وردت في فضل صلوات التطوع أحاديث كثيرة؛ منها:
أ) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم (١) الصلاة". قال: " يقول ربنا جل وعز لملائكته - وهو أعلم -: انظروا في صلاة عبدي؛ أتمها أم نقصها (٢)؟
فإن كانت
_________________
(١) أي: المتعلقة بحق الله تعالى. " دليل الفالحين" (٣/٥٨٠) .
(٢) قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي" (٢/٢٠٧): "يحتمل أن يكون يكمل له ما نقص من فرض الصلاة واعدادها بفضل التطوع، ويحتمل ما نقصه من الخشوع. والأول عندي أظهر؛ لقوله: " ثم الزكاة كذلك وسائر الأعمال"، وليس في الزكاة إلا فرض أو فضل؛ فكما يكمل فرض الزكاة بفضلها، كذلك الصلاة، وفضل الله أوسع ووعده أنفذ وعزمه أعم وأتم" اهـ قال العراقي فيما نقله عنه في "تحفة الأحوذي" (١/٣١٨): " يحتمل أن يراد به ما انتقصه من السنن والهيئات المشروعة فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله فيها، وإنما فعله في التطوع. ويحتمل أن يراد به ما انتقص أيضًا من فروضها وشروطها. ويحتمل أن يراد ما ترك من الفرائض رأسًا، فلم يصله، فيعوض عنه من التطوع، والله ﷾ يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلوات المفروضة ". اهـ.
[ ١٣ ]
تامة؛ كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئًا، قال: انظروا؛ هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع؛ قال: أتمموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم" أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة. (١)
والحديث فيه بيان حكمة من حكم مشروعية صلوات التطوع.
ب) عن ربيعة بن كعب بن مالك الأسلمي؛ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل". فقلت: أسألك مرافقتك في
_________________
(١) حديث صحيح لغيره. أخرجه أحمد في "المسند" (٢/٢٩٠)، وابن المبارك في "الزهد" (٩١٥)، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ: " كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"، حديث رقم ٨٦٤/١ / ٣٢٢-عون) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة، (١/٢٣٢)، والترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، حديث رقم ٤١٣، ١/٣١٨ – تحفة) وقال الترمذي: " حسن غريب من هذا الوجه"، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٢٦٢)، وقال: "صحيح الإسناد". والحديث حسنه البغوي في " شرح السنة" (٤/١٥٩)، وصححه محقق "شرح السنة" وكذا صححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (١/٢٤٠)، وفي " صحيح سنن الترمذي" (١/١٣٠)، وفي "صحيح سنن النسائي" (١/١٠١)، وفي "صحيح سنن أبي داود" (١/١٦٣) .
[ ١٤ ]
الجنة. قال: " أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك! قال: " فأعني على نفسك بكثرة السجود". أخرجه مسلم وأصحاب السنن (١) .
ج) عن معدان بن أبي طلحة اليعمري؛ قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة (أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله)؟ فسكت، ثم سألته؟ فسكت، ثم سألته الثالثة؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: " عليك بكثرة السجود لله (٢)؛ فإنك لا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٠٦و ١٢٣٦)، وأخرجه مسلم في "صحيحه" (كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، حديث رقم ٤٨٩) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الإمامة، باب فضل السجود، ٢/٢٢٧)، والترمذي في (أبواب الدعوات، باب منه، ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل، حديث رقم ٣٤١٦، ٤/٢٣٤- تحفة) مقتصرًا على طرف منه دون محل الشاهد، وأبو داود في (كتاب الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث رقم ١٣٢٠، ١/٥٠٧-عون)، وابن ماجه في (كتاب الدعاء، باب ما يدعو به إذا انتبه من الليل، ٣٨٧٩) أخرج طرفًا منه دون محل الشاهد. وليس لربيعة بن كعب في الكتب الستة سوى هذا الحديث. انظر: "تحفة الأشراف" (٣/١٦٨) .
(٢) المراد بالسجود هنا: صلوات التطوع؛ لأن السجود بغير صلاة أو لغير سبب، غير مرغب فيه على انفراده. والسجود وإن كان يصدق على الفرض، لكن الإتيان بالفرائض لابد منه لكل مسلم، وإنما أرشده الرسول ﷺ إلى شيء يختص به ينال به ما طلبه. ولذلك أورد ابن حجر العسقلاني حديث ربيعة بن مالك في باب صلاة التطوع من "بلوغ المرام" (٢/٣-سبل) . فإن قلت: ما السر في التعبير عن الركعة بالسجود؟ فالجواب: لأن السجود أكثر أعمال الصلاة تحققًا في العبودية لله ﷿؛ فهو كاسر للنفس، ومذل لها، وفيه يتحقق معنى من معاني العبودية؛ وهو: الخضوع، حيث حقيقة العبادة تمام المحبة لله مع تمام الخضوع له، وأي نفس انكسرت وذلت لله ﷿؛ استحقت الرحمة، ولما ورد في السجود عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ ص ١٦ فأكثروا الدعاء" أخرجه مسلم في (كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، حديث رقم ٤٨٢) .
[ ١٥ ]
تسجد لله سجدة؛ إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة". قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته؟ فقال لي مثل ما قال لي ثوبان. (١) .
والحديثان يدلان على فضيلة الإكثار من صلوات التطوع.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، حديث رقم ٤٨٨) واللفظ له، والنسائي في (كتاب الإمامة، باب ثواب من سجد لله ﷿ سجدة، ٢/٢٢٨)، وابن ماجه في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في كثرة السجود، حديث رقم ١٤٢٣)، والترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود، حديث رقم ٣٨٨، ١/٣٠٠ – تحفة) . تنبيه: هذا الحديث عزاه المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/٣٠٠) لأبي داود ولم أجده، ولم يعزه إليه في "تحفة الأشراف" (٢/١٤٠)، وكذا لم يشر في "ذخائر المواريث" إلى أبي داود فيمن أخرجه.
[ ١٦ ]