ويتعلق بهذه الراتبة المسائل التالية:
أولًا: حكمها.
ثانيًا: وصفها وفضلها.
ثالثًا: من فاتته الأربع قبل الظهر.
رابعًا: من فاتته الركعتان بعد الظهر.
وإليك بيان ذلك بالتفصيل:
أولًا: حكمها:
راتبة صلاة الظهر من السنن المستحبة التي ثبتت عن الرسول ﷺ قولًا وفعلًا.
ولم يأت ما يدل على وجوبها.
_________________
(١) حديث حسن لغيره. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن تفوته الركعتان قبل الفجر يصليهما بعد صلاة الصبح، حديث رقم ٤٢٢، ١/٣٢٤-تحفة)، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب من فاتته حتى يقضيها، حديث رقم ١٢٦٧)، وصححه الحاكم (١/٢٧٤)، وابن خزيمة (١١١٦)، وابن حبان (٦٢٤-موارد)، (٤/٢٢٢، حديث رقم ٢٤٧١- الإحسان)، والحديث صححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه لـ "سنن الترمذي" (٢/٢٨٦)، والألباني في "صحيح سنن الترمذي " (١/١٣٣) . = فائدة: في الحديث جواز قضاء الصلوات في وقت النهي.
[ ٢٩ ]
ثانيًا: وصفها وفضلها:
راتبة الظهر: إما أن تصلى أربعًا قبل صلاة الظهر وأربعًا بعدها، وإما أن تصلى أربعًا قبل الظهر واثنتين بعدها، وإما أن تصلى اثنتين قبل صلاة الظهر واثنتين بعدها، أي ذلك فعل المسلم بنية راتبة صلاة الظهر، أجزأه، وكان مؤديًا هذه السنة.
والدليل على مشروعية هذه الصفة الأحاديث التالية:
أ) عن أم حبيبة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها، حرمه الله على النار ". أخرجه الترمذي وابن ماجه (١)
والحديث يدل على استحباب صلاة أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعد الظهر، والمحافظة عليها.
ب) عن عبد الله بن شقيق؛ قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب منه آخر حديث رقم ٤٢٨)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه"، وأخرجه ابن ماجه في (كتاب الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن صلى قبل الظهر أربعًا وبعدها أربعًا، حديث رقم ١١٦٠)؛ بلفظ: " من صلى قبل الظهر "، وأخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب الأربع قبل الظهر وبعدها، حديث رقم ١٢٦٩)، والنسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ثواب من صلى في اليوم والليلة ثنتي عشرة ركعة سوى المكتوبة وذكر اختلاف الناقلين فيه لخبر أم حبيبة في ذلك والاختلاف على عطاء، ٣/٢٦٥) . والحديث صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (١/١٩١)، وصححه محقق "جامع الأصول " (٦/٢٤) . = وانظر حديثًا آخر في فضل هذه الركعات في " السلسلة الصحيحة " (حديث رقم ١٤٣١) .
[ ٣٠ ]
بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم؛ ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا؛ ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر؛ صلى ركعتين". أخرجه مسلم. (١)
قلت: والحديث يدل على مشروعية صلاة أربع قبل الظهر واثنتين بعدها.
والظاهر أنه كان يصليها ﵊ متصلة بتشهدين دون فصل بالتسليم، فتؤدى كالصلاة الرباعية، وتخصص من عموم حديث: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٢) .
قال أبو عيسى الترمذي: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة، وقال بعض أهل العلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى؛ يرون الفصل بين كل
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا وفعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا، حديث رقم ٧٣٠) .
(٢) حديث صحيح، عن ابن عمر أخرجه النسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف صلاة الليل، ٣/٢٢٧)، وقال النسائي: "هذا الحديث عندي خطأ". أهـ. – يعني: بزيادة لفظة: "النهار"-، وأخرجه ابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، حديث رقم ١٣٢٢) . والحديث صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (١/٢٢١)، و"صحيح سنن النسائي" (١/٣٦٦) .
[ ٣١ ]
ركعتين، وبه يقول الشافعي وأحمد". "سنن الترمذي" (٢/٢٨٩-٢٩٠) .
ج) وتقدم في فضل السنن الرواتب حديث أم حبيبة؛ قالت: سمعت الرسول ﷺ: " ما من عبد مسلم، يصلي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة، تطوعًا غير فريضة؛ إلا بنى الله له بيتًا في الجنة (أو: إلا بنى له بيت في الجنة)، [أربع ركعات قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر ] " الحديث.
د) وتقدم حديث عائشة ﵂: " كان لا يدع أربعًا قبل الظهر ".
هـ) وتقدم حديث ابن عمر ﵄: " حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها ".
ثالثًا: من فاتته الأربع قبل الظهر:
ورد عن الرسول ﷺ؛ أنه كان إذا فاتته الأربع قبل الظهر؛ صلاهن بعد صلاة الظهر.
