صلاة الليل والوتر إحدى عشرة ركعة، ما زاد رسول الله ﷺ عليها، وقد وردت عنه ﵊ بأوصاف متنوعة، إذا صلى المسلم بأي صفة منها؛ أجزأته وهذه الأوصاف هي التالية:
- (١-٤-٣) صلاة الليل مثنى مثنى والوتر بواحدة:
عن عبد الله بن عمر؛ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل؟ فقال رسول الله ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". وفي رواية: " قام رجل فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؟ ". أخرجه الشيخان. (٣)
_________________
(١) "مختصر قيام الليل " (ص١١٩)
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، حديث رقم ٧٥٥) .
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، حديث رقم ٩٩٠) واللفظ له، والرواية المشار إليها أخرجها في (كتاب الصلاة، باب الحلق في المسجد، حديث رقم ٤٧٣) ص٥٤ بنحوه، ولفظها لمسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، حديث رقم ٧٤٩) .
[ ٥٣ ]
قلت: والحديث يدل على أن صلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين.
وأن الوتر يشرع كونه آخر صلاة الليل.
وأن الوتر بركعة واحدة مفصولة عما قبلها مشروع.
وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على تعين الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل؛ لأن هذا ظاهر السياق؛ لحصر المبتدأ في الخبر.
وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل للمصلي؛ لما صح من فعله ﷺ بخلافه؛ كما سيأتي إن شاء الله.
وليس في الحديث ما يعين أن جوابه ﷺ بقوله: "صلاة الليل مثنى مثنى"؛ أن هذا هو الأفضل، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف؛ إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها؛ لما فيه من الراحة غالبًا، وقضاء ما يعرض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط؛ لما واظب عليه الرسول ﷺ، ومن ادعى اختصاصه به؛ فعليه البيان، وقد صح عنه الفصل كما صح عنه الوصل. (١)
وقد استدل بعضهم بالحديث على أن صلاة الليل لا حد لأكثرها، وفيه نظر من وجوه؛ منها:
الوجه الأول: أن الثابت من فعله ﷺ في صلاة الليل والوتر أنه لم يزد فيها عن إحدى عشرة ركعة.
الوجه الثاني: وردت رواية لهذا الحديث تفسره، وهي الرواية المشار إليها سابقًا، وقد أخرجها البخاري بلفظ: " أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ وهو يخطب،
_________________
(١) "فتح الباري" (٢/٤٧٩) .
[ ٥٤ ]
فقال: كيف صلاة الليل؟ فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بواحدة؛ توتر لك ما قد صليت" (١)، وهذه الرواية فيها بيان أن المراد بقوله ﷺ: "مثنى مثنى" بيان كيفية الصلاة لا كمية الصلاة، فلا يريد الرسول ﷺ بقوله ذاك بيان العدد، وإنما الفصل والوصل؛ فصلاة الليل تصلى ركعتين ركعتين، وأولى ما فسر به الحديث من الحديث. (٢)
الوجه الثالث: أن قوله ﷺ: " مثنى مثنى": يفيد إرادة الصفة، لا إرادة العدد، إذ العدد المعدول (مثنى مثنى) إنما يعني: صلي صلاة الليل ركعتين ركعتين؛ دون أن يراد بيان العدد؛ فافهم. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء:٣] . (٣)
- (٢-٤-٣) الوتر بركعة واحدة: يشرع الوتر بركعة واحدة، ومما يدل عليه ما يلي:
أ) ما سبق من قوله ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح؛ فأوتر بركعة ".
ب) ما سبق من حديث أبي أيوب: قال رسول الله ﷺ: " الوتر حق على كل مسلم، فمن شاء؛ أوتر بسبع، ومن شاء؛ أوتر بخمس، ومن شاء بثلاث، ومن شاء؛ أوتر بواحدة، فمن غلب؛ فليومئ إيماء".
ج) عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: " الوتر ركعة من آخر الليل ". أخرجه مسلم. (٤)
_________________
(١) أخرجها: البخاري في (كتاب الصلاة، باب الحلق في المسجد، حديث رقم ٤٧٣) .
(٢) "فتح الباري" (٢/٤٧٨-٤٧٩) .
(٣) انظر: "تفسير الزجاج" (٢/١٠)، "تفسير القرطبي" (٥/١٨)، و"شرح قطر الندى" (ص٣١٦)، في موانع الصرف – العلة الخامسة.
(٤) حديث صحيح. ص٥٦ أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، حديث رقم ٧٥٢) .
