بعد أن أبطلنا بما قدمنا من الأحاديث الصحيحة ومذاهب الأئمة الرجيحة تمسك ابن حزم ومن قلده بالأصل الذي هو الإباحة وزعمه بأنه لم يأت نص بتحريم شيء من الآلات فإن من تمام البحث والفائدة أن نذكر ما أيد به أصله المزعوم ثم الرد عليه بما أجاب به العلماء فأقول:
لقد تمسك ابن حزم في رسالته ٩٨ – ٩٩، وفي المحلى ٩ / ٦١ – ٦٢، بحديثين:
أحدهما: عن عائشة والآخر: عن ابن عمر ﵄.
١ - أما حديث عائشة فقد ساقه من رواية مسلم وحده وقد رواه البخاري أيضا وغيره وهو مخرج في غاية المرام ٣٩٩ وقد كنت أوردته في كتابي مختصر صحيح البخاري برقم ٥٠٨، بسياقه في أول كتاب العيدين ضاما إليه كل الزيادات والفوائد المبثوثة في مختلف المواضيع والأبواب من صحيح البخاري من حديثها ولذلك فإني سأنقل سياقه منه بحذف أرقام الأجزاء والصفحات من الزيادات قالت ﵂:
دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان [من جوار الأنصار] وفي راية: قينتان [في أيام منى تدففان وتضربان] تغنيان بغناء وفي رواية: بما تقاولت وفي أخرى: تقاذفت الأنصار يوم بعاث [وليستا
[ ١٠٦ ]
بمغنيتين] فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر [والنبي ﷺ متغش بثوبه] فانتهرني وفي رواية: فانتهرهما وقال: مزمارة وفي رواية: مزمار الشيطان عند وفي رواية: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ [مرتين؟] .
فأقبل عليه رسول الله ﷺ وفي رواية: فكشف النبي ﷺ عن وجهه فقال: "دعهما" [يا أبا بكر [ف] "إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"] فلما غفل غمزتهما فخرجتا.
قلت: فاحتج ابن حزم على الإباحة للتغني بالدف فقال تعليقا على قوله: وليستا بمغنيتين:
قلنا: نعم ولكنها قد قالت:
إنهما كانتا تغنيان فالغناء منهما قد صح وقولها: ليستا بمغنيتين أي: ليستا بمحسنتين وهذا كله لا حجة فيه إنما الحجة في إنكاره ﷺ على أبي بكر قوله: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ؟ فصح أنه مباح مطلق لا كراهية فيه وأن من أنكره فقد أخطأ بلا شك.
وجوابا عليه أقول وبالله أستعين:
من الواضح جدا لكل ناظر في هذا الحديث أنه ليس فيه الإباحة المطلقة التي ادعاها كيف وهي تشمل مع الجواري الصغار - النساء الكبار بل والرجال أيضا كما تشمل كل آلات الطرب وكل أيام السنة - وهذا خطأ واضح جدا فيه تحميل للحديث ما لا يحتمل وسببه خطأ آخر أوضح منه وقع
[ ١٠٧ ]
فيه ألا وهو قوله:
إنما الحجة في إنكاره ﷺ على أبي بكر قوله: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ.
قلت: فليس في الحديث شيء من هذا الإنكار ولو بطريق الإشارة وإنما فيه إنكاره ﷺ إنكار أبي بكر على الجاريتين وعلل ذلك بقوله:
"فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا".
قلت: وهذا التعليل من بلاغته ﷺ لأنه من جهة يشير به إلى إقرار أبي بكر على إنكاره للمزامير كأصل ويصرح من جهة أخرى بإقرار الجاريتين على غنائهما بالدف مشيرا بذلك إلى أنه مستثنى من الأصل كأنه ﷺ يقول لأبي بكر: أصبت في تمسكك بالأصل وأخطأت في إنكارك على الجاريتين فإنه يوم عيد.
