وأما أنه ترك ما عليه المعوَّل فأسوقه لك، من عهد أصحاب أبي حنيفة وإلى زمان مشايخنا قرنًا بعد قرن، فنقول:
_________________
(١) = الرشيد. كان قاضي القضاة في عهده. تُوُفِّي ١٨٢ هـ. (البداية والنهاية، لابن كثير ١٣/ ٦١٤، ومعجم المؤلفين ٤/ ١٢٢).
(٢) الكرخي: هو أبو الحسين عبد الله بن الحسين بن دلال بن دلهم. له مختصر مشهور في الفقه شرحه القدوري وغيره. تُوُفِّي عام ٣٤٠ هـ. (شذرات الذهب ٤/ ١٦٣).
(٣) صاحب البدائع هو الكاساني: أبو بكر بن مسعود. شرح به تحفة الفقهاء للسمرقندي. تُوُفِّي بحلب عام ٥٨٧ هـ. (معجم المؤلفين ٣/ ٧٥).
(٤) انظر: النص رقم ٢ من نصوص فقهاء الحنفية.
[ ٣٥ ]
١ - أنه هو قول محمَّد (١).
٢ - ونقل في الغاية عن الحسن بن زياد (٢) أنه كان لا يرى بصومها بأسًا ويقول: كفى بيوم الفطر مفرِّقًا بينهن وبين رمضان.
ومحمد والحسن بن زياد من أصحاب أبي حنيفة.
وكانت وفاة محمَّد سنة (١٨٩ هـ) تسع وثمانين ومائة.
ووفاة الحسن سنة (٢٠٤ هـ) أربع ومائتين.
٣ - وذكر الطحاوي (٣) حديث "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال" من طرق وأقرَّه، وكانت وفاته سنة (٣٢١ هـ) إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومولده سنة (٢٢٩) تسع وعشرين ومائتين.
٤ - وقال أبو الليث السمرقندي (٤) في كتاب "النوازل": "صوم
_________________
(١) محمَّد بن الحسن الشيباني من أصحاب أبي حنيفة، وهو مدوِّن مذهبه. أصله من حرستا (من قرى دمشق وقد أصبحت جزءًا منها). وُلِد بواسط ونشأ بالكوفة. ولَّاه الرشيد قضاء الرقة. تُوُفِّي بالريِّ. من تصانيفه: الجامع الصغير، والجامع الكبير، والأصل، وغيرها. (تاج التراجم ٤٠، ووفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٥٤٧، وبلوغ الأماني في ترجمة محمَّد بن الحسن الشيباني للكوثري).
(٢) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، من أصحاب أبي حنيفة. ولي القضاء. من مؤلفاته: أدب القاضي، والخراج، والفرائض، والنفقات. (تاج التراجم ١٦، والإِمتاع بسيرة الإِمامين الحسن بن زياد، ومحمد بن شجاع للكوثري).
(٣) الطحاوي أحمد بن محمَّد بن سلامة. من كبار فقهاء الحنفية. من مؤلفاته: معاني الآثار، ومشكل الآثار، ومختصر في الفقه. (تاج التراجم ٦، وفيات الأعيان ١/ ٢٣، والحاوي في سيرة الطحاوي للكوثري).
(٤) أبو الليث السمرقندي نصر بن محمَّد بن إبراهيم، فقيه، مفسِّر، محدِّث، صوفي. من تصانيفه: النوازل، وخزانة الفقه، والتفسير، وتنبيه الغافلين.
[ ٣٦ ]
الست بعد الفطر متتابعًا، منهم من كرهه، والمختار أنه لا بأس به، لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يُؤمَنُ [من] (١) أن يعد ذلك من رمضان فيكون تشبهًا بالنصارى (٢)، والآن [قد] (٣) زال هذا المعنى".
وكانت وفاته سنة (٣٧٣ هـ) ثلاث وسبعين وثلاثمائة (٤).
٥ - وقال الحسام الشهيد في "الواقعات" (٥): "صوم الست من شوال متتابعة بعد الفطر، كرهه بعضهم. والمختار أنه لا بأس به".
ووفاته سنة (٥٣٦ هـ) ست وثلاثين وخمسمائة.
٦ - وقال أبو حفص عمر النسفي (٦): "بعد صوم رمضان إتْباع سِتَّةٍ من شوال عند مالك: يكره، وعندنا: لا يكره" فعدّه مذهبًا نَصَب فيه الخلاف.
_________________
(١) سقطت من (م)، (ع).
(٢) وجه التشبه بالنصارى هو الإِلحاق بالفروض لما ليس فرضًا.
(٣) زيادة من (م)، (ع).
(٤) روي أن وفاته عام ٣٩٣ هـ وليس ٣٧٣ هـ كما ذكر المؤلف. (تاج التراجم ٥٨، الفوائد البهية ٢٢٠).
(٥) الحسام الشهيد: هو الصدر الشهيد حسام الدِّين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري، وكتابه "الواقعات" جمع فيه بين "النوازل" لأبي الليث و"الواقعات" للناطفي، ويسمَّى كتابه أيضًا: "الأجناس"، لضمّه كل فرع إلى جنسه. (كشف ٢/ ١٩٩٨).
