لقد صح "أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد"، أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٢٥٧ رقم ٢١٨٦) وقال: حدثنا بشر بن هلال أن جعفر بن سليمان حدثهم عن يزيد الرشك عن مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين الأثر". وإسناده صحيح.
وفي روايات أخرى صريحة صحيحة عن عمران بن حصين مدارها على محمد بن سيرين أو مطرف أن رجلًا سألَ عمران ومرةً سُئل عمران عن رجل طلقَ ولم يشهد وراجعَ ولم يشهد:
أ) فقد أخرجَ الطبراني في المعجم الكبير وقال "حدثنا عبدان بن أحمد ثنا سليمان بن أيوب صاحب البصري ثنا جعفر بن سليمان عن
[ ١٠ ]
يزيد الرشك عن مطرف قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته تطليقة ولم يشهد ثم راجعها ولم يشهد؟ فقال عمران "طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها" (المعجم الكبير ١٨/ ١٣٠ رقم ٢٧١). وهذا الخبر يعضد ما أخرجه الطحاوي في أحكام القرآن الكريم (٢/ ٣٢٨ رقم ١٨٠٧) وقال: حدثنا يحيى قال حدثنا نعيم قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال حدثنا مطرف عن عمران "فيمن طلق واحدة ثم وقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلق لغير عدة وراجع لغير سنة، ليشهد على طلاقه وعلى رجعتها ولا يعد". وهذا الإسناد رجاله موثقون وإن تُكلم في نعيم بن حماد إلا أنه حسن فالراوي عن نعيم هو يحيى بن معين وهو أعرف الناس بحماد لقول ابن معين " نعيم بن حماد، ثقة صدوق رجل صدق، أنا أعرف الناس به" (تاريخ بغداد رقم ٧٢٣٧) وابن معين لا يروي إلا ثقة وقد سبر ابن عدي أحاديثه المتكلم فيها وقال "وعامة ما أنكر عليه هو هذا الذي ذكرته وارجوا ان يكون باقي حديثه مستقيما" ولم يذكر هذا الحديث (الكامل في ضعفاء الرجال رقم ١٩٥٩).
[ ١١ ]
ب) وصحَ عن عمران أنه قال "طلقتَ في غير عدة وارتجعتَ في غير سنة"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٨) وقال: عن الثوري عن يونس بن عبيد عن ابن سيرين عن عمران بن الحصين قال: الأثر". وإسناده صحيح.
ت) وصحَ عن عمران أنه قال "طلق في غير عدة وارتجع في غير سنة فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته وليستغفر الله"، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٥) وقال: عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: سأل رجل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد" قال: الأثر". ورجاله ثقات وإن تكلم في معمر فهو "ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة وعاصم بن أبي النجود شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة" (تقريب التهذيب رقم ٦٨٠٩) وهذا الأثر حدث معمر به في اليمن بعد أن رحل لليمن فلم يرويه عنه إلا عبد الرزاق وعبد الرزاق كان في اليمن وهو أثبت الناس في حديث معمر (تاريخ ابن معين - رواية الدوري رقم ٥٣٨) وقال ابن رجب: قال أحمد في رواية الأثرم: حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلي من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وكان
[ ١٢ ]
يحدثهم بخطأ بالبصرة" (شرح علل الترمذي: صفحة ١٢١). وأخرج أيضًا عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ١٣٥ رقم ١٠٢٥٦) وقال: قال معمر وحدثني قتادة عن العلاء بن زياد عن عمران بن الحصين بمثل ذلك". وإن كان معمر ضُعف في قتادة وعنعنَ قتادة فيه وهو مدلس إلا أن كل من الإسناديين يعضد الآخر فلا ينزل هذا الأثر عن درجة الحسن.
ث) وصحَ عن عمران أنه قال "بئس ما صنع، طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، ليشهد على ما فعل" (مصنف عبد الرزاق ٦/ ١٣٦ رقم ١٠٢٥٧)، أخرجه عبد الرزاق وقال: عن ابن جريج قال: أخبرني أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين: أن رجلا سأل عمران بن الحصين، فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد قال … الأثر". ويشهد له ما أخرجه الطبراني وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن ابن جريج أنا أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد؟ قال: … الأثر" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤٢١). وإسناده صحيح وإن تُكلم في إسحاق بن إبراهيم الدبري، قال الذهبي "قال ابن عدي: استصغر في عبد الرزاق،
[ ١٣ ]
أحضره أبوه عنده وهو صغير جدًا فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، قرأ غيره وحدث عنه بأحاديث منكرة" ثم تعقبه الذهبي فقال "ساق له حديثًا واحدًا من طريق ابن أنعم الإفريقي يحتمل مثله فأين الأحاديث الذي ادعى أنها له مناكير والدبري صدوق محتج به في الصحيح سمع كتبًا فأداها كما سمعها" (تاريخ الإسلام ٦/ ٧١٤). وأخرجه أيضًا الطبراني فقال: وحدثنا علي بن عبد العزيز ثنا حجاج بن المنهال ثنا حماد عن أيوب وهشام وحبيب عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين بمثله" (المعجم الكبير ١٨/ ١٨١ رقم ٤٢٢). وإسناده صحيح.
