عن قيس بن طلق بن علي؛ قال: زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر، قدم رجلًا، فقال: " أوتر بأصحابك؛ فإني
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في مواضع منها في (كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، حديث رقم ٩٢٤) واللفظ له، ومسلم في (كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، حديث رقم ٧٦١) . انظر: " جامع الأصول" (٦/١١٦-١١٨) .
(٢) " فتح الباري" (٣/١٤) . وقد قرر مشروعية الجماعة في صلاة الليل في رمضان الألباني في " صلاة التراويح" (ص٩-١٥)، وأورد الأدلة على ذلك من قوله ﷺ ومن فعله وإقراره ﵊. =وانظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص٢٧٥-٢٧٧) .
[ ٧٦ ]
سمعت النبي ﷺ يقول: لا وتران في ليلة ". أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان. (١)
قال أبو عيسى الترمذي ﵀ معلقًا على قول الرسول ﷺ: "لا وتران في ليلة": "اختلف أهل العلم في الذي يوتر من أول الليل ثم يقوم من آخره:
فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم نقض الوتر، وقالوا: يضيف إليها ركعة، ويصلي ما بدا له، ثم يوتر في آخر صلاته؛ لأنه: "لا وتران في ليلة". وهو الذي ذهب إليه إسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: إذا أوتر من أول الليل، ثم نام، ثم قام من آخر الليل، فإنه يصلي ما بدا له، ولا ينقض وتره، ويدع وتره على ما كان. وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأهل الكوفة وأحمد.
وهذا أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه أن النبي ﷺ قد صلى بعد الوتر ". (٢) اهـ.
قلت: هذا الذي قال عنه الإمام الترمذي ﵀: " وهذا أصح": هو
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة، باب في نقض الوتر، حديث رقم ١٤٣٩) واللفظ له، وأخرجه النسائي في (كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب نهي النبي ﷺ عن الوترين في ليلة، ٣/٣٢٩-٣٣٠) بنحوه، والترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء لا وتران في ليلة، حديث رقم ٤٧٠) مقتصرًا على الكلام النبوي، وأخرجه ابن حبان (٦/٢٠١-٢٠٢، حديث رقم ٢٤٤٩- الإحسان) بنحوه. والحديث صححه ابن حبان، وحسنه ابن حجر في "فتح الباري" (٢/٤٨١)، وصححه العلامة أحمد شاكر في تحقيقه للترمذي، وقوى إسناده محقق " الإحسان"، وصححه محقق " جامع الأصول " (٦/٦٢) .
(٢) " سنن الترمذي" (٢/٣٣٤) .
[ ٧٧ ]
ما قدمته لك (١)، حيث قررت أن قوله ﷺ: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا "؛ ليس على الوجوب، وأن المقصود منه أن لا يترك المسلم الوتر في صلاة الليل؛ كما قال ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا أردت أن تنصرف؛ فاركع واحدة؛ توتر لك ما قد صليت" (٢) .
فقوله: " فاركع واحدة؛ توتر لك ما قد صليت ": يدل على أن المراد أمر المسلم بأن لا يدع صلاته بالليل شفعًا دون وتر. والله أعلم. (٣)
_________________
(١) انظر: ما تقدم تحت (رقم ٧/٤-٣) .
(٢) سبق تخريجه في الموضع نفسه المشار إليه في الذي قبله.
(٣) لكن تبقى مسألة وهي: إذا كان المأموم قد أوتر في أول الليل، ثم صلى جماعة مع الإمام؛ فهل يترك الإيتار معه فيفوته الفضل المذكور في حديث أبي ذر مرفوعًا: " أنه من قام مع الإمام حتى ينصرف هو؛ كتب له قيام ليلة" (وقد سبق قريبًا تخريجه)؟ والجواب: الذي يظهر – والله أعلم – أن المأموم يصلي مع الإمام ركعة الوتر بنية الشفع، فإذا سلم الإمام من الركعة؛ قام وجاء بركعة ثانية، فيتحصل منه أنه لم ينصرف حتى انصرف الإمام، وأنه لم يأت بوترين في ليلة. والله أعلم. ولا يضر اختلاف نية المأموم والإمام. وبالله التوفيق.
[ ٧٨ ]