[ ٥٥ ]
- (٣-٤-٣) الوتر بثلاث ركعات:
ويشرع الوتر بثلاث ركعات فقط، ولك أن تصليها على صفتين، ما تيسر لك منها يجزئ عنك، وهي التالية:
الأولى: أن تصلي هذه الركعات الثلاث: ركعتين ثم تسلم، ثم تصلي ركعة واحدة.
الثانية: أن تصليها ثلاث ركعات متصلة، لا تقعد إلا في آخرهن:
لما ثبت عن أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: " لا توتروا بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمس، أو بسبع، أو بتسع، أو بإحدى عشرة". أخرجه الحاكم. (١)
وقد ثبت أداء الثلاث موصولات دون قعود إلا في آخرهن عن رسول الله ﷺ؛ فقد جاء عن أبي بن كعب؛ قال: " كان رسول الله يقرأ من الوتر بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفي الركعة الثانية بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾، ولا يسلم إلا في آخرهن". أخرجه النسائي. (٢)
وعن عائشة؛ قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا في
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/٣١٤) وصححه على شرطهما، والطحاوي في "شرح معانى الآثار" (١/٢٩٢)، وصححه الألباني في "صلاة التراويح" (ص٨٥) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه النسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي بن كعب في الوتر، ٣/٢٣٥-٢٣٦)، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي" (١/٣٧٢) .
[ ٥٦ ]
آخرهن ". أخرجه الحاكم. (١) وعن بعض الصحابة رضوان الله عليهم. (٢)
ومن الأدلة على مشروعية الوتر بثلاث ركعات ما تقدم في حديث أبي أيوب: "ومن أحب أن يوتر بثلاث؛ فليفعل".
- (٤-٤-٣) الوتر بخمس ركعات:
يشرع الوتر بخمس ركعات، ولك أن تصليها على صفتين:
الأولى: أن تصلي ركعتين، ثم تصلي ركعتين، ثم تصلي ركعة.
الثانية: أن تصليها خمس ركعات موصولات، لا تجلس إلا في آخرهن.
والدليل على ذلك جميعه ما يلي:
أ) ما سبق في حديث أبي أيوب المتقدم: "من أحب أن يوتر بخمس؛ فليفعل".
_________________
(١) "مستدرك الحاكم" (١/٣٠٤)، وانظر: "فتح الباري" (٢/٤٨١) .
(٢) انظر: " المستدرك " للحاكم (١/٣٠٤)، " مختصر قيام الليل لابن نصر" للمقريزي (ص١٢٦) . فائدة: قال العلامة الألباني: " إن الإيتار بثلاث بتشهدين كصلاة المغرب لم يأت فيه حديث صحيح صريح، بل هو لا يخلو من كراهة، ولذلك نختار أن لا يقعد بين الشفع والوتر، وإذا قعد؛ سلم، وهذا هو الأفضل؛ لما تقدم، والله الموفق، لا رب سواه". اهـ. "صلاة التراويح" (ص٩٨) . قلت: وذهب الشوكاني في "نيل الأوطار" (٣/٤٤) إلى أن الأحوط ترك الإيتار بثلاث متصلة مطلقًا. وعندي: لا معنى لهذا الاحتياط مع ثبوت إيتار الرسول ﷺ والصحابة بثلاث بتشهد واحد في آخرها، والأمر عندي كما قال الألباني. والله أعلم.
[ ٥٧ ]
ب) ما سبق في حديث ابن عمر: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر؛ أوتر بركعة".
ج) عن عائشة ﵂؛ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس إلا في آخرها". وفي رواية: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر ". أخرجه مسلم. (١)
د) وعنها؛ قالت: " إن النبي ﷺ كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في الآخرة منهن". أخرجه أبو عوانة. (٢)
- (٥-٤-٣) الوتر بسبع ركعات:
يشرع الوتر بسبع ركعات، ويؤدى على صفتين:
الأولى: أن يصلي ست ركعات مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة.
الثانية: أن يصلي سبع ركعات موصولات، لا يقعد إلا في السادسة، فيتشهد، ثم يقوم ولا يسلم، ويأتي بالسابعة ثم يسلم.
ومما يدل على ذلك ما يلي:
حديث أبي أيوب، وفيه: " الوتر حق، فمن شاء؛ أوتر بسبع".
عن أم سلمة: " كان النبي ﷺ يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كبر
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم ٧٣٧)، والرواية الأخرى له أيضًا.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو عوانة (٢/٣٢٥)
[ ٥٨ ]
وضعف أوتر بسبع". أخرجه الترمذي والنسائي. (١)
ج) حديث ابن عمر المتقدم: " صلاة الليل مثنى مثنى ".