وقد كنت ذكرت نحو هذا في مقدمتي لكتاب الشيخ نعمان الآلوسي: الآيات البينات في عدم سماع الأموات وتساءلت فيها ص ٤٦ - ٤٧: من أين جاء أبو بكر ﵁ بهذا الأصل؟ فقلت:
الجواب: جاء من تعاليم النبي ﷺ وأحاديثه كثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب ثم ذكرت بعض مصادرها المتقدمة ثم قلت: لولا علم أبي بكر بذلك وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد١ غير أنه كان خافيا عليه أن هذا
_________________
(١) ١قلت: ولا سيما وهو الأديب المتواضع الذي قال للنبي ﷺ: ما كان لابن أبي =
[ ١٠٨ ]
الذي أنكره يجوز في يوم عيد فبينه له النبي ﷺ بقوله: "دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العام مسلما به لإقراره ﷺ إياه ولكنه استثنى منه الغناء في العيد فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث.
وقد كنت ذكرت هناك في المقدمة المشار إليها أمثلة أخرى تدل على أهمية إقرار النبي ﷺ لقول ما وأنه يكون من الأسباب القوية لفهم الموضوع الذي وقع الإقرار فيه فهما صحيحا من ذلك حديث قليب بدر ومناداته ﷺ لقتلى المشركين فيه: "يا فلان ابن فلان.." وقول عمر وغيره من الصحابة ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فأقرهم على ذلك لكن أجابهم بقوله: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". متفق عليه فاستدللت ثمة بهذه القصة على أن الأصل في الموتى أنهم لا يسمعون بأمرين يهمني الآن منهما ما يتعلق بالإقرار فقلت: ص ٣٩ - ٤٢:
والأمر الآخر: أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون بعضهم أومأ إلى ذلك إيماء وبعضهم ذكر ذلك صراحة لكن الأمرين بحاجة إلى توضيح فأقول:
أما الإيماء فهو في مبادرة الصحابة لما سمعوا نداءه ﷺ لموتى القليب بقولهم:
ما تكلم أجسادا لا أرواح فيها فإن في رواية أخرى عن أنس
_________________
(١) = قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ وقد أمره ﷺ بأن يمكث في صلاته ليقتدي به النبي ﷺ كما في الصحيحين في قصة معروفة وهي مخرجة في الأرواء ٢/٢٥٨،. ثم رأيت في تفسير الآلوسي ١٢/٧، ما يوافق ما جاء في جوابي المذكور أعلاه فحمدت الله على ذلك وسألته المزيد من توفيقه وفضله.
[ ١٠٩ ]
نحوه بلفظ: قالوا بدل: قال عمر فلولا أنهم كانوا على علم بذلك سابق تلقوه منه ﷺ ما كان لهم أن يبادروه بذلك وهب أنهم تسرعوا وأنكروا بغير علم سابق فواجب التبليغ حينئذ يلزم النبي ﷺ أن يبين لهم أن اعتقادهم هذا خطأ وأنه لا أصل له في الشرع ولم نر في شيء من روايات الحديث مثل هذا البيان وغاية ما قال لهم: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم". وهذا - كما ترى - ليس فيه تأسيس قاعدة عامة بالنسبة للموتى جميعا تخالف اعتقادهم السابق وإنما هو إخبار عن أهل القليب خاصة على أنه ليس ذلك على إطلاقه كما تقدم شرحه فسماعهم إذن خاص بذلك الوقت وبما قال لهم النبي ﷺ فقط فهي واقعة عين لا عموم لها فلا تدل على أنهم يسمعون دائما أبدا وكل ما يقال لهم كما لا تشمل غيرهم من الموتى مطلقا.
وأما الصريحة فهي فيما رواه أحمد ٣ / ٢٨٧ من حديث أنس ﵁ قال:
صحيح فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث؟ وهل يسمعون؟ يقول الله ﷿: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع [لما أقول] منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا".
وسنده صحيح على شرط مسلم.
فقد صرح عمر ﵁ أن الآية المذكورة هي العمدة في تلك المبادرة وأنهم فهموا من عمومها دخول أهل القليب فيه ولذلك أشكل عليهم الأمر فصارحوا النبي ﷺ بذلك ليزيل إشكالهم وكان ذلك ببيانه المتقدم.
