ويؤيد أن الإشهاد شرطٌ عند القيام بالطلاق أمران:
الأمر الأول: إبطالُ الصحابي طلاق السائل لعدم الإشهاد وكذلك الرجعة بدون شهود بقوله "طلقَ في غير عدة" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩) لأن الطلاق الصحيح يُعتدُ له لقوله تعالى "فطلقوهن لعدتهن" (الطلاق: ١). فلو كان الصحابي يرى وقوع طلاق السائل بدون الحاجة للإشهاد لما احتاج أن يقول "طلقتَ في غير عدة" أو لقالَ "طلقتَ في عدة" أو نحوه لقوله تعالى "فطلقوهن لعدتهن" ولكنه لم يره صحيحًا فقال "طلقتَ في غير عدة" وقد كانت أول تطليقة له (المعجم الكبير ١٨/ ١٣٠ رقم ٢٧١ وأحكام القران ٢/ ٣٢٨ رقم ١٨٠٧)، قال الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى "قول عمران بن حصين: طلقَ في غير عدة" معناه أنه لما لم يشهد عند طلاقه لم يحسب له تلك الأيام من العدة ولا تعتد بها" (التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة ٢/ ٧٠٥). ويؤكد ما تقدم هنا هو ما قاله عمران "راجعَ في غير عدة"
[ ٢٢ ]
(المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) فيمن راجعَ ولم يشهدْ. فلو كانت مراجعته صحيحةً بدون إشهاد عند المراجعة لما احتاج أن يقول "راجعَ في غير عدة" أو لقالَ "راجعَ في عدة" أو نحوه لقوله تعالى "فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف" ولقول ابن عباس أيضًا "إن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها … الأثر" فالمراجعة لا تكون إلا في عدةٍ ولكنه لم يرى مراجعته صحيحًا فقال "راجعَ في غير عدة". فجاء جوابه موافقًا بقوله "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦)،
والأمر الثاني: استخدام عمران ﵁ "إن" الشرطية وأيضًا إبطاله الطلاق في مكانٍ واحدٍ في قوله "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). فقوله "إن" هو "إن" الشرطية وقوله "طلق في غيرة عدة" هو إبطالٌ لطلاقه معًا في مكانٍ واحدٍ فجاء جوابه "فليشهد الآن" والذي يلزم منه إعادة الطلاق مع الأتيان بالإشهاد عند الطلاق وكذلك عند المراجعة كما جاء موضحًا في قوله "فأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦). ونظيره قول
[ ٢٣ ]
النبي ﷺ للمسيء صلاته " أعد صلاتك فإنك لم تصل"، فقال: يا رسول الله، كيف أصنع؟ فقال "إذا استقبلت القبلة فكبر … " (صحيح ابن حبان ٢/ ٧٥ رقم ٩٤٨) على الرغم من أن الرجل قد صلى لقول راوي الحديث - رفاعة ﵁ "جاء رجل ورسول الله ﷺ في المسجد فصلى قريبًا منه … الحديث". فعُلم أن لا تصح صلاة إلا بتكبيرة الإحرام. فإن صلى بدون التكبير عند استقبال القبلة فيلزم منه إعادة الصلاة مع الأتيان بالتكبير عند استقبال القبلة لقوله ﷺ "أعد صلاتك فإنك لم تصلي" وأيضًا "إذا استقبلت القبلة فكبر". وكذلك الإشهاد عند الطلاق لقول الصحابي "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). فعُلم من قوله إنه لا يصح طلاق إلا بإشهاد. فلزمَ منه إعادة الطلاق مع الأتيان بالإشهاد عند الطلاق لقوله ﵁ "طلقت لغير سنة" و"طلق في بدعة" و"راجع في غير عدة" و"فليشهد الآن" و"أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد".
