تشرع الجماعة في صلاة التطوع؛ بشرط أن لا تتخذ عادة راتبة، وفعلها في البيت أفضل.
ومما يدل على ذلك ما يلي:
أ) ما تقدم من مشروعية الجماعة في صلاة قيام الليل. (٢)
ب) وما جاء عن أنس بن مالك؛ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته له، فأكل منه، ثم قال: " قوموا؛ فلأصل لكم". قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ، وصففت واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم انصرف. متفق عليه. (٣)
قال ابن حجر ﵀: " في هذا الحديث من الفوائد صلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة لأجل المرأة؛ فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل لبعد موقفها" (٤) . اهـ.
_________________
(١) انظر: " شرح النووي على صحيح مسلم" (٥/٢١١)، "فتح الباري" (٢/٥٧٥) .
(٢) انظر: ما سبق (٨-٣)
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مواضع منها في (كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير، تحت رقم ٣٨٠)، ومسلم في (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الجماعة في النافلة والصلاة على الحصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات، تحت رقم ٦٥٨) .
(٤) " فتح الباري" (١/٤٩٠)
[ ١٦٦ ]
وما جاء عن محمود بن الربيع الأنصاري؛ أنه سمع عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ - وكان ممن شهد بدرًا مع رسول الله - يقول: " كنت أصلي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إني أنكرت بصري، وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق علي اجتيازه، فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانا أتخذه مصلى، فقال رسول الله ﷺ: " سأفعل". فغدا علي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ بعدما اشتد النهار، فاستأذن رسول الله ﷺ، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: " أين تحب أن أصلي من بيتك؟ ". فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ، فكبر، وصفننا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم وسلمنا حين سلم، فحبسته على خزير يصنع له " الحديث. أخرجه البخاري. (١)
وبوب البخاري: " باب صلاة النوافل جماعة، ذكره أنس وعائشة ﵄ عن النبي ﷺ "، ثم ساق بسنده حديث محمود بن الربيع مطولًا.
قلت: أما حديث أنس الذي أشار إليه؛ فهو الذي قدمته قبل قليل، وفيه: " وصففت واليتيم وراءه ".
أما حديث عائشة؛ فأشار به إلى صلاة الرسول ﷺ صلاة قيام الليل
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري: في مواضع منها في (كتاب التهجد، باب صلاة النوافل جماعة، حديث رقم ١١٨٥) فائدة: قال ابن حجر في "فتح الباري" (٣/٦٢) في كلامه على فوائد هذا الحديث: " وفيه ما ترجم له هنا، وهو صلاة النوافل جماعة، وروى ابن وهب عن مالك: أنه لا بأس بأن يؤم النفر في النافلة، فأما أن يكون مشتهرًا ويجمع له الناس؛ فلا، وهذا بناء على قاعدته في سد الذرائع لما يخشى من أن يظن من لا علم له أن ذلك فريضة، واستثنى ابن حبيب من أصحابه قيام رمضان لاشتهار ذلك من فعل الصحابة ومن بعدهم ﵃". اهـ.
[ ١٦٧ ]
بالمسجد وتقدم.
قال ابن تيمية ﵀: " والاجتماع على صلاة النفل أحيانًا مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة، وكذا إذا كان لمصلحة؛ مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده، أو لا ينشط وحده؛ فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة، وفعلها في البيت أفضل؛ إلا لمصلحة راجحة" (١) . اهـ.