[ ١١٠ ]
ومنه يتضح أن النبي ﷺ أقر الصحابة - وفي مقدمتهم عمر - على فهمهم للآية على ذلك الوجه العام الشامل لموتى القليب وغيرهم لأنه لم ينكره عليهم ولا قال لهم: أخطأتم فالآية لا تنفي سماع الموتى مطلقا بل إنه أقرهم على ذلك ولكن بين لهم ما كان خافيا عليهم من شأن القليب وأنهم سمعوا كلامه حقا وأن ذلك أمر خاص مستثنى من الآية معجزة له ﷺ كما سبق.
ثم قلت هناك:
فتنبه لهذا واعلم من الفقه الدقيق الاعتناء بتتبع ما أقره النبي ﷺ من الأمور والاحتجاج به لأن إقراره حق كما هو معلوم وإلا فبدونه قد يضل الفهم عن الصواب في كثير من النصوص ولا نذهب بك بعيدا فهذا هو الشاهد بين يديك فقد اعتاد كثير من المؤلفين وغيرهم أن يستدلوا بهذا الحديث - حديث القليب - على أن الموتى يسمعون متمسكين بظاهر قوله ﷺ: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" غير منتبهين لإقراره ﷺ الصحابة على اعتقادهم بأن الموتى لا يسمعون فعاد الحديث - بالتنبه لما ذكرنا - حجة على أن الموتى لا يسمعون وأن هذا هو الأصل فلا يجوز الخروج عنه إلا بنص كما هو الشأن في كل نص عام والله ولي التوفيق.
وقد يجد الباحث من هذا النوع أمثلة كثيرة ولعله من المفيد أن أذكر هنا ما يحضرني الآن من ذلك وهما مثلان
ثم ذكرتهما وأحدهما عائشة هذا فقلت عقبه ص ٤٦:
[ ١١١ ]
قلت: فنجد في هذا الحديث أن النبي ﷺ لم ينكر قول أبي بكر الصديق: مزمار الشيطان بل أقره على ذلك فدل إقراره إياه على أن ذلك معروف وليس بمنكر فمن أين جاء أبو بكر الصديق بذلك الجواب الخ ما تقدم نقله ص ١٠٧ - ١٠٨. ثم قلت: ص ٤٧:
فتبين أنه ﷺ كما أقر عمر على استنكاره سماع الموتى كذلك أقر أبا بكر على استنكاره مزمار الشيطان وكما أنه أدخل على الأول تخصيصا كذلك أدخل على قول أبي بكر هذا تخصيصا اقتضى إباحة الغناء المذكور في يوم العيد ومن غفل عن ملاحظة الإقرار الذي بينا أخذ من الحديث الإباحة في كل الأيام كما يحلو ذلك لبعض الكتاب المعاصرين وسلفهم فيه ابن حزم
ثم قلت ص ٤٨ - ٤٩:
وأما أنه ﷺ لم ينكر على الجاريتين - فحق ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره.
هذا أولا.
وثانيا: لما أمر ﷺ أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله: "دعهما" أتبع ذلك بقوله: "فإن لكل قوم عيدا " فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية - إذا صح التعبير - ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عرف عنه أنه لا يقول
[ ١١٢ ]
بدليل الخطاب وقد رد عليه العلماء ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من مجموع الفتاوى فراجع المجلد الثاني من فهرسه.
لقد طال الكلام على حديث عائشة في سماع الغناء ولا بأس من ذلك إن شاء الله تعالى فإن الشاهد منه واضح ومهم وهو أن ملاحظة طالب العلم إقرار النبي ﷺ لأمر ما يفتح عليه بابا من الفقه والفهم ما كان ليصل إليه بدونها وهكذا كان الأمر في حديث القليب.
