يشتمل هذا الفصل على مسائل:
المسألة الأولى: فضلها.
المسألة الثانية: حكمها.
المسألة الثالث: وقتها.
المسألة الرابعة: عدد ركعاتها وصفتها.
وبيان هذه المسائل هو التالي:
- (١-٢-٤) فضل صلاة الضحى:
وردت أحاديث في فضل صلاة الضحى، أذكر منها الأحاديث التالية:
_________________
(١) حديث حسن. سيأتي تخريجه في (٣-٢-٤) في صلاة الضحى.
[ ٨٣ ]
عن أبي ذر، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: " يصبح على كل سلامى (١) من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم. (٢)
عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ، عن الله ﷿؛ أنه قال: " ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي. (٣)
عن أبي هريرة؛ قال: قال: " لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب". قال: "وهي صلاة الأوابين". أخرجه ابن خزيمة والحاكم. (٤)
_________________
(١) سلامى: مفرد، جمعه: السلاميات، وهى مفاصل الأصابع، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله. "شرح مسلم للنووي" (٥/٢٣٣) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها، حديث رقم ٧٢٠) ٠ وانظر: "جامع الأصول" (٩/٤٣٦) .
(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد في "المسند" (٦/٤٤٠، ٤٥١)، وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الضحى، حديث رقم ٤٧٥) . والحديث قال عنه الترمذي: " حسن غريب"، وصححه الشيخ أحمد شاكر في " تحقيقه" للترمذي، والألباني في "صحيح سنن الترمذي" (١/١٤٧)، وحسنه محقق " جامع الأصول" (٩/٤٣٧) .
(٤) حديث حسن. أخرجه ابن خزيمة (٢/٢٢٨)، والحاكم في "المستدرك" (١/٣١٤) واللفظ لهما، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢/٢٧٩ - مجمع البحرين)؛ دون قوله: " وهي صلاة الأوابين". والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم، وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (حديث رقم ١٩٩٤) .
[ ٨٤ ]
- (٢-٢-٤) حكم صلاة الضحى:
الأحاديث السابقة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة. (١)
وفيها ما يدل على مشروعية المداومة عليها. (٢)
ولم يثبت ما يدل على وجوبها.
- (٣-٢-٤) وقت صلاة الضحى:
يبدأ وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس إلى الزوال.
وأفضله وقت اشتداد الشمس.
الدليل على ذلك ما يلي:
أما أول وقتها؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء وأبي ذر السابق، ومحل الشاهد فيه: "اركع لي من أول النهار أربع ركعات ".
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٢/٢٨٤) .
(٢) هذا هو ظاهر ما تدل عليه الأحاديث السابقة. "نيل الأوطار" (٣/٧٧) . أما الشيخ ابن تيمية؛ فإنه ﵀ بعد أن قرر اتفاق أهل العلم بسنته على أن النبي ﷺ لم يكن يداوم على صلاة الضحى، ثم قرر استحبابها؛ قال: "بقي أن يقال: فهل الأفضل المداومة عليها؟ أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبي ﷺ؟ هذا مما تنازعوا فيه. والأشبه أن يقال: من كان مداومًا على قيام الليل؛ أغناه عن المداومة على صلاة الضحى؛ كما كان النبي ﷺ، ومن كان ينام عن قيام الليل؛ فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل ". اهـ. "مجموع الفتاوى" (٢٢/٢٨٤) . قلت: لكن ظاهر النصوص استحباب المداومة على الإطلاق، وقد كان رسول الله ﷺ يدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم؛ فهذا علة عدم مداومته ﵊، فتبقى النصوص على إطلاقها وقد أشارت إلى شيء من هذا السيدة عائشة ﵂. انظر: "جامع الأصول" (٦/١٠٨-١٠٩) .
[ ٨٥ ]
وكذا ما جاء عن أنس ﵁: قال رسول الله ﷺ: " من صلى الغداة في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين (١)؛ كانت له كأجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة ". أخرجه الترمذي. (٢)
وعن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " من صلى صلاة الصبح في مسجد جماعة، يثبت فيه حتى يصلي سبحة الضحى، كان كأجر حاج أو معتمر؛ تامًا حجته وعمرته". أخرجه الطبراني.
وفي رواية: " من صلى صلاة الغداة في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس " أخرجها الطبراني. (٣)
أما خروج وقتها بالزوال؛ فلأنها صلاة الضحى.
أما وقت الفضيلة فيها؛ فيدل عليه ما جاء عن زيد بن أرقم؛ أنه رأى قومًا
_________________
(١) قال الطيبي: " وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول صلاة الضحى". نقله في "تحفة الأحوذي" (١/٤٠٥) . قلت: وقد قدمت لك ذلك بأبسط من هذه الإشارة؛ فانظر (١-٤ صلاة الإشراق) .
(٢) حديث حسن لغيره. أخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ذكر ما يستحب من الجلوس في المسجد بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) . والحديث قال عنه الترمذي: " حسن غريب" اهـ، وحسنه بشواهد المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/٤٠٦)، ووافقه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للترمذي (٢/٤٨١)، وحسنه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (١/١٨٢)، وحسنه بشواهده محقق " جامع الأصول" (٩/٤٠١) . قلت: ومن شواهده الحديث التالي.
(٣) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/١٧٤، ١٨١، ٢٠٩) . والحديث جود إسناده المنذري والهيثمي، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/١٨٩) . وانظر: "مجمع الزوائد" (١٠/١٠٤) .
[ ٨٦ ]
يصلون من الضحى، فقال: أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: " صلاة الأوابين حين ترمض (١) الفصال". أخرجه مسلم. (٢)
- (٤-٢-٤) عدد ركعات صلاة الضحى وصفتها:
يشرع للمسلم أن يصلي صلاة الضحى ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو اثني عشرة ركعة.