(٦) أبو حفص النسفي نجم الدِّين عمر بن محمَّد بن أحمد السمرقندي، فقيه، مفسِّر، أصولي، متكلم. وُلد في نسف، وسكن سمرقند. من مؤلفاته: العقائد. (تاج التراجم ٣٤، الجواهر المضية ١/ ٣٩٤).
[ ٣٧ ]
ووفاته سنة (٥٣٧ هـ) سبع وثلاثين وخمسمائة.
٧ - وقال صاحب الهداية (١) في "التجنيس": "صوم الست من شوال بعد الفطر متتابعة، منهم من كرهه، والمختار أنه لا بأس به".
ووفاته سنة (٥٩٣ هـ) ثلاث وتسعين وخمسمائة.
٨ - وقال في "الحقائق" (٢): "صوم ستة (٣) من شوال متصلًا بيوم الفطر يكره عند مالك، وعندنا لا يكره، وإن اختلفت مشايخنا في الأفضل. كذا في المختلف.
وعن أبي يوسف أنه كرهه متتابعًا، والمختار أنه لا بأس به، لأن الكراهة إنما كانت لأنه لا يُؤمَنُ من أن يعد ذلك من رمضان فيكون تشبهًا بالنصارى، والآن زال هذا المعنى".
٩ - وقال قاضيخان (٤): "وإن صامها متفرقة فهو أبعد من الكراهة". ووفاة قاضيخان سنة (٥٩٢ هـ) اثنين وتسعين وخمسمائة.
_________________
(١) صاحب الهداية هو المرغيناني: برهان الدِّين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل، له أيضًا شرح الجامع الصغير، والتجنيس والمزيد (فتاوى)، وغيرها. (هدية العارفين ١/ ٧٠٢).
(٢) صاحب الحقائق هو: أبو المحامد محمود بن محمَّد اللؤلؤي البخاري، شرح به المنظومة النسفية. (كشف ٢/ ١٨٦٨).
(٣) في (ع)، (م): ست.
(٤) قاضيخان: الحسن بن منصور الأوزجندي، من مجتهدي المسائل عند الحنفية، من مؤلفاته: الفتاوى الخانية، وشرح الجامع الصغير، وشرح أدب القاضي للخصاف. (تاج التراجم ١٦، الفوائد البهية للكنوي ٦٤).
[ ٣٨ ]
ووفاة صاحب الحقائق سنة (٦٧١ هـ) إحدى وسبعين (١) وستمائة.
١٠ - وقال الإِمام الزوزني السديدي (٢): "صوم الست من شوال عندنا لا يكره، واختلف مشايخنا في الأفضل، فقال بعضهم: الأفضل أن يأتي بصيام ستة أيام متفرقات في الحول، وقال بعضهم: في شوال.
١١/ ١ - قال في "المحيط" (٣): قال أبو يوسف: "يكره أن يوصل برمضان صوم ست من شوال"، وهو قول مالك والأصح أنه لا بأس به.
[لأن الكراهة إنما كانت خوفًا من أن يعد ذلك من رمضان فيكون تشبهًا بالنصارى، واليوم زال ذلك المعنى فلا يكره. ونحوه في الذخيرة] (٤).
_________________
(١) في (ع)، (م): تسعين.
(٢) الزوزني السديدي هو: محمَّد بن محمود، عماد الإِسلام، وابنه من الفقهاء أيضًا واسمه عبد العزيز. من مؤلفاته: نصاب الذرائع في الفقه، وملتقى البحار من منتقى الأخبار وهو شرح منظومة النسفي في الخلاف. (تاج التراجم ٤٩، والجواهر المضية ٢/ ٣١٢، ومعجم المؤلفين لكحالة ٣/ ٧٠٦).
(٣) صاحب المحيط هو: برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه. وينسب المحيط إليه فيقال المحيط البرهاني لتمييزه عن كتب أخرى سميت (المحيط) أيضًا.
(٤) سقط من الأصل.
[ ٣٩ ]
١١/ ٢ - وقال في "الينابيع" (١): ولا يكره صوم الستة (٢) المتتابعة عقب (٣) الفطر، وقيل: يكره. والأول أصح.
١١/ ٣ - وذكر في "عمدة المفتي" (٤) أنه قيل: الصحيح أنه إذا صام متتابعًا ولم يجعل اليوم الثاني (٥) عيدًا لا يكره، وإلَّا فهو مكروه، وبه نأخذ.
١١/ ٤ - وقال المرغيناني: المرغوبات (٦) صوم المحرم ورجب وشعبان وستة أيام من شوال متتابعة. وقيل: يستحب متفرقة في الأسبوع يومان (٧).
(٨).
_________________
(١) صاحب الينابيع هو: أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن زنكي الإسفرايني، جمع فيه المذاهب الأربعة مع الأدلة، واستخدم فيه الرموز. (كشف ٢/ ٢٠٥٠).
(٢) (ع)، (م): الست.
(٣) (ع): عقيب.