د) عن عائشة؛ قالت: " كان رسول الله ﷺ إذا أوتر بتسع ركعات؛ لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس، فيذكر الله ﷿، ويدعو، ثم يسلم تسليمة يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فلما كبر وضعف؛ أوتر بسبع ركعات، لا يقعد إلا في السادسة ثم ينهض ولا يسلم، فيصلي السابعة، ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس". أخرجه مسلم والنسائي. (٢)
- (٦-٤-٣) الوتر بتسع ركعات:
ويشرع للمسلم أن يوتر بتسع ركعات، وله فيها صفتان، وهي التالية:
الأولى: أن يصلي مثنى مثنى ثمان ركعات ثم يوتر بواحدة.
الثانية: أن يصلي تسع ركعات موصولات، لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد، ثم يصلي التاسعة، ويقعد فيها للتشهد الثاني، ثم يسلم.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر الاختلاف على حبيب بين أبي ثابت في حديث ابن عباس في الوتر، ٣/٢٣٧)، ووقع عنده: "بتسع"؛ مكان: "بسبع" ونبه النسائي إلى شذوذها، وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر بسبع، حديث رقم ٤٥٧) واللفظ له، وقال: "حديث أم سلمة حديث حسن"، وأخرجه الحاكم (١/٣٠٦) وصححه على شرط الشيخين، وصححه الشيخ أحمد شاكر في "تحقيقه للترمذي" (٢/٣٢٠) .
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، حديث رقم ٧٤٦)، والنسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب كيف الوتر بسبع، ٣/٢٤٠) واللفظ له.
[ ٥٩ ]
ومما يدل على ذلك ما يلي:
أ) ما سبق من قوله ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى؛ فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ".
ب) عن سعد بن هشام؛ قال: " قلت: يا أم المؤمنين (يعني: عائشة ﵂) ! أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي، فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله؟ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله ﷺ وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله من آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة، قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ؟ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء الله أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات؛ لا يجلس إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد؛ فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما سن نبي الله ﷺ، وأخذه اللحم؛ أوتر بسبع؛ وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول؛ فتلك تسع يا بني " أخرجه مسلم. (١)
- (٧-٤-٣) الوتر بإحدى عشرة ركعة:
يشرع للمسلم أن يوتر بإحدى عشرة ركعة، ويصليها على صفتين:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، حديث رقم ٧٤٦) .
[ ٦٠ ]
الأولى: أن يصلي مثنى مثنى عشر ركعات ثم يوتر بواحدة.
الثاني: أن يصلي أربعًا أربعًا ثم يصلي ثلاثًا. (١)
ويدل على ذلك ما يلي:
أ) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاته ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا،؛ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: " يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ".
وفي رواية: " كان يصلي ثلاث عشرة ركعة: يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس؛ فإذا أراد أن يركع؛ قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من الصبح ". أخرجه الشيخان. (٢)
ب) وعنها؛ قالت: " إن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة؛ يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها؛ اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين ".
وفي رواية: " كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر إحدى عشرة ركعة؛ يسلم بين كل
_________________
(١) ولك أن تصلي هذه الثلاث على ما سبق في الوتر بثلاث.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في (كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره، حديث رقم ١١٤٧) واللفظ له، وطرفاه تحت (رقم ٢٠١٣، ٣٥٦٩)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم ٧٣٨) والرواية له.
[ ٦١ ]
ركعتين، ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن؛ قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة". أخرجه مسلم. (١)
قلت: وانتهت صلاة الليل والوتر إلى الإحدى عشرة ركعة. (٢)
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة، حديث رقم ٧٣٦) .
