بعد أن بينا الغناء المحرم بقسميه: بالآلة وبدونها معتمدين في ذلك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وعلى الآثار السلفية وأقوال الأئمة فقد آن لنا أن نتحدث عن الغناء الصوفي وعما يعرف اليوم ب الأناشيد الإسلامية أو الدينية فأقول وبالله أستعين:
إن مما لا شك فيه أنه كما لا يجوز أن لا نعبد أحدا إلا الله تحقيقا لشهادة أن لا إله إلا الله فكذلك لا يجوز لنا أن نعبد الله أو نتقرب إليه إلا بما جاء به رسول الله ﷺ تحقيقا لشهادة محمد رسول الله فإذا تحقق المؤمن بذلك كان محبا لله متبعا لرسوله ﷺ ومن أحبه الله كان الله معه وناصرا له.
وقد كنت ذكرت في مقدمة تلعيقي على رسالة العز بن عبد السلام ﵀ بداية السول في تفضيل الرسول بعد حديثين معروفين في حب الله والرسول وأن من كان ذلك فيه وجد حلاوة الإيمان ما نصه:
واعلم أيها الأخ المسلم أنه لا يمكن لأحد أن يرقى إلى هذه المنزلة من الحب لله ورسوله إلا بتوحيد الله تعالى في عبادته دون سواه وبإفراد النبي ﷺ بالاتباع دون غيره من عباد الله لقوله تعالى: من يطع الرسول فقد أطاع الله وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقوله ﷺ:
"والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا اتباعي" ١.
_________________
(١) ١حديث حسن مخرج في الأرواء ١٥٨٩. والصحيحة ٣٢٠٧.
[ ١٥٨ ]
قلت: فإذا كان مثل موسى كليم الله لا يسعه أن يتبع غير النبي ﷺ فهل يسع ذلك غيره؟ فهذا من الأدلة القاطعة على وجوب إفراد النبي ﷺ في الاتباع وهو من لوازم شهادةأن محمدا رسول الله ولذلك جعل الله ﵎ في الآية المتقدمة اتباعه ﷺ - دون سواه - دليلا على حب الله إياه ومما لا شك فيه أن من أحبه الله كان الله معه في كل شيء كما في الحديث القدسي الصحيح:
"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه..".
رواه البخاري. وهو مخرج في الصحيحة ١٦٤٠.
وإذا كانت هذه العناية الإلهية إنما هي بعبده المحبوب من الله كان واجبا على كل مسلم أن يتخذ السبب الذي يجعله محبوبا عند الله ألا وهو اتباع رسول الله ﷺ وحده دون سواه وبذلك فقط يحظى بالعناية الخاصة من مولاه ﵎ ألست ترى أنه لا سبيل إلى معرفة الفرائض وتميزها من النوافل إلا باتباعه ﷺ وحده؟.
إذا عرف هذا فإني أرى لزاما علي انطلاقا من قوله ﷺ:
"الدين النصيحة" ١ أن أذكر من ابتلي من إخواننا المسلمين - من كانوا وحيثما كانوا
_________________
(١) ١ رواه مسلم عن تميم الداري ﵁ وهو مخرج في الإرواء رقم ٢٦ وغاية المرام ٣٣٢.
[ ١٥٩ ]
بالغناء الصوفي أو بما يسمونه ب الأناشيد الدينية اسماعا واستماعا بما يلي:
أولا: أن مما لا يرتاب فيه عالم من علماء المسلمين العارفين حقا بفقه الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح الذين أمرنا بالتمسك بنهجهم ونهينا عن مخالفة سبيلهم في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أقول: لا يخفى على أحد من هؤلاء العلماء أن الغناء المذكور محدث لم يكن معروفا في القرون المشهود لها بالخيرية.
ثانيا: أنه من المسلم عندهم أنه لا يجوز التقرب إلى الله إلا بما جاء به رسول الله ﷺ لما تقدم بيانه وقد ضرب لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الأمثلة التي تؤكد لكل ذي علم منصف ما ذكرنا فقال رحمه الله تعالى:
ومن المعلوم أن الدين له أصلان فلا دين إلا ما شرع الله ولا حرام إلا ما حرمه الله والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله وشرعوا دينا لم يأذن به الله.
ولو سئل العالم١ عمن يعدو بين الجبلين هل يباح له ذلك؟ قال: نعم فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: إن فعله على هذا الوجه [فهو] حرام منكر يستتاب فاعله فإن تاب وإلا قتل٢.
ولو سئل عن كشف الرأس ولبس الإزار والرداء؟ أفتى بأن هذا جائز فإذا قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج؟ قال: إن هذا حرام منكر.
_________________
(١) ١ يعني طبعا العالم السلفي وليس الخلفي الغزالي!. ٢ قلت: يعني من قبل الحاكم القائم على حدود الله الذي صار اليوم كالعنقاء!.
[ ١٦٠ ]
ولو سئل عمن يقوم في الشمس؟ قال: هذا جائز فإذا قيل: إنه يفعله على وجه العبادة؟ قال: هذا منكر كما روى البخاري عن ابن عباس ﵄:
صحيح أن رسول الله ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: "من هذا؟ "
قالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ويستظل ولا يتكلم فقال النبي ﷺ: "مروه فليتكلم وليجلس وليستظل وليتم صومه" ١.