عن عائشة: " إن النبي كان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر؛ صلاهن بعدها". أخرجه الترمذي وابن ماجه. (١)
والحديث يدل على أن من فاتته الأربع الركعات قبل الظهر؛ صلاهن بعد
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة باب منه آخر، حديث رقم ٤٢٦، ١/٣٢٧-تحفة)، وقال: " حسن غريب"، واللفظ له، وأخرجه ابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من فاتته الأربع قبل الظهر، حديث رقم ١١٥٨) بلفظ: " إذا فاتته الأربع قبل الظهر؛ صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر"، وهذا اللفظ منكر، والمعروف باللفظ الذي أثبته، كما حققه الألباني في "تمام المنة" (صلى الله عليه وسلم٢٤١) . والحديث باللفظ الذي أوردته صححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (١/١٣٤)، وضعفه في ضعيف ابن ماجه بالرواية المنكرة.
[ ٣٢ ]
فرض الظهر مطلقًا. (١)
رابعًا: من فاتته الركعتان بعد الظهر:
عن كريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ، فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد [صلاة] العصر، وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنهما (قال ابن عباس: وكنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها)؟ قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها ما أرسلوني به، فقالت: سل أم سلمة. فخرجت إليهم، فأخبرتهم بقولها، فردوني إلى أم سلمة بمثل ما أرسلوني به إلى عائشة، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، أما حين صلاهما؛ فإنه صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بنى حرام من الأنصار، فصلاهما فأرسلت إليه الجارية، فقلت: قومي بجنبه، فقولي له: تقول أم سلمة: يا رسول الله ﷺ! إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين، وأراك تصليهما " فإن أشار بيده؛ فاستأخري عنه. قال: ففعلت الجارية، فأشار بيده، فاستأخرت عنه، فلما انصرف؛ قال: "يا بنت أبي أمية! سألت عن الركعتين بعد العصر؟ إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان ". أخرجه الشيخان. (٢)
_________________
(١) إذا صحت الرواية التي بلفظ: " صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر"؛ فهذا هو المشروع، لكن الظاهر أنها منكرة، وعليه يشرع صلاتها بعد فرض الظهر مطلقًا، كما قال العلامة الألباني في "تمام المنة" (ص٢٤١) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب السهو، باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع، حديث رقم ١٢٣٣) والزيادة له، وأخرجه في (كتاب المغازي، باب وفد عن القيس، حديث رقم ٤٣٧٠)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي ﷺ بعد العصر، حديث رقم ٨٣٤) واللفظ له. وأخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/٣٠٦) بزيادة عن أم سلمة؛ أنها قالت للرسول: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: "لا" وهذه الزيادة معلولة؛ لأن الحفاظ رووا هذا الحديث بدونها، وثبت عن السيدة عائشة أنها كانت تصليهما كما في الحديث نفسه، فلو كانت هذه الزيادة ثابتة؛ لعلمتها، وهي التي أرسلت كريبًا إلى أم سلمة، ومن أجل هذه الزيادة أورد الألباني هذه الرواية في (سلسلة الأحاديث الضعيفة، حديث رقم ٩٤٦)، حاكمًا بنكارتها.
[ ٣٣ ]
قلت: الحديث يدل على مشروعية قضاء سنة الظهر البعدية إذا فاتتا.
فإن قيل: ذكر في الحديث أن أم سلمة قالت: " يا رسول الله! سمعتك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما"، وهذا يقتضي النهي عن تلك الركعتين.
فالجواب: الظاهر من الحديث أن النهي عن هاتين الركعتين بعد العصر إنما هو لمن داوم عليهما ظنًا أنها سنة (١)، ألا ترى أنه ذكر في الحديث نفسه أن السيدة عائشة ﵂ كانت تصليهما: " اقرأ ﵍ منا جميعًا وسلها عن الركعتين بعد العصر، وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينهما فقالت السيدة عائشة: سل أم سلمة "، فلو كان المراد من النهي عن الركعتين بعد العصر على الإطلاق؛ ما صلتهما عائشة. والله أعلم.
وهناك تعليل آخر، وهو أن النهي عن الركعتين بعد العصر لمن صلاها والشمس غير بيضاء نقية؛ فإن الرسول ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة، ولذلك لما أجابها ﵊؛ بين لها سبب هاتين الركعتين، وأنهما الركعتان بعد الظهر، فدل الحديث على جواز قضاء راتبة الظهر البعدية في وقت النهي.
_________________
(١) أما مدوامته ﷺ على صلاتها؛ فهذا من خصائصه ﵊ قالت السيدة عائشة " وكان إذا صلى صلاة أثبتها ". أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي بعد العصر، حديث رقم ٨٣٥) .
[ ٣٤ ]
وقد ثبت ما يدل على هذا؛ فإن ابن عباس قال في هذا الحديث: " كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عليها "؛ يعني: أنه كان ينهى الناس عن الصلاة بعد العصر مطلقًا، والظاهر أن عائشة بلغها هذا، فقالت: وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. وفي رواية عنها: قالت: لم يدع رسول الله ﷺ الركعتين بعد العصر. قال: فقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ: "لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها فتصلوا عند ذلك". رواه مسلم. (١)
فدل هذا على النهي عن الصلاة عند غروب الشمس، ومفهومه أن الصلاة بعد العصر والشمس بيضاء نقية غير داخل في النهي، وهذا المفهوم جاء منطوقًا في حديث عن على بن أبي طالب مرفوعًا: " نهى عن الصلاة بعد العصر؛ إلا والشمس مرتفعة". أخرجه أبو داود والنسائي، وفي رواية لأحمد: " لا تصلوا بعد العصر؛ إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة" (٢) .