(٤) صاحب عمدة المفتي هو: هو الصدر الشهيد حسام الدِّين عمر بن عبد العزيز بن مازه البخاري. تُوُفِّي عام ٥٣٦ هـ. (ذيل الكشف ٢/ ١٢٤).
(٥) كذا في الأصل، ولعله محرف عن (الأول) أي لم يوقع أول الأيام الست في يوم العيد. وفي (ع)، (م): الثامن.
(٦) (ع): فالمرغوبات.
(٧) أي في كل أسبوع من أسابيع شوال، بعد الأسبوع الأول الذي فيه يوم العيد، بحيث تقع كلها في شوال.
(٨) هنا زيادة في نسخة (م): [وقال القسطلاني في "مواهب الرحمان": وعلماؤنا والشافعي لم يكرهوا إتباع عيد الفطر بست من شوال؛ لقوله - ﷺ -:
[ ٤٠ ]
١١/ ٥ - وقال صاحب "المبتغى" (١): يكره صوم ست من شوال عند أبي يوسف، والأصح أنه لا بأس به، والأفضل تفريقها في الحول، وقيل: في شوال يوزع عليه.
١١/ ٦ - وقال الإِمام أبو بكر الإِسماعيلي (٢) والفقيه محمد بن حامد: التتابع فيه أفضل، للأخبار.
١١/ ٧ - وقال في "الذخيرة" (٣): قال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا، خوفًا من أن يلحق بالفريضة، أراد به صوم الست.
قال: هذه اللفظة تدل على الكراهة في حق العوام، لا في حق أهل العلم. ثم نقل ما تقدم (٤).
_________________
(١) = "من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر". رواه مسلم وأبو داود. وكرهه مالكٌ، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لاشتماله على التشبه بأهل الكتاب في الزيادة على المفروض، والتشبه بهم منهيّ عنه. وعامَّةُ المتأخرين لم يروا به بأسًا، واختلفوا فيما بينهم في الأفضل فقيل: الأفضل وصلهما بيوم الفطر لظاهر قوله: ثم أتبعه ستًّا. وقيل: تفريقها مستحب]. وهي نص تعليقة ممن بعد المؤلف؛ لأنَّ القسطلاني بعد زمنه.
(٢) صاحب المبتغى هو: عيسى بن محمد بن إينانج القرشهري. تُوُفِّي عام ٧٣٤ هـ. (كشف ٢/ ١٥٨٠).
(٣) أبو بكر الإسماعيلي: هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل، محدِّث فقيه شافعي. له الصحيح المستخرج على البخاري. (معجم المؤلفين ١/ ١٣٥).
(٤) الذخيرة لبرهان الدِّين عبد العزيز بن عمر بن مازه، وتسمى الذخيرة البرهانية، كما جاء في الجواهر المضية ١/ ٣٦٣.
(٥) سقط من (ع)، (م) الفقرة ١١/ ٧.
[ ٤١ ]
١١/ ٨ - وقال في "الوافي" (١) و"الكافي" (٢) و"المصفى" (٣): يكره عند مالك، وعندنا: لا يكره.
١١/ ٩ - وقال في "الغاية": عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا.
واختلفوا: هل الأفضل التفريق أو التتابع؟ ".
و[الزوزني السديدي] كانت وفاته في رجب سنة (٧١٠ هـ) عشر وسبعمائة.
١٢ - وقال صاحب "مجمع البحرين" (٤): "ولم يكرهوا إتباع الفطر بست من شوال".
وكانت وفاته سنة أربع وتسعين وستمائة (٦٩٤ هـ).
١٣ - وقال خاتمة المتأخرين العلامة أكمل الدِّين (٥) في "شرح المشارق": "وقد اختلف العماء في صفة هذا الصوم: فذهب مالك إلى أنه إذا كان متتابعًا يكره. وذهب الأكثرون إلى عدم
_________________
(١) الوافي: هو لأبي البركات أحمد بن عبد الله النسفي (ت ٧١٠ هـ)، وهو كالهداية.
(٢) الكافي: هو شرح الوافي، للمؤلف نفسه أبي البركات النسفي أيضًا.
(٣) المصفى: هو شرح المنظوفة النسفية في الخلاف، لأبي البركات النسفي أيضًا.
(٤) صاحب مجمع البحرين هو ابن الساعاتي: مظفر الدِّين أحمد بن علي بن ثعلب، بغدادي المولد والمنشأ، فقيه أصولي أديب. (معجم المؤلفين ٢/ ٤).
(٥) المراد بأكمل الدِّين: البابرتي محمَّد بن محمود، وهو صاحب العناية شرح الهداية، وله كتب كثيرة. (هدية العارفين ٢/ ١٧١).
[ ٤٢ ]
كراهته (١)، عملًا بظاهر الحديث. وإذا كان متفرقًا في شوال فهو أبعد عن الكراهة والتشبه بالنصارى".
وكانت وفاته في رمضان سنة (٧٨٦ هـ) ست وثمانين وسبعمائة.
هذا ما حضرني الآن من منصوصات كتب علمائنا. وبه تبين أن أحدًا ممن تقدم هذا القائل لم يقل أن الكراهة مطلقًا أصح (٢).