فهذا لو فعله لراحة أو غرض مباح لم ينه عنه لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه.
وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت لم يحرم عليه ذلك ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة كما لو كانوا يفعلونه في الجاهلية.. كان عاصيا مذموما مبتدعا والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية٢ لأن المعاصي يعلم أنه عاص فيتوب والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب ولهذا من حضر السماع للعب أو لهو لا يعده من صالح عمله ولا يرجو به الثواب.
وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينا وإذا نهي عنه
_________________
(١) ١ وهو مخرج في الإرواء ٨/٢١٨، ٢٥٩١، وفيه بيان إنه ليس في البخاري قوله: في الشمس وهو صحيح. ٢ روي هذا عن بعض السلف وهو سفيان الثوري رواه ابن الجعد في مسنده ٢/٧٤٨/١٨٨٥.
[ ١٦١ ]
كان كمن نهي عن دينه ورأى أنه قد انقطع عن الله وحرم نصيبه من الله إذا تركه!
فهؤلاء ضلال باتفاق علماء المسلمين ولا يقول أحد من أئمة المسلمين:
إن اتخاذ هذا دينا طريقا إلى الله تعالى أمر مباح بل من جعل هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال مضل مخالف لإجماع المسلمين.
ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا متكلما في الدين بلا علم.
مجموع الفتاوى ١١ / ٦٣١ – ٦٣٣.
ثالثا: إن من المقرر عند العلماء أنه لا يجوز التقرب إلى الله بما لم يشرعه الله ولو كان أصله مشروعا كالأذان مثلا لصلاة العيدين وكالصلاة التي تسمى بصلاة الرغائب وكالصلاة على النبي ﷺ عند العطاس ومن البائع عند عرضه بضاعته للزبون - ونحو ذلك كثير وكثير جدا - من محدثات الأمور التي يسميها الإمام الشاطبي ﵀ ب البدع الإضافية وحقق في كتابه العظيم حقا الاعتصام دخولها في عموم قوله ﷺ: "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ١.
فإذا عرف ذلك فالتقرب إلى الله بما حرم يكون محرما من باب أولى بل هو شديد التحريم لما فيه من المخالفة والمشاققة لشريعة الله وقد توعد الله من
_________________
(١) ١ رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه بإسناد صحيح وصححه ابن تيمية في غير ما موضع انظر رسالتي خطبة الحاجة ص ٣٧.
[ ١٦٢ ]
فعل ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
يضاف إلى ذلك أن فيه تشبها بالكفار من النصارى وغيرهم ممن قال الله تعالى فيهم: الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا وبالمشركين الذين قال فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال العلماء: المكاء: الصفير والتصدية: التصفيق١.
ولذلك اشتد إنكار العلماء علهم قديما وحديثا فقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:
تركت بالعراق شيئا يقال له: التغيير أحدثته الزنادقة يصدون الناس عن القرآن٢.
وسئل عنه أحمد؟ فقال: بدعة وفي رواية: فكرهه ونهى عن استماعه وقال: [إذا رأيت إنسانا منهم في طريق فخذ في طريق أخرى] ٣.
والتغيير: شعر يزهد في الدنيا يغنى به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه كما قال ابن القيم وغيره.
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٣/٣٠٦، وإغاثة اللهفان ١/٢٤٤-٢٤٥. ٢ ص ٣٦، وأبو نعيم في الحلية٩/١٤٦، وعنه ابن الجوزي ص٢٤٤- ٢٤٩، وإسناده صحيح ذكره ابن القيم في الإغائة ١/٢٢٩، أنه متواتر عن الشافعي ثم فسر التغبير بما ذكرت أعلاه. رواه الخلال بالأمر بالمعروف ٣ رواه الخلال من طرق عنه والزيادة من مسألة السماع ص ١٢٤.
[ ١٦٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المجموع ١١ / ٥٧٠:
وما ذكره الشافعي - ﵁ - من أنه من إحداث الزنادقة -[فهو] كلام إمام خبير بأصول الإسلام فإن هذا السماع لم يرغب فيه ويدعو إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة كابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم كما ذكر أبو عبد الرحمن السلمي في مسألة السماع عن ابن الراوندي١ قال:
اختلف الفقهاء في السماع فأباحه قوم وكرهه قوم فأنا أوجبه - أو قال: آمر به فخالف إجماع العلماء في الأمر به.
والفارابي٢ كان بارعا في الغناء الذي يسمونه الموسيقى وله فيه طريقة عند أهل صناعة الغناء وحكايته مع ابن حمدان مشهورة لما ضرب فأبكاهم ثم أضحكهم ثم نومهم ثم خرج.
