لما ورد:
أ) عن أبي هريرة؛ قال رسول الله ﷺ: " إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع على شقه الأيمن". أخرجه الترمذي. (٣)
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الموضع السابق (حديث رقم ٧٢٧) . =فائدة: في حديث ابن عباس: جواز الاكتفاء بالآية في الركعة، وجواز القراءة من وسط السورة، وجواز أن تسمى السورة دون ذكر لفظ (سورة)، فيقال: الآية التي في البقرة، أو التي في النساء وهكذا.
(٢) لابن القيم في "زاد المعاد" (١/٣١٦- ٣١٨) تقرير بديع في حكمة قراءة سورتي الإخلاص في راتبة الفجر؛ فانظره.
(٣) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، حديث رقم ٤٢٠)، وقال: "حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وأخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعدها، حديث رقم ١٢٦١)، وصححه ابن خزيمة (١١٢٠)، وابن حبان (٦١٢-موارد، ٦/٢٢٠، حديث رقم ٢٤٦٨- الإحسان)، وصححه النووي في "شرح مسلم" (٦/١٩) وفي "رياض الصالحين"، وصححه الألباني في "صحيح الجامع"، والأرنؤوط في تحقيقه لـ "الإحسان".
[ ٢٦ ]
والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفيه دلالة على الوجوب؛ إذ هذا مقتضى الأمر (١)، لكن صرفه عن الوجوب إلى الاستحباب الحديث التالي:
ب) عن عائشة: " أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر، فإن كنت مستيقظة؛ حدثني، وإلا؛ اضطجع حتى يؤذن بالصلاة". أخرجه البخاري (٢) .
فهذا الحديث فيه أن الرسول ﷺ كان يترك أحيانًا الاضطجاع على شقه الأيمن بعد صلاة راتبة الفجر، ولو كان واجبًا؛ ما تركه.
ودعوى الخصوصية وغيرها لا تثبت إلا بدليل، والأصل العموم، والعمل بجميع ما ورد عنه ﵊ أولى من العمل ببعض دون بعض.
والحديث يدل على مشروعية الاضطجاع على الجانب الأيمن.
وهل يكون هذا في البيت أو في المسجد؟
حديث أبي هريرة مطلق: فإن صلى راتبة الفجر في المسجد؛ اضطجع في المسجد، وإن صلاها في البيت؛ اضطجع في البيت، لكن لم ينقل عن
_________________
(١) وقال به: ابن حزم في "المحلى" (٣/١٩٦)، والشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/٢٩) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب من تحدث بعد الركعتين ولم يضطجع، حديث رقم ١١٦١) .
[ ٢٧ ]
الرسول ﵊ ولا عن الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك (١) .
سادسًا: من فاتته ركعتا الفجر:
يشرع لمن فاتته ركعتا الفجر أن يصليهما بعد صلاة الفجر مباشرة أو بعد طلوع الشمس، والأفضل أن يصليهما بعد طلوع الشمس.
عن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ: " من لم يصل ركعتي الفجر؛ فليصلهما بعد ما تطلع الشمس". أخرجه الترمذي. (٢)
قلت: ظاهر هذا الحديث وجوب صلاة راتبة الفجر إذا فاتتا بعد طلوع الشمس، لكن هذا الأمر مصروف إلى الاستحباب بدليل الحديث التالي:
عن قيس بن قهد (بالقاف المفتوحة وسكون فدال مهملة) (٣) ﵁؛ أنه صلى مع رسول الله ﷺ الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله ﷺ؛ سلم معه، ثم قام فركع ركعتي الفجر، ورسول الله ﷺ
_________________
(١) قال العلامة الألباني: " لكن لا نعلم أن أحدًا من الصحابة فعله – يعني: الاضطجاع بعد راتبة الفجر- في المسجد، بل قد أنكره بعضهم، فيقتصر على فعله في البيت كما هو سنته ﷺ ". أهـ. "صلاة التراويح" (ص ٩٠) . قلت: الأمر كما قال حفظه الله، وكذا إذا فاتته راتبة الفجر، فصلاها بعد صلاة الفجر، لا يشرع له الاضطجاع على شقه الأيمن، لعدم نقله، والمفهوم من حديث أبي هريرة مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن بعد راتبة الفجر قبل صلاة الفجر، لا على إطلاقه. والله أعلم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في إعادتهما بعد طلوع الشمس، حديث رقم ٤٢٤)، وصححه الحاكم (١/٢٧٤)، وابن خزيمة (١١١٧)، وابن حبان (٤/٢٢٤، حديث رقم ٢٤٧٢- الإحسان)، وصححه محققه، وصححه الألباني في " صحيح سنن الترمذي" (١/١٣٣) .
(٣) انظر: " المغني في ضبط أسماء الرجال" (ص٢٠٦) .
[ ٢٨ ]
ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه ". أخرجه الترمذي وابن حبان. (١)
والحديث يدل على جواز قضاء راتبة الفجر بعد الفرض لمن لم يصلها قبل الفرض.