صلاة الليل سنة مستحبة، والوتر في آخرها سنة مؤكدة، هذا ما دلت عليه النصوص؛ فمن ذلك الأحاديث التالية:
أ) عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ؛ قال: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" متفق عليه. (٢)
ب) عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ
_________________
(١) حديث حسن لغيره. أخرجه أحمد في "المسند" (٢/٢٠٦-٢٠٨)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/٢٩٧)، والحديث صححه الألباني في "إرواء الغليل" (٢/١٥٩) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وترًا، حديث رقم ٩٩٨)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، حديث رقم ٧٥١) . فائدة: قال ابن دقيق العيد تعليقًا على هذا الحديث: " قد يستدل بصيغة الأمر من يرى وجوب الوتر، فإن كان يرى بوجوب الوتر كونه آخر صلاة الليل؛ فالأمر قريب، ولا أعلم أحدًا قال ذلك". اهـ. "أحكام الأحكام" (٢/٨٤) . قلت: كذا قال ﵀، وقال ابن تيمية: "يجب الوتر على من يتهجد بالليل، وهو مذهب بعض من يوجبه مطلقًا". اهـ. "الاختيارات الفقهية" (ص ٦٤) . أقول: الراجح أن الوتر ليس بواجب، كما ستأتي الأدلة على تقريره -أعلاه- وقد قال ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٢٣/٨٨): "الوتر سنة مؤكدة باتفاق المسلمين، ومن أصر على تركه؛ ترد شهادته". اهـ. وهذا الصواب.
[ ٤٦ ]
يقول: " الوتر حق". أخرجه أحمد وأبو داود. (١)
ج) عن أبي أيوب الأنصاري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث؛ فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة؛ فليفعل ".
وفي رواية: " الوتر حق، فمن شاء؛ أوتر بسبع؛ ومن شاء؛ أوتر بخمس، ومن شاء؛ أوتر بثلاث، ومن شاء؛ أوتر بواحدة، ومن شاء؛ أومأ إيماء". (٢)
_________________
(١) حديث حسن لغيره. أخرجه أحمد في "المسند" (٤/٢٧٤- الفتح الرباني)، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب فيمن لم يوتر، حديث رقم ١٤١٩)، والحاكم في "المستدرك" (١/٣٠٥)، وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي ثقة يجمع حديثه، ولم يخرجاه ". اهـ. =قلت: والذي يظهر في حال أبي المنيب - أحد رواة الحديث - أنه يقبل في المتابعات والشواهد، وقد جاء لهذا المقطع ما يشهد له، أما بقية الحديث - وهو: " فمن لم يوتر؛ فليس منا" -؛ فلا ترتقي إلى الحسن؛ لعدم وجود ما يشهد لها، ولذلك ضعف الألباني هذا الحديث لهذه الزيادة في تحقيقه "للمشكاة" (١/٣٩٩)، ثم يسر الله لي الوقوف في "مصنف ابن أبي شيبة " (٢/٢٩٧) على شاهد له: قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن خليل بن مرة، عن معاوية بن مرة، عن أبي هريرة؛ قال رسول الله ﷺ: " من لم يوتر فليس منا ". قلت: وخليل ضعيف يصلح للاعتبار إن شاء الله؛ فهو شاهد لحديث أبي المنيب يرقيه إلى مرتبة الحسن لغيره في المقطع الثاني؛ فالحمد لله على توفيقه. ومما يشهد للمقطع الذي أوردته في الأصل الحديث التالي.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب حكم الوتر؟ حديث رقم ١٤٢١، ١/٥٣٤- عون) واللفظ له، وأخرجه النسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر الاختلاف على الزهري في حديث أبي أيوب في الوتر، ٣/٢٣٨-٢٣٩) والرواية له، وابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الوتر بثلاث وخمس وسبع وتسع، حديث رقم ١١٩٠)، والطحاوي في "شرح ص٤٨ معانى الآثار" (١/٢٩١)، وصححه ابن حبان (٦/١٦٧، ١٧٠-١٧١، حديث رقم ٢٤٠٧ و٢٤١٠ و٢٤١١- الإحسان)، والحاكم في "مستدركه" (١/٣٠٢) .
[ ٤٧ ]
قلت: هذه الأحاديث تدل على تأكيد استحباب صلاة الليل والوتر، بل فيها ما قد يشعر بوجوب الوتر: إما مطلقًا، وإما في حق من يتهجد بالليل.
لكن ورد ما يدل على أن صلاة الليل والوتر ليستا بحتم، من ذلك:
عن علي ﵁؛ قال: " الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة، ولكنه سنة سنها رسول الله ﷺ ". أخرجه النسائي. (١)
قلت: وهذا صريح في عدم وجوب الوتر، ولا أعلم له مخالفًا من الصحابة؛ فقوله هذا له حكم الإجماع السكوتي. (٢)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل، فترك قيام الليل ". أخرجه البخاري ومسلم. (٣)
_________________
(١) أثر حسن. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/٢٩٦)، وعبد الرازق في "المصنف" (٣/٣-رقم ٤٥٦٩)، والنسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الأمر بالوتر، ٣/٢٢٩) واللفظ له، وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم)، وقال الترمذي: " حديث حسن". وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي " ١/٣٦٨) .