وقال ص ٥٦٥:
_________________
(١) ١ اسمه أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي الزنديق الشهير قال الحافظ في لسان الميزان: "كان أول من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشتهر بالإلحاد وقد صنف كتبا كثيرة يطعن فيها على الإسلام وقد أجاد الشيخ في حذف ترجمته من هذا الكتاب يعني الميزان وإنما أوردته لألعنه، توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين". ٢ اسمه محمد بن محمد بن طرخان التركي له ترجمة مبسطة في شذرات الذهب ٢/٣٥٠- ٣٥٤، والحكاية التي أشار إليها مذكورة فيه وهي كالأسطورة كفره الغزالي وغيره مات سنة ٣٣٩،. ٢
[ ١٦٤ ]
وقد عرف بالاضطراب من دين الإسلام أن النبي ﷺ لم يشرع لصالحي أمته وعبادهم وزهادهم أن يجتمعوا إلى استماع الأبيات الملحنة مع ضرب بالكف أو ضرب بالقضيب أو الدف كما لم يبح لأحد أن يخرج عن متابعته وإتباع ما جاء من الكتاب والحكمة لا في باطن الأمر ولا في ظاهره ولا لعامي ولا لخاصي.
ثم قال الشيخ ٥٧٣ - ٥٧٦:
ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفى ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد يفعل في النفوس فعل حميا الكؤوس.
ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز كما يجد شارب الخمر بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر ويصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم من الخمر حتى يقتل بعضهم بعضا من غير مس بيد بل بما يقترن بهم من الشياطين فانه يحصل لهم أحوال شيطانية بحيث تتنزل عليهم الشياطين في تلك الحال ويتكلمون على ألسنتهم كما يتكلم الجني على لسان المصروع: إما بكلام من جنس كلام الأعاجم الذين لا يفقه كلامهم كلسان الترك أو الفرس أو غيرهم ويكون الإنسان الذي لبسه الشيطان غريبا لا يحسن أن يتكلم بذلك بل يكون الكلام من جنس كلام من
[ ١٦٥ ]
تكون تلك الشياطين من إخوانهم وإما بكلام لا يعقل ولا يفهم له معنى وهذا يعرفه أهل المكاشفة
شهودا وعيانا١.
وهؤلاء الذين يدخلون النار مع خروجهم عن الشريعة هم من هذا النمط فان الشياطين تلابس أحدهم بحيث يسقط إحساس بدنه حتى أن المصروع يضرب ضربا عظيما وهو لا يحس بذلك ولا يؤثر في جلده فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين وتدخل بهم النار وقد تطير بهم في الهواء وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب عقله كما يلبس الشيطان المصروع.
وبأرض الهند والمغرب ضرب من الزط يقال لأحدهم: المصلي فإنه يصلى النار كما يصلى هؤلاء وتلبسه ويدخلها ويطير في الهواء ويقف على رأس الزج٢ ويفعل أشياء أبلغ مما يفعله هؤلاء وهم من الزط الذين لا خلاق لهم والجن تخطف كثيرا من الإنس وتغيبه عن أبصار الناس وتطير بهم في
_________________
(١) ١ تنبيه: لقد أنكر بعض المعاصرين عقيدة مس الشيطان للإنسان مس حقيقيا ودخوله في بدن الإنسان وصرعه إياه وألف بعضهم في ذلك بعض التأليفات موهوا فيها على على الناس وتولى كبره مضعف الأحاديث الصحيحة المار ذكره في كتابه المسمى ب الأسطورة وضعف ما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة كعادته وركن هو وغيره إلى تأويلات المعتزلة واشتط آخرون فاستغلوا هذه العقيدة الصحيحة وألحقوا بها ما ليس منها مما غير حقيقتها وساعدوا بذلك المنكرين لها واتخذوها وسيلة لجمع الناس حولهم لاستخراج الجان من صدورهم بزعمهم وجعلوها مهنة لهم لأكل أموال الناس بالباطل حتى صار بعضهم من كبار الأغنياء والحق ضائع بين هؤلاء المبطلين وأولئك المنكرين وقد رددت عليهم جميعا في المجلد السادس من الصحيحة التي تؤكد المس الحقيقي برقم ٢٩١٨. ٢ هو النصل الذي على الرمح.
[ ١٦٦ ]
الهواء وقد باشرنا من هذه الأمور ما يطول وصفه وكذلك يفعل هذا هؤلاء المتولهون والمنتسبون إلى بعض المشائخ إذا حصل له وجد سماعي وعند سماع المكاء والتصدية منهم من يصعد في الهواء ويقف على زج الرمح ويدخل النار ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم يضعه على بدنه وأنواع من هذا الجنس ولا تحصل له هذه الحال عند الصلاة ولا عند الذكر ولا عند قراءة القرآن لأن هذه عبادات شرعية إيمانية إسلامية نبوية محمدية تطرد الشياطين وتلك عبادات بدعية شركية شيطانية فلسفية تجلب الشياطين.
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" ١ وقد ثبت فى الحديث الصحيح: أن أسيد بن حضير لما قرأ سورة الكهف تنزلت الملائكة لسماعها كالظلة فيها السرج٢.