ج) وصحَ عن عمران أنه قال "إن طلقَ في غير عدة وراجعَ في غير سنة فليشهدْ الآن" (السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٦١١ رقم ١٥١٨٩)، أخرجه البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن قتادة ويونس بن عبيد عن الحسن وأيوب عن ابن سيرين عن عمران، ورجاله ثقات وإن تكلم في حماد بن سلمة من جهة اختلاطه فهو ثقة وفي هذا الحديث روى حماد عن قتادة وهو من أصحاب قتادة الثقات وعندما ذكره الدارمي في أصحاب قتادة وسأل الدارمي ابن معين عن حاله فقال "ثقة" (تاريخ ابن معين - رواية الدارمي صفحة ٤٩) وسبر ابن عدي
[ ١٤ ]
أحاديث حماد المتكلم فيها في الكامل في ضعفاء الرجال (٤٣١) ولم يذكر هذا الأثر.
ح) وصحَ عن عمران بن حصين أنه قال "طلقَ في غير سنة وراجعَ في غير عدة، ليشهدْ الآن"، أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٨/ ١٨٢ رقم ٤٢٣) وقال: حدثنا أحمد بن محمد الخزاعي الأصبهاني ثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو هلال ثنا محمد بن سيرين قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ فقال … الأثر". وإسناده حسن. وإن تكلم في أبي هلال محمد بن سليم الراسبي في مروياته عن قتادة وهو لا ينزل عن درجة حسن الحديث. وقد توبع أبو هلال الراسبي عند ابن المقرئ في معجمه (١٨٥/ ٥٦٨) وقال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن نصير بن إبان ثنا أحمد بن عصام ثنا أزهر بن سعد، عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته فلم يعلمها، وراجع فلم يشهد قال: "بئس ما صنع، طلق لغير السنة، وراجع لغير العدة، ليشهد على ما صنع". وهذا إسناد حسن فرجاله موثقون سوى أبي الحسين أحمد بن محمد بن نصير فقد روى عنه أبو بكر ابن المقرئ (معجم ابن المقرئ ١٨٥/ ٥٦٨) والحافظ
[ ١٥ ]
محمد بن علي بن عمر بن مهدي الأصبهاني (ثلاثة مجالس من أمالي أبي سعيد النقاش ١/ ٣٥ رقم ٣٤) وأبو بكر بن مردويه (تاريخ الإسلام ٤٥/ ٢٠٢) وأخرج له الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٢٢٥ رقم ٢٣٨) ولم يرد فيه جرح فلا ينزل عن درجة حسن الحديث.
وإلى هنا وجب القول إن عمران بن حصين ﵁ هو من فقهاء الصحابة فقد أخرج أبو نعيم بسند صحيح في معرفة الصحابة (٤/ ٢١٠٨ رقم ٥٢٩٧) وقال: حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الأسود الدؤلي قال: قدمت البصرة وبها أبو نجيد عمران بن الحصين وكان عمر بن الخطاب بعثه يفقه أهل البصرة". وكذلك ابن سيرين قال "ما قدم البصرة أحد من أصحاب النبي ﷺ يفضل على عمران بن الحصين" (المعجم الكبير ١٨/ ١٠٤ رقم ١٩٠). وأما ما جاء عن الدارقطني أنه قال "لم يسمع] محمد بن سيرين [من عمران بن حصين" (تهذيب التهذيب ٣/ ٥٨٧) إلا أن هذا القول إن صح من الدارقطني لا يسلم به فمحمد بن سيرين ثقة ولم يعرف بالتدليس وقد توفي في ١١٠ هـ (تقريب التهذيب رقم ٥٩٤٧) وعليه
[ ١٦ ]
فإدراكه لعمران ﵁ المتوفي في ٥٢ هـ (تقريب التهذيب رقم ٥١٥٠) راجح وقد صرح ابن سيرين بسماعه من عمران ﵁ فيما أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٣٧ رقم ٢١٨) وقال: حدثنا يحيى بن خلف الباهلي حدثنا المعتمر عن هشام بن حسان عن محمد - يعني: ابن سيرين - قال: حدثني عمران قال … الحديث".