وأيضًا إن كان النكاح لا يصح إلا بالإشهاد عند القيام بالنكاح لقوله ﷺ "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٦/ ١٩٨ رقم ٤٠٦٣، قال الألباني عنه حسن
[ ٢٤ ]
صحيح) فكذلك الإشهاد عند الطلاق فالطلاق والرجعة ألصق بالنكاح لقوله ﷺ "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٥ رقم ٢١٩٤) والحديث حسن لغيره وإن كان إسناده ضعيفًا لضعف عبد الرحمن بن حبيب فقد توبع بألفاظ مقاربة من قبل أبي حنيفة "عن عطاء عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة جدهن وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" (مسند أبو حنيفة - رواية الحصكفي - كتاب الطلاق رقم ١). بل إن الطلاق والرجعة أولى وأقوى لقوله ﷺ "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٥٢٨ رقم ١٤٨٩٨) والله يقول "ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين" (النساء: ١٤) ودليل معصية السائل هنا قول الصحابي "ليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) وعليه فلا يقع طلاقٌ إلا مع وجود شرط الإشهاد لقوله ﷺ "لا طلاق فيما لا يملك" (سنن ابن ماجه ٣/ ٢٠٢ رقم ٢٠٤٧) فلا بد من القيام بالطلاق والإشهاد معًا لأنه لا يملك الطلاق من دون شهود كما لا يملك الطلاق قبل النكاح أو الطلاق في طهر
[ ٢٥ ]
جامعها فيه. ولا يجزئه أن يأتي بشرط الإشهاد لاحقًا من دون القيام بالطلاق معًا لقوله ﷺ "من طلق ما لا يملك فلا طلاق له" (المستدرك على الصحيحين ٤/ ٣٣٣ رقم ٨٧٢٢) وعليه فلا بد من وجود الشرط لوقوع الطلاق. ويعضده فتوى علي ﵁ الذي أخرجه سعيد بن منصور بسند حسن في سننه (١/ ٢٩٠ رقم ١٠٢٥) وقال: نا هشيم أنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يحدث عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سئل عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فقال: ليس بشيء، لا طلاق إلا بعد ملك" وهو صحيح فلا يملك الطلاق قبل النكاح لقوله ﷺ "لا طلاق إلا من بعد نكاح" (سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٩١ رقم ١٠٢٧). قال ابن القيم في إثبات عدم وقوع طلاق الحائض "إنما يقع من الطلاق ما ملكه الله للمطلق ولهذا لا يقع به الرابعة لأنه لم يملكها إياه ومن المعلوم أنه لم يملكه الطلاق المحرم ولا أذن له فيه فلا يصح ولا يقع" (زاد المعاد ٥/ ٣٢٠).
معنى حرف الجر "على" في قوليه "أشهد على ما صنعت" و"أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد":
[ ٢٦ ]
ففي أمره بالإشهاد، جاء الحرف "على" بمعنى "من أجل" طلاقه البدعي ومرةً بمعنى "عند" الطلاق والمراجعة:
فـ "على" في قوله ﵁ "أشهد على ما صنعت" (سنن سعيد بن منصور ١/ ٣٥٥ رقم ١٣٢٣) ليس لها معنى سوى التعليل بمعنى "من أجل" ما صنع من الطلاق البدعي لأن الصحابي قد بدأَ بذم طلاقه بدون إشهاد "بئس ما صنعَ" وبدعه "طلقت في بدعة" وأبطلَ طلاقه ومراجعته "طلق في غيرة عدة" و"راجع في غير عدة" وأمره بإعادة الطلاق والمراجعة كلاهما مع الإشهاد "فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله" وعلى الحال "فليشهد الآن" وأن لا يعود له "ولا تعد". ونظيره قوله تعالى "ولتكبروا الله على ما هداكم" (البقرة: ١٨٥).
وعليه فـ "على" في قوله "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦) ليس لها معنى هنا سوى "عند" لاشتراطه ﵁ الإشهاد لصحة الطلاق باستخدامه "إن" الشرطية وإبطاله الطلاق معًا في قوله "إن طلق في غير عدة وراجع في غير سنة فليشهد الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩). ودليل ذلك قوله "ولا تعد" نهي عن ما وقع منه عندما
[ ٢٧ ]
"لم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها" فجاء جواب الصحابي "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦). ويشهد لذلك قول الصحابي مرةً "فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) فأمره ﵁ له "ليستغفر الله" فيه دليل أن عدم الإشهاد عند الطلاق والمراجعة فيه معصيةٌ ومخالفةٌ لشرع الله فأمره بالاستغفار عليه ولو كان أمرًا غير مخالف لما أمره بالاستغفار. ويعضده تفسير ابن عباس ﵁ في قوله تعالى "أشهدوا ذوي عدل منكم: عند الطلاق وعند المراجعة". ونظير ذلك من الكتاب قوله تعالى "وأتى المال على حبه" (البقرة: ١٧٧).