ولهذا كان المكاء والتصدية يدعو إلى الفواحش والظلم ويصد عن حقيقة ذك الله تعالى والصلاة كما يفعل الخمر والسلف يسمونه تغبيرا لأن التغبير هو الضرب بالقضيب على جلد من الجلود وهو ما يغبر صوت الإنسان
_________________
(١) ١ هو في صحيح مسلم وهو مخرج عندي في نقد نصوص حديثية ص ٣٦. ٢ روى أصل الحديث الأمام البخاري في صحيحه ٥٠١١. ومسلم في صحيحه ٧٩٥. لكن فيه إبهام صاحب القصة أسيد ولكن قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٩/٥٧: قيل: هو أسيد بن حضير. وجزم بذلك ابن كثير في تفسيره ٣/١١٥، ولعله تبع في ذلك الخطيب البغدادي في الأسماء المبهمة ص٤ وهذا كله مبني على الاحتمال وليس من نص يقطع الواقف عليه بالجزم في هذا التعيين.
[ ١٦٧ ]
على التلحين فقد يضم إلى صوت الإنسان إما التصفيق بأحد اليدين على الأخرى وإما الضرب بقضيب على فخذ وجلد وإما الضرب باليد على أختها أو غيرها على دف أو طبل كناقوس النصارى والنفخ في صفارة كبوق اليهود فمن فعل هذه الملاهي على وجه الديانة والتقرب فلا ريب في ضلالته وجهالته.
ومن العلماء الذين بالغوا في الإنكار على غناء الصوفية القاضي أبو الطيب الطبري١ فقال:
هذه الطائفة مخالفة لجماعة المسلمين لأنهم جعلوا الغناء دينا وطاعة ورأيت إعلانه في المساجد والجوامع وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة٢.
ومنهم الإمام الطرطوشي٣ سئل عن قوم في مكان يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشدون لهم منشد شيئا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟
فأجاب: مذهب الصوفية هذا بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار فأتوا يرقصون حوله ويتواجدون وهو - أي:
_________________
(١) ١ هو من كبار فقهاء الشافعية وصفه الذهبي في السير ١٧/٦٦٨، ب الإمام العلامة شيخ الإسلام، مات صحيح العقل ثابت الفهم سنة ٤٥٠هـ وله سنتان ومئة ﵀. ٢ مسألة السماع لابن القيم ص ٢٦٢، وهو تلخيص ما في رسالة الطبري ص٣٢. ٣ شيخ المالكية في قرطبة قال الذهبي ١٩/٤٩٠: الإمام القدوة الزاهد مات سنة ٥٢٠.
[ ١٦٨ ]
الرقص - دين الكفار وعباد العجل وإنما كان مجلس النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا يعينهم على باطل هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين١.
ومنهم الإمام القرطبي٢ قال بعد أن ذكر الغناء الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن وفيه وصف النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة ولا يختلف في تحريمه:
وأما ما أبتدعه الصوفية في ذلك فمن قبيل ما لا يختلف في تحريمه لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير حتى لقد ظهرت في كثير منهم فعلات المجانين والصبيان حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة وانتهى التواقع بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال وأن ذلك يثمر سني الأحوال وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المخرقة والله تعالى المستعان٣.
_________________
(١) ١ كف الرعاع عن سماع آلات السماع للفقيه الهيتمي ص٥٠/هامش الزواجر تفسير القرطبي ١١/٢٣٧ - ٢٣٨. ٢ هو محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المشهور مؤلف الجامع لأحكام القرآن مات سنة ٦٧١. والسطر الأول منه هو في الجامع بنحوه ١٤/٥٤. ٣ روح المعاني للعلامة الآلوسي ١١/٧٠.
[ ١٦٩ ]
وقد أفتى بنحو هذا الإمام الحافظ ابن الصلاح١ في فتوى له مسهبة جوابا على سؤال من بعضهم عمن يستحلون الغناء بالدف والشبابة مع الرقص والتصفيق ويعتقدون أن ذلك حلال وقربة وأنه من أفضل العبادات؟
فأجاب ﵀ بما خلاصته مما يناسب المقام قال:
لقد كذبوا على الله ﷾ وشايعوا بقولهم هذا باطنية الملحدين وخالفوا إجماع المسلمين ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.
ومنهم الإمام الشاطبي رحمه الله٣ فقال إجابة عن سؤال وجه إليه عن قوم ينتمون إلى الصوفية يجتمعون فيذكرون الله جهرا بصوت واحد ثم يغنون ويرقصون؟:
إن ذلك كله من البدع المحدثات المخالفة طريقة رسول الله ﷺ وطريقة أصحابه والتابعين لهم بإحسان فنفع الله بذلك من شاء من خلقه.
_________________
(١) ١ هو الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين مؤلف مقدمة علوم الحديث المشهورة قال الذهبي في السير: كان أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه. توفي سنة ٦٤٣. ٢ انظر فتاوى ابن الصلاح ٣٠٠- ٣٠١- توفي سنة ٦٤٣. ابن القيم في إغائة اللهافان ١/٢٢٨. مقطعا أوسع مما هنا وفيه بعضه. ٣ هو العلامة المحقق إبراهيم بن موسى اللخمي أبو إسحاق الغرناطي صاحب المؤلفات الجليلة النفيسة مات سنة ٧٩٠.