يصليها ركعتين ركعتين إن شاء.
أما أنها تصلى ركعتين؛ فيدل عليه حديث أبي ذر: قال رسول الله ﷺ: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة (الحديث وفيه: ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى". أخرجه مسلم. (٣)
أما أنها تصلى أربع ركعات؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ، عن الله ﷿؛ أنه قال: "ابن آدم! اركع لي من أول النهار أربع ركعات؛ أكفك آخره". أخرجه الترمذي (٤) .
أما أنها تصلى ست ركعات؛ فيدل عليه حديث أنس بن مالك " أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ست ركعات ". أخرجه الترمذي في "الشمائل" (٥) .
_________________
(١) قال النووي في "شرح مسلم" (٦/٣٠): "الرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس؛ أي: حين يجد الفصيل حر الشمس، والفصيل: الصغار من أولاد الإبل ". اهـ. وانظر: "نيل الأوطار" (٢/٨١)
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، حديث رقم ٧٤٨) .
(٣) سبق قبل قليل تخريجه
(٤) سبق قبل قليل تخريجه
(٥) حديث صحيح لغيره. أخرجه الترمذي في (كتاب الشمائل، باب صلاة الضحى، حديث رقم ٢٧٣) والحديث صححه لغيره في "مختصر الشمائل المحمدية" (ص١٥٦)، وذكر شواهده وطرقه في "إرواء الغليل" (٢/٢١٦) .
[ ٨٧ ]
أما أنها تصلى ثمان ركعات؛ فيدل عليه حديث أم هانئ؛ قالت: "لما كان عام الفتح، أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، قام رسول الله ﷺ إلى غسله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه، فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى" (١) . أخرجه الشيخان. (٢)
أما أنها تصلى اثني عشرة ركعة؛ فيدل عليه حديث أبي الدرداء ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: " من صلى الضحى ركعتين؛ لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا؛ كتب من العابدين، ومن صلى ستًا؛ كفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيًا؛ كتبه الله من القانتين، ومن صلى ثنتي عشرة ركعة؛ بنى الله له بيتًا في الجنة، وما من يوم ولا ليلة إلا لله من يمن به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يلهمه ذكره". أخرجه الطبراني. (٣)
_________________
(١) فيه رد على من زعم أن هذه الصلاة هي صلاة الفتح وليست صلاة الضحى: انظر: "زاد المعاد" (٣/٤١٠)، و"عون المعبود" (١/٤٩٧) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مواضع منها في (كتاب التهجد، باب صلاة الضحى في السفر، حديث رقم ١١٧٦)، ومسلم في (كتاب الحيض، باب تستر المغتسل بثوب ونحوه، حديث رقم ٣٣٦) واللفظ له. وانظر: "جامع الأصول" (٦/١١٠) .
(٣) أورد هذا الحديث الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/٢٣٧)، وقال: " رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه موسى بن يعقوب الزمعي؛ وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه ابن المديني وغيره، وبقية رجاله الثقات". اهـ. قلت: موسى بن يعقوب صدوق سييء الحفظ؛ كما في "التقريب" (ص ٥٥٤)، وقد أخرج البزار "كشف الأستار" (٢/٣٣٤) ما يشهد له عن أبي ذر، أورده المنذري في "الترغيب" وحسن الألباني حديث أبي الدرداء وأبي ذر في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/٢٧٩) .
[ ٨٨ ]
وقلت: وعلى هذه الأحاديث يحمل إطلاق السيدة عائشة ﵂ لما سألتها معاذة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: "أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله". أخرجه مسلم. (١)
أما أنها تصلى ركعتين ركعتين؛ فيدل عليه عموم قوله ﵊: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (٢) .
وللمسلم أن يصلي الأربع متصلات؛ كالصلاة الرباعية، ويدل عليه
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست والحث على المحافظة عليها، حديث رقم ٧١٩) .
(٢) حديث صحيح. تقدم تخريجه، انظر: المسألة الثانية في (٢-٢-٢) . =تنبيه: جاءت رواية لحديث أم هانئ المتقدم بلفظ: " إن رسول الله ﷺ صلى سبحة الضحى ثمان ركعات؛ يسلم من كل ركعتين "، وحديث أم هانئ أصله في "الصحيحين"، ولكن بغير هذا اللفظ. وأخرجه به أبو داود في (كتاب الصلاة، باب صلاة الضحى، حديث رقم ١٢٣٤، ٢/٢٣٤) . وفي السند عندهما: عياض بن عبد الله، والراوي عنه: عبد الله بن وهب؛ قال أبو حاتم عن عياض: "ليس بالقوي " وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الشاجي: "روى عنه ابن وهب أحاديث فيها نظر". وقال يحيى ابن معين: "ضعيف الحديث". وقال أبو صالح: "ثبت، له بالمدينة شأن كبير، في حديثه شيء". وقال البخاري: " منكر الحديث". "تهذيب التهذيب" (٨/٢٠١) . قلت: حديثه هنا يرويه عنه ابن وهب، والظاهر من حال الرجل أنه لا يحتمل تفرده، وهذا اللفظ تفرد به. والله أعلم. والحديث بهذا اللفظ ضعفه الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة" (٢/٢٣٤)، وفصل في بيان علته في "تمام المنة" (ص٢٥٨- ٢٥٩) .
[ ٨٩ ]
إطلاق لفظ الأحاديث الواردة في ذلك؛ كقوله ﷺ: " اركع لي من أول النهار أربع ركعات"، وكقوله: " من صلى أربعًا؛ كتب من العابدين". والله أعلم.