(٢) فإن قيل: ورد في بعض الأحاديث السابقة أن رسول الله ﷺ " كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة"؛ فكيف يصح أن صلاة الليل والوتر إحدى عشرة ركعة فقط؟! فالجواب: لا تعارض بين الروايات في ذلك، والذي يظهر أن عائشة ﵂ عدت مرة مع الإحدى عشرة ركعة ركعتي الفجر، ومرة عدت معها الركعتين الخفيفتين قبل صلاة الليل، ومرة عدت معها الركعتين الخفيفتين بعد الوتر؛ وبيان ذلك كما يلي: أما ما يدل على أنها عدت مرة في الثلاث عشرة ركعة ركعتي الفجر؛ فهو قوله: " كان النبي ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر ". أخرجه البخاري (١١٤٠)، ومسلم (٧٣٦-٧٣٨) . أما ما يدل على أنها عدت مرة الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتح بهما صلاة الليل؛ فهو قولها: "كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين". أخرجه البخاري (١١٧٠)، مع قولها: " كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي؛ افتتح صلاته بركعتين خفيفتين ". أخرجه مسلم (٧٦٧) . ورجح هذا الجمع العلامة الألباني، وأيده برواية لهذا الحديث تفصل مجمله؛ فانظرها في: "صلاة التراويح" (ص٩٠)، وانظر: " تمام المنة" (ص ٢٤٩- ٢٥٢) . وأما ما يدل على أنها عدت مرة الركعتين الخفيفتين اللتين كان يصليهما بعد الوتر؛ فهو ما سبق في (٦-٤-٣) من حديث سعد بن هشام عن عائشة؛ فانظره. وكذا ما ورد عن ابن عباس من قوله: " كانت صلاة النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة"؛ يعني: بالليل. أخرجه البخاري (١١٣٨) . فهذه رواية مجملة تبينها رواية أخرى للحديث نفسه؛ انظره في: "البخاري" تحت (رقم٩٩٢)؛ فقد ذكر أنه ﵊ " صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر"؛ فالظاهر أنه عد الركعتين الخفيفتين اللتين يفتتح بهما ﷺ صلاة الليل، وقيل: منها ص٦٣ سنة الفجر، وانظر: " فتح الباري" (٢/٤٨٣-٤٨٤)؛ فقد أشار إلى اختلاف الروايات، وما قدمته هو الراجح عندي. والله أعلم. وكذا ما سبق في (٥-٤-٣) عن أم سلمة ﵂ من أنه ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة ركعة؛ فالظاهر أنها عدت الركعتين الخفيفتين قبل صلاة الليل والوتر. فإن قيل: قوله ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح؛ صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى ": ألا يدل على أن صلاة الليل لا حد لها من جهة العدد؛ لأنه جعل الليل بطوله وقتًا لها، فقال: " فإذا خشي أحدكم الصبح ". فالجواب: سبق في (١-٤-٣) ذكر الأدلة على أن الحديث لا دلالة فيه على أن صلاة الليل لا عدد لها، وأزيد هنا: قوله: " فإذا خشي أحدكم الصبح ": غايته أن يدل على أن الوتر هو آخر صلاة الليل، وأن وقت الوتر يخرج بطلوع الفجر، وأن على من يصلي في الليل أن لا يترك الوتر. ويؤكد هذا أن الحديث أخرجه النسائي (٣/٢٣٣)، وابن ماجه (٦/٣٥٣-٣٥٤)، رقم ٢٦٢٤- الإحسان)، وفي "المعجم الكبير" (١٢/٢٧٤، رقم ١٣٠٩٦)؛ بلفظ: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف؛ فاركع واحدة توتر لك ما صليت"، وأولى ما فسر به الحديث بالحديث، وبالله التوفيق.
[ ٦٢ ]
مسألة: ما حكم الركعتين اللتين كان يصليهما الرسول ﷺ بعد الوتر جالسًا؟
وللجواب عن هذه المسألة أقول:
قال ﷺ: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا " متفق عليه. (١)
وسبق أن الرسول ﷺ كان يصلي ركعتين خفيفتين بعد الوتر أحيانًا وهو جالس.
_________________
(١) حديث صحيح. واخرجه البخاري في (كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وترًا، حديث رقم ٩٩٨)، وأخرجه مسلم في (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل، حديث رقم ٧٥١) .
[ ٦٣ ]
وعليه؛ فإن فعله ﷺ دل على أن قوله: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا"؛ إنما هو إرشاد إلى الأفضل، فيباح للمسلم أن يصلي بعد الوتر، ولا حرج عليه في ذلك.
ويؤكد هذا ما جاء عن ثوبان؛ قال: كنا مع الرسول ﷺ في سفر، فقال: " إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم؛ فليركع ركعتين، فإن استيقظ، وإلا؛ كانتا له". أخرجه الدارمي وابن خزيمة وابن حبان. (١)
فدل ذلك على أن المقصود من الأمر بجعل آخر صلاة الليل وترًا أن لا يهمل الإيتار بركعة؛ فلا ينافيه صلاة ركعتين بعده؛ كما ثبت من فعله ﵊ وأمره (٢) . والله أعلم.
وقد بوب ابن خزيمة ﵀ على حديث ثوبان هذا بقوله: " باب ذكر الدليل على أن الصلاة بعد الوتر مباحة لجميع من يريد الصلاة بعده، وأن الركعتين اللتين كان النبي ﷺ يصليهما بعد الوتر لم يكونا خاصة للنبي ﷺ دون أمته؛ إذ النبي ﷺ قد أمرنا بالركعتين بعد الوتر أمر ندب وفضيلة لا أمر إيجاب وفريضة" (٣) اهـ.