[ ١٧٠ ]
ثم ذكر أن الجواب لما وصل إلى بعض البلاد قامت القيامة على العاملين بتلك البدع وخافوا اندراس طريقتهم وانقطاع أكلهم منها فلجأوا إلى فتاوى لبعض شيوخ الوقت يستغلونها لصالح بدعتهم فرد الشاطبي عليهم وبين أنها حجة عليهم.
وبسط الكلام في ذلك جدا في نحو ثلاثين صفحة ٣٥٨ - ٣٨٨ فمن شاء التوسع رجع إليه.
وكان قبل ذلك ذكر أصولا ومآخذ يعتمد عليها أهل البدع والأهواء وبين بطلانها ومخالفتها للشرع بيانا شافيا فرأيت أن أقدم إلى القراء خلاصة عنها لأهميتها ولأن علماء الأصول لم يبسطوا القول في بيانها كما قال هو نفسه ﵀ ١ / ٢٩٧ فاطلبها من الحاشية١.
_________________
(١) "٢" ١- اعتمادهم على الأحاديث الضعيفة والمكذوب فيها على رسول الله ﷺ والأحاديث الضعيفة لا يغلب على الظن أن النبي ﷺ قالها فلا يمكن أن يسند إليها حكم فما ظنك بالأحاديث المعروفة الكذب؟! ص٢٩٩- ٣٠٠.
(٢) ردهم للأحاديث الصحيحة التي هي غير موافقة لأغراضهم ويدعون أنها مخالفة للمعقول كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله في الآخرة ونحو ذلك.. ص٣٠٩.
(٣) تجرؤهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع الجهل بعلم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله فيفتئون على الشريعة ويخالفون الراسخين في العلم.
(٤) ص٣٢٠: انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف.
[ ١٧١ ]
ومنهم العلامة المحقق الأديب الأريب ابن قيم الجوزية١ وقد بلغ الغاية في الاحتجاج لتحريم الغناء والملاهي والغناء الصوفي في كتابه الكبير الكلام في مسألة السماع وقد توسع جدا في الاستدلال على ذلك بالكتاب والسنة والآثار السلفية وبيان مذاهب العلماء والمراجحة بينها والرد على المستحلين لما حرم الله ومن طرائفه أنه عقد مجلس مناظرة بين صاحب غناء وصاحب قرآن في فصول رائعة ممتعة الحجة فيها ساطعة على المستحلين والمبتدعة جزاه الله
_________________
(١) ص ٣٢٩: الأخذ بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها وبالعموميات من غير تأمل هل لها مخصصات أم لا وكذلك العكس بأن يكون النص مقيدا فيطلق أو خاصا فيعمم بالرأي من غير دليلا سواه..١
(٢) ص ٣٣٤: تحريف الأدلة عن مواضعها بأن يرد الدليل على مناط فيصرف على مناط آخر موهما أن المناطين واحد وهو من خفيات تحريف الكلم عن مواضعه والعياذ بالله ويغلب على الظن أن من أقر بالاسلام ويذم تحريف الكلم عن مواضعه لا يلجأ إليه صراحا إلا مع اشتباه يعرض له أو جهل يصده عن الحق مع هوى يعميه عن أخذ الدليل مأخذه فيكون بذلك السبب مبتدعا.
(٣) ص ٣٤٨: التفاني في تعظيم شيوخهم حتى ألحقوهم بما لا يستحقونه فالمقتصد منهم يزعم أنه لا ولي لله أعظم من فلان وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور وهو باطل محض ص٣٤٩: والمتوسط يزعم أنه مساو للنبي ﷺ إلا أنه لا ياتيه الوحي! ١ هو أشهر من أن يخفى على أحد مات سنة ٧٥١. -----------------
(٤) قلت: ثم ضرب الإمام الشاطبي على ذلك بعض الأمثلة العلمية النافعة وجعل ابن القيم العكس المذكور أصل غلط الصوفية في إباحة غنائهم فراجهه في كتابه المذكور أعلاه ص٣٦٠، وبمثل هذا الغلط أباح الغزالي المعاصر الموسيقى انظر ص٧٠/السنة النبوية.
[ ١٧٢ ]
خيرا وقد قال في رده المجمل على الغناء الصوفي ما مختصره ص ١٠٦ - ١٠٨:
إن هذا السماع على هذا الوجه حرام قبيح لا يبيحه أحد من المسلمين ولا يستحسنه إلا من خلع جلباب الحياء والدين عن وجهه وجاهر الله ورسوله ودينه وعباده بالقبيح وسماع مشتمل على مثل هذه الأمور قبحه مستقر في فطر الناس حتى إن الكفار ليعيرون به المسلمين ودينهم:
نعم خواص المسلمين ودين الإسلام براء من هذا السماع الذي كم حصل به من مفسدة في العقل والدين والحريم والصبيان فكم أفسد من دين وأمات من سنة وأحيا من فجور وبدعة!
