الأولى: لو كان الطلاق وقع مع نقصانه للإشهاد لكتفى الصحابي بأمره بالإتيان بالإشهاد من دون الحاجة أن ينص أن طلاقه بدعيًا في قوله "طلقت في بدعة" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤١٩) فكان طلاقه بدعيًا مردودًا لقوله ﷺ "من فعل في أمرنا هذا ما لا يجوز فهو رد" (مسند أبي داود الطيالسي ٣/ ٤٣ رقم ١٥٢٥) ولما أمره "ليستغفر الله" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥).
[ ٢٨ ]
والثانية: ما جاء في سؤال السائل في سنن أبي داود وابن ماجه أنه "يطلق امرأته ثم يقعَ بها ولم يشهدْ" فيه فائدة تدفعُ تصورُ من ظنَ أن السائل كان طلقها وهي حائض أو في طهر جامعها فيه. وهذا تصور لا يتأتى وقد جاء السؤال مقيدًا بلفظ "طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد" في الروايات الصريحة الصحيحة في مصنف عبد الرزاق والمعجم الكبير والسنن الكبرى للبيهقي وغيرهم فوجب حمل الأثر على ظاهره. ولو كان كما زعموا لبينَ الصحابي للسائل بشكل لا يدع مجال لشك بأن عليه تطليقها في طهر لم يجامعها فيه كما فعل النبي ﷺ مع ابن عمر لما طلقَ زوجته وهي حائض. ولما جاء أمر الصحابي محصورًا في الإشهاد على الطلاق. وكذلك من ظنَ أن مراجعته كانت بعد انتهاء العدة في قوله "راجع في غير عدة" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) فهو ظن متوهم فلو كان كذلك لبينَ الصحابي له أنها لا تحل له إلا بفعل ما يلزمه من العقد الجديد. ولما جاء أيضًا أمر الصحابي محصورًا في الإشهاد على المراجعة كما جاء جوابه "أشهد على طلاقها وعلى رجعتها" (سنن أبي داود ٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦).
[ ٢٩ ]
٤) صنيع علي بن أبي طالب ﵁:
فقد أخرج ابن أبي شيبة فقال: نا عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن خلاس "أن رجلًا طلق امرأته وأشهد رجلين في السر وقال: اكتما علي فكتما عليه حتى انقضت العدة فارتفعا إلى علي فاتهم الشاهدين وجلدهما ولم يجعل له عليها رجعة" (مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٢٤ رقم ٢٠١١٧).
وهذا أثر صحيح. وإن كان قتادة ثقة مشهور بالتدليس فقد أخرج أصحاب الصحاح مرويات قتادة المعنعنة عن خلاس (صحيح مسلم ٢/ ٣٢ رقم ٤٣٩ وابن خزيمة ٣/ ٢٥ رقم ١٥٥٥ والحاكم في المستدرك على الصحيحين ١/ ٤٠٨ رقم ١٠١٤) فقد كان ملازمًا لخلاس لقول شعبة "رأيت قتادة عند خلاس بن عمرو" (العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل - رواية ابنه عبد الله رقم ٤٦٨٠) فكان يحيى بن سعيد "لا يحدث عن قتادة عن خلاس عن علي شيئا يعني كأنه لم يسمع منه، وكان يحدث عن قتادة عن خلاس عن غيره عن عمار" (الضعفاء الكبير رقم ٤٤٩) فأثبت يحيى رواية قتادة عن خلاس في الحالتين. وإن كان سماع خلاس من علي متكلم فيه إلا أن هذه القصة التي رواها خلاس لفعل علي ﵁ قد أدرك خلاس
[ ٣٠ ]
وقوعها فقد "كان من شُرط علي" (أحوال الرجال ١٨٨) وقد سبر ابن عدي حديثه وقال "لم أر بعامة حديثه بأسا" (الكامل في ضعفاء الرجال رقم ٦١٧).
فعدم جعل علي ﵁ للزوج عليها رجعة هو إقرار من علي على الإشهاد في الطلاق من جهة. ومن جهة أخرى فجلد علي للشاهدين لكتمهما الشهادة هو أيضًا دليل على أن الإشهاد شرط للطلاق فلو لم يكن شرطًا لما غلظ ﵁ في العقوبة وجلدهما كما أمر تعالى لمن يقذف المحصنات ولم يأتي بأربعة شهود فأمر بجلده ثمانين جلدة وبمنع قبول شهادته (النور: ٤) فتغليظ العقوبة بالجلد دليل أن الإشهاد بأربعةٍ شرط لتحقق صحة دعوى الزنا وإلا أستحق المدعي الجلد إذا أتى بثلاث شهود فقط. وهذان الفعلان من علي ﵁ سنة فوجب التمسك بها لقول علي "جلد النبي ﷺ أربعين وجلد أبو بكر أربعين وعمر ثمانين وكل سنة" (سنن أبي داود ٦/ ٥٢٨) يؤكده قول النبي ﷺ "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" (صحيح مسلم ٥/ ١٢٦).
[ ٣١ ]