(٢) ثم رأيت ابن رجب في "شرح البخاري" له (مخطوط) (كتاب الوتر) في شرحه للحديث الأول منه يقول: "وروي عن أبي أيوب أنه واجب، وعن معاذ من وجه منقطع " اهـ. قلت: ولم أقف على هذه الرواية عن أبي أيوب، وانظر: " معجم فقه السلف" (٢/١٨٦) .
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، حديث رقم ١١٥٢) واللفظ له، ومسلم في (كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر، حديث رقم ١١٥٩) .
[ ٤٨ ]
في هذا الحديث دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبًا؛ لم يكتف لتاركه بهذا القدر، بل كان يذمه أبلغ الذم. (١)
عن علي بن أبي طالب؛ قال: إن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت النبي ﵇ ليلة، فقال: " ألا تصليان؟ " فقلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا؛ بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلي شيئًا، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: " وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا". متفق عليه. (٢)
قلت: ولو كان قيام الليل واجبًا، لما عذره بقوله ذاك، والله أعلم. (٣)
عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن رسول الله ﷺ صلى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح؛ قال: " قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم؛ إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان ". متفق عليه. (٤)
_________________
(١) انظر: " فتح الباري " (٣/٣٨) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، حديث رقم ١١٢٧) واللفظ له، وله عنده مواضع أخرى تحت الأرقام التالية: (٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما ورد فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، حديث رقم ٧٧٥) .
(٣) انظر: "فتح الباري " (٣/١١) قلت: وقد بوب عليه البخاري: "باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب".
(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل، ص٥٠ حديث رقم ١١٢٩)، وطرفه تحت (رقم ٢٠١٢)، واللفظ له، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث رقم ٧٦١) والرواية المشار إليها له.
[ ٤٩ ]
وفي رواية: " ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم "؛ فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته؛ إلا الصلاة المكتوبة ". أخرجها مسلم عن زيد بن ثابت. (١)
قلت: هذا الحديث فيه دلالة ظاهرة على عدم وجوب صلاة الليل، إذ نص الرسول أنها من صلاة البيوت التي ليست بواجبة، وذلك أنه ﷺ خشي أن تفرض عليهم صلاة الليل جماعة في المساجد في رمضان، فدل ذلك أنها ليست بواجبة جماعة في المساجد في رمضان وفي غير رمضان كذلك؛ لعدم الفرق، وأفرادًا كذلك. (٢)
عن ابن عمر؛ قال: " كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماءً صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته". أخرجه البخاري. (٣)
قلت: ثبت بالاستقراء أنه ﷺ لم يصل فريضة على راحلته، فدلت صلاته صلاة الليل والوتر على الراحلة أنها من التطوع الذي ليس بحتم كهيئة المكتوبة. (٤)
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد، تحت رقم ٧٨١) .
(٢) وانظر: " فتح الباري" (١/١٤) .
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب الوتر، باب الوتر في السفر، حديث رقم ١٠٠٠) .
(٤) وانظر: "فتح الباري" (٢/٤٨٩) .
[ ٥٠ ]
ومن الأدلة على عدم وجوب صلاة الليل والوتر ما سبق عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله ﷺ: " أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم. (١)
وفيه دلالة على عدم وجوب صلاة الليل، إذ فاضل بين صلاة الليل وسائر الصلوات غير الفريضة، وقرن في التفضيل بين صيام شهر الله المحرم وصلاة الليل؛ فكما أن صيام شهر الله المحرم ليس بواجب؛ فكذا صلاة الليل، والله أعلم.
والمقصود: أن مجموع هذه النصوص يدل على عدم وجوب صلاة الليل والوتر؛ فهي قرينة صارفة لما قد تشعر به بعض الأحاديث بوجوب الوتر، صارفة من الوجوب إلى الاستحباب. والله أعلم.
ويؤكد عدم الوجوب ما ذكرته السيدة عائشة ﵂؛ من أن قيام الليل كان فرضًا في أول الأمر، ثم أنزل الله التخفيف في آخر سورة المزمل، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة. (٢)
_________________
(١) سبق تخريجه في الفصل الأول من هذا الباب (١-٣)
(٢) حديث صحيح. سيأتي نصه وتخريجه انظر: (٦/٤-٣) . فإن قيل: قيام الليل غير الوتر. فالجواب: الذي دلت عليه النصوص أن قيام الليل والوتر صلاة واحدة، ويعبر عنها بالشفع والوتر. وفي "سنن الترمذي" (٢/٣٢٠-٣٢١): " قال إسحاق بن راهويه: معنى ما روي أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة؛ قال: إنما معناه أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إلى الوتر. وروى في ذلك حديثًا عن عائشة، واحتج بما روي عن النبي ﷺ؛ أنه قال: " أوتروا يا أهل القرآن! ". قال: إنما عنى به قيام الليل؛ يقول: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن". اهـ.
[ ٥١ ]