ولو لم يكن فيه من المفاسد إلا ثقل استماع القرآن على قلوب أهله واستطالته إذا قرئ بين يدي سماعهم ومرورهم على آياته صما وعميا لم يحصل لهم من ذوق ولا وجد ولا حلاوة بل ولا يصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه ولا يقومون معانيه ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته.
تلي الكتاب فأطرقوا لا خفية لكنه إطراق ساهٍ لاهي
وإلى الغناء فكالذباب تراقصوا والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شادن١ فمتى رأيت عبادة بملاهي
_________________
(١) ١ الأصل "شاهد" وما أثبته في إغاثة اللهفان ١/٢٢٥. ولعله الأقرب وهو المغني.
[ ١٧٣ ]
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بأوامر ونواهي
والرقص خف عليهم بعد الغنا يا باطلا قد لاق بالأشباه
يا أمة ما خان دين محمد وجنى عليه ومله إلا هي١
وبالجملة فمفاسد هذا السماع في القلوب والنفوس والأديان أكثر من أن يحيط به العد.
ومنهم المفسر المحقق الآلوسي٢ فقال بعد أن أطال النفس جدا في تفسير آية ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ والآثار وأقوال المفسرين فيها وفي دلالتها على تحريم الغناء ومذهب الفقهاء فيه ١١ / ٧٢ - ٧٣:
وأنا أقول: قد عمت البلوى بالغناء والسماع في سائر البلاد والبقاع ولا يتحاشى من ذلك في المساجد وغيرها بل قد عين مغنون يغنون على المنائر في أوقات مخصوصة شريفة بأشعار مشتملة على وصف الخمر والحانات وسائر ما يعد من المحظورات ومع ذلك قد وظف لهم من غلة الوقف ما وظف ويسمونهم الممجدين ويعدون خلو الجوامع من ذلك من قلة الاكتراث بالدين وأشنع من ذلك ما يفعله أبالسة المتصوفة ومردتهم ثم أنهم - قبحهم الله تعالى - إذا اعترض عليهم بما اشتمل عليه نشيدهم من الباطل يقولون: نعني
_________________
(١) ١ قال المعلق عليه: لم أعرف القائل وأنا أظن انه ابن القيم نفسه فان أسلوبه وروحه عليه ظاهر وقد ساقه في الإغاثة باختلاف في بعض الأبيات وزيادة عليها. ٢ هو العلامة أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود الالوسي مفتي بغداد له مؤلفات كثيرة أشهرها واعظمها تفسيره هذا روح المعاني توفي سنة ١٢٧٠.
[ ١٧٤ ]
بـ "الخمر" المحبة الإلهية أو بـ "السكر": غلبتها أو بـ "مية" و"ليلى" و"سعدى" مثلا: المحبوب الأعظم وهو الله ﷿ وفي ذلك من سوء الأدب ما فيه ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ .
ثم نقل عن بعض الأجلة ص ٧٥ أنه قال:
ومن السماع المحرم سماع متصوفة زماننا وإن خلا عن رقص فإن مفاسده أكثر من أن تحصى وكثير مما ينشدون من الأشعار من أشنع ما يتلى ومع هذا يعتقدونه قربة ويزعمون أن أكثرهم رغبة فيه أشدهم رغبة أو رهبة قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون.
وكان قبل ذلك نقل ص ٧٣ عن العز بن عبد السلام الإنكار الشديد لسماعهم ورقصهم وتصفيقهم ثم تحدث عن وجدهم وأقوال العلماء فيه وهل يؤاخذون عليه؟ وأنكره هو عليهم لأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ثم عاد إلى التعرض لما يسمونه بـ "التمجيد" على المنائر وأنكره.
ثم ذكر الأحاديث في تحريم المعازف ومنها حديث البخاري ثم ذكر حكم القعود في مجلس فيه شيء منها وأقوال العلماء في ذلك.. ثم قال ص ٧٩:
ثم إنك إذا ابتليت بشيء من ذلك فإياك ثم إياك أن تعتقد أن فعله أو استماعه قربة كما يعتقد ذلك من لا خلاق له من المتصوفة فلو كان الأمر كما زعموا لما أهمل الأنبياء أن يفعلوه ويأمروا أتباعهم به ولم ينقل ذلك عن أحد من
[ ١٧٥ ]
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أشار إليه كتاب من الكتب المنزلة من السماء وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولو كان استعمال الملاهي المطربات أو استماعها من الدين ومما يقرب إلى حضرة رب العالمين لبينه ﷺ وأوضحه كمال الإيضاح لأمته وقد قال ﵊: "والذي نفسي بيده ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئا يقربكم من النار ويباعدكم عن الجنة إلا نهيتكم عنه" ١.
وبعد فهذا ما تيسر لي ذكره من أقوال العلماء المشهورين في إنكار الغناء الصوفي وبيان أنه بدعة ضلالة بعد أن أثبتنا حرمة الغناء بالكتاب والسنة وتقدمت أقوال أخرى لآخرين في بعض الفصول المتقدمة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية
ولا بد لي بهذه المناسبة أن أقص على القراء ما وقع لي مع بعض الطلبة المقلدين من المناقشة حول هذا الغناء اللعين وذلك منذ نصف قرن من الزمان وأنا في دكاني في دمشق أصلح الساعات جاءني زبون من الطلبة وعليه العمامة الأغبانية المزركشة المعروفة في سوريا فلفت نظري ظرف كبير يتأبطه ظننت أن فيه بعض إسطوانات صندوق سمع فونوغراف المعروفة في ذلك الزمان فلما سألته أجاب بما ظننت فقلت له مستنكرا: أأنت مغني؟ قال: لا ولكني أسمع الغناء قلت: أما تعلم أنه حرام باتفاق الأئمة الأربعة؟
_________________
(١) ١ قلت: هو مخرج في الصحيحة ١٨٠٣.
[ ١٧٦ ]
قال: لكني أفعل بنية حسنة قلت: كيف ذلك؟ قال: إني أجلس أسبح الله وأذكره والسبحة بيدي وأستمع لغناء أم كلثوم فأتذكر بصوتها العذب صوت الحور العين في الجنة فأنكرت ذلك عليه أشد الإنكار ولا أذكر الآن ما قلت له بعدها ولكنه لما رجع بعد أسبوع ليأخذ ساعته بعد تصليحها جاء معه طالب أقوى منه معروف من جمعية رابطة العلماء فتكلم في الموضوع مؤيدا لصاحبه معتذرا عنه بحسن نيته فأجبته بأن حسن النية لا يجعل المحرم حلالا فضلا عن أن يجعله قربة إلى الله أرأيت لو أن مسلما استحل شرب الخمر بدعوى تذكر خمر الجنة؟ وهكذا يقال في الزنا أيضا فاتق الله ولا تفتح على الناس باب استحلال حرمات الله بل والتقرب إلى الله بأدنى الحيل فانقطع الرجل.
فهذا مثال من تأثير الغناء الصوفي.
وما لي أذهب بالقراء بعيدا فهذا الشيخ الغزالي الذي اشتهر بأنه من الدعاة الإسلاميين وأعطي من أجل ذلك جائزة إسلامية عالمية كبرى يستبيح الغناء المذكور ولو من أم كلثوم وفيروز وحينما أنكر عليه أحد الطلبة استماعه لأغنية أم كلثوم فيما أظن:
أين ما يدعى ظلاما يا رفيق الليل أينا؟
أجاب بقوله: إنني أعني شيئا آخر "ص ٧٥ " السنة يعني أن نيته حسنة!
وكان قبل ذلك ص ٧٠ وضع حديث " إنما الأعمال بالنيات" في غير
[ ١٧٧ ]
موضعه وذلك من الأدلة الكثيرة على جهله بفقه السنة لأن معناه: إنما الأعمال الصالحة بالنيات الصالحة كما يدل على ذلك تمام الحديث١ وهو ظاهر بأدنى تأمل ولكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
وختاما أقول: لو لم يكن من شؤم الغناء الصوفي إلا قول أحدهم:
سماع الغناء أنفع للمريد من سماع القرآن من ستة أوجه أو سبعة
لكفى!
ولما قرأت هذا في مسألة السماع لابن القيم ١ / ١٦١ لم أكد أصدق أن هذا يقوله مسلم حتى رأيته في كلام الغزالي في الإحياء ٢ / ٢٩٨ وبعبارة مطلقة غير مقيدة ب المريد مع الأسف الشديد وأكده بأن أورده على نفسه سؤالا أو اعتراضا خلاصته:
إذا كان كلام الله تعالى أفضل من الغناء لا محالة فما بالهم لا يجتمعون على قارئ القرآن؟ فأجاب بقوله:
فاعلم أن الغناء أشد تهييجا للوجد من القرآن من سبعة أوجه !
ثم سود أكثر من صفحتين كبيرتين في بيانها فيتعجب الباحث كيف يصدر ذلك من فقيه من كبار فقهاء الشافعية بل قال فيه من نجله: حجة الإسلام ومع ذلك فكلامه فيها هزيل جدا ليس فيه علم ولا فقه يتبين ذلك من قوله:
_________________
(١) ١ انظر جامع العلوم والحكم ص٥، للحافظ ابن رجب وفتح الباري ١/١٣.
[ ١٧٨ ]
الوجه السادس: أن المغني قد يغني ببيت لا يوافق حال السامع فيكرهه وينهاه عنه ويستدعي غيره فليس كل كلام موافقا لكل حال فلو اجتمعوا في الدعوات على القارئ فربما يقرأ آية لا يوافق حالهم إذ القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال فإذن لا يؤمن أن لا يوافق المقروء الحال وتكرهه النفس فيتعرض به لخطر كراهة كلام الله تعالى من حيث لا يجد سبيلا إلى دفعه.. وأما قول الشاعر فيجوز تنزيله على غير مراد.. فيجب توقير كلام الله وصيانته عن ذلك وهذا ما ينقدح في علل انصراف الشيوخ إلى سماع الغناء عن سماع القرآن.
فأقول: الله أكبر لقد بلغ السيل الزبى فقد تضخمت المصيبة لقد كانت محصورة في المريدين في نقل ابن القيم المتقدم وإذا بالغزالي يصرح بأنها في الشيوخ أيضا وعنهم يدافع بذلك التعليل البارد الذي تغني حكايته عن رده والله المستعان.
وإذا كان الغزالي هذا يصرح بأن القرآن شفاء للناس كلهم على اختلاف الأحوال فما لنا وللوجد الذي من أجله سوغ الصوفية الإعراض عن سماع القرآن الوجد الذي أحسن أحواله أن يكون صاحبه مغلوبا عليه كالعطاس مثلا وأسوؤه أن يكون رياء ونفاقا وأين هم من قوله تعالى في القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾؟
ورحم الله ابن القيم وجزاه خيرا فقد عرف أضرار هذا السماع
[ ١٧٩ ]
الشيطاني وجلى مخالفته للسماع القرآني من وجوه كثيرة في فصول علمية عديدة وبحوث فقهية مفيدة وبين ضلال المتمسكين به ضلالا بعيدا في كتابه السابق مسألة السماع ونحوه في إغاثة اللهفان وأنشأ فيهم قصائد من الشعر وصفهم فيها وصفا دقيقا صادقا منها قصيدة في ثلاثين ومائة بيت في الإغاثة جاء فيها ١ / ٢٣٢:
تركوا الحقائق والشرائع واقتدوا بظواهر الجهال والضلال
جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا شطحا وصالوا صولة الإدلال
نبذوا كتاب الله خلف ظهورهم نبذ المسافر فضلة الأكال
جعلوا السماع مطية لهواهم وغلوا فقالوا فيه كل محال
هو طاعة هو قربة هو سنة صدقوا لذاك الشيخ ذي الإضلال
شيخ قديم صادهم بتحيل حتى أجابوا دعوة المحتال
هجروا له القرآن والأخبار وال آثار إذ شهدت لهم بضلال
ورأوا سماع الشعر أنفع للفتى من أوجه سبع لهم بنوال
تالله ما ظفر العدو بمثلها من مثلهم واخيبة الآمال
[ ١٨٠ ]
كلمة في الأناشيد الإسلامية:
هذا وقد بقي عندي كلمة أخيرة أختم بها هذه الرسالة النافعة إن شاء الله تعالى وهي حول ما يسمونه ب الأناشيد الإسلامية أو الدينية فأقول:
قد تبين من الفصل السابع ما يجوز التغني به من الشعر وما لا يجوز كما تبين مما قبله تحريم آلات الطرب كلها إلا الدف في العيد والعرس للنساء ومن هذا الفصل الأخير أنه لا يجوز التقرب إلى الله إلا بما شرع الله فكيف يجوز التقرب إليه بما حرم؟ وأنه من أجل ذلك حرم العلماء الغناء الصوفي واشتد إنكارهم على مستحليه فإذا استحضر القارئ في باله هذه الأصول القوية تبين له بكل وضوح أنه لا فرق من حيث الحكم بين الغناء الصوفي والأناشيد الدينية.
بل قد يكون في هذه آفة أخرى وهي أنها قد تلحن على ألحان الأغاني الماجنة وتوقع على القوانين الموسيقية الشرقية أو الغربية التي تطرب السامعين وترقصهم وتخرجهم عن طورهم فيكون المقصود هو اللحن والطرب وليس النشيد بالذات وهذه مخالفة جديدة وهي التشبه بالكفار والمجان.
وقد ينتج من وراء ذلك مخالفة أخرى وهي التشبه بهم في إعراضهم عن القرآن وهجرهم إياه فيدخلون في عموم شكوى النبي ﷺ من قومه كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
وإني لأذكر جيدا أنني لما كنت في دمشق - قبل هجرتي إلى هنا عمان بسنتين - أن بعض الشباب المسلم بدأ يتغنى ببعض الأناشيد السليمة المعنى قاصدا بذلك معارضة غناء الصوفية بمثل قصائد البوصيري وغيره وسجل ذلك في شريط فلم يلبث إلا قليلا حتى قرن معه الضرب على الدف ثم استعملوه في أول الأمر في حفلات الأعراس على أساس أن الدف جائز فيها ثم
[ ١٨١ ]
شاع الشريط واستنسخت منه نسخ وانتشر استعماله في كثير من البيوت وأخذوا يستمعون إليه ليلا نهارا بمناسبة وبغير مناسبة وصار ذلك سلواهم وهجيراهم وما ذلك إلا من غلبة الهوى والجهل بمكائد الشيطان فصرفهم عن الاهتمام بالقرآن وسماعه فضلا عن دراسته وصار عندهم مهجورا كما جاء في الآية الكريمة قل الحافظ ابن كثير في تفسيرها٣ / ٣١٧:
يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وذلك أن المشركين كانوا لا يسمعون القرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه وترك تدبره وتفهمه من هجرانه وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء أن يخلصنا مما يسخطه ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب.
وهذا آخر ما يسر الله ﵎ تبييضه من هذه الرسالة نفع الله بها عباده وذلك أصيل يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٤١٥ هـ
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
عمان ٢٨ / ٦ / ١٤١٥ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
[ ١٨٢ ]