والخلاصة: أن خطأ ابن حزم إنما نشأ من توهمه أن النبي ﷺ أنكر إنكار أبي بكر على الجاريتين مطلقا وليس من إقراره ﷺ للجاريتين وذلك لأنه هذا إنما يدل على إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم وبالدف وليس بكل آلات الطرب وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس ١ / ٢٣٩:
والظاهر من هاتين الجاريتين صغر السن لأن عائشة كانت صغيرة وكان رسول الله ﷺ يسرب إليها الجواري فيلعبن معها١
ولهذا فإني لا أظن أن ابن حزم كان يعمم الحكم لولا ذلك الوهم ويؤيد ظني حديث التسريب المذكور فقد تبناه في دلالته الخاصة ولم يعممه فقال في المحلى ١٠ / ٧٥ - ٧٦:
"وجائز للصبايا خاصة اللعب بالصور ولا يحل لغيرهن "
قلت: وهذا هو الفقه الذي يقتضيه الجمع بين النصوص كالعام مع الخاص
_________________
(١) ١ رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في غاية المرام ٩٩/١٢٨.
[ ١١٣ ]
هنا فإن الأحاديث الصريحة في تحريم الصور من ذوات الأرواح كثيرة ومعروفة فاستثني منها ما ذكره ابن حزم من لعب البنات فلم يضرب هذا بتلك الأحاديث كما ذهب إليه بعض الأفاضل لأنه خلاف الجمع المذكور وهكذا كان ينبغي أن يكون موقف ابن حزم من آلات الطرب أن يقول بتحريمها كما حرم الصور وأن يستثني منها الدف في العيد إلا أنه لم يصحبه التوفيق فلم يقف على الأحاديث المتقدمة في تحريم الآلات وكان يكفيه في ذلك قول أبي بكر بحضرة النبي ﷺ: أمزمار الشيطان عند رسول الله ﷺ؟ لولا وهمه الذي شرحته آنفا وبينا أن الحديث حجة عليه كما قال العلماء ولا بأس من ذكر بعض أقوالهم في ذلك.
١ - قال أبو الطيب الطبري ت ٤٥٠:
هذا الحديث حجتنا لأن أبا بكر سمى ذلك مزمور الشيطان ولم ينكر النبي ﷺ على أبي بكر قوله وإنما منعه من التغليظ في الإنكار لحسن رفقته لا سيما في يوم العيد وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلا ذم الغناء وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد يذم الغناء ويمنع من سماعه وقد أخذ العلم عنها
نقلته من كتاب ابن الجوزي ١ / ٢٥٣ – ٢٥٤.
٢ - قال ابن تيمية في رسالة السماع والرقص ٢ / ٢٨٥ - مجموعة الرسائل الكبرى:
ففي هذا الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي ﷺ وأصحابه
[ ١١٤ ]
الاجتماع عليه ولهذا سماه الصديق أبو بكر ﵁ مزمور الشيطان والنبي ﷺ أقر الجواري عليه معللا ذلك بأنه يوم عيد والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد كما جاء في الحديث:
"ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة" ١
وكما كان يكون لعائشة لعب تلعب بهن وتجيء صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها٢.
٣ - وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان ١ / ٢٥٧:
فلم ينكر ﷺ على أبي بكر تسميته الغناء مزمار الشيطان وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب وكان اليوم يوم عيد
٤ - قال الحافظ في الفتح ٢ / ٤٤٢ تعليقا على قوله ﷺ: "دعهما ":
فيه تعليل وإيضاح خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه ﷺ لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه فظنه نائما فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه مستصحبا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو فبادر إلى إنكار ذلك قياما عن النبي ﷺ بذلك مستندا إلى ما ظهر له فأوضح له النبي ﷺ الحال وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي: سرور
_________________
(١) ١ هو طرف من حديث لعب الحبشة في المسجد بالحراب وأصله متفق عليه وهذا الطرف أخرجه أحمد والحميدي من طريقين عنها وهو مخرج في الصحيحة ١٨٢٩. وآداب الزفاف ص٢٧٤- ٢٧٥. وسكت عنه الحافظ ٢/٤٤٤،. وعزاه للسراج. ٢ متفق عليه كما تقدم قريبا ص١١٢،.
[ ١١٥ ]
شرعي فلا ينكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس
٢ - وأما حديث ابن عمر الذي احتج به ابن حزم على الإباحة فيرويه نافع مولى ابن عمر:
أن ابن عمر سمع صوت زمارة راع فوضع أصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم فيمضي حتى قلت: لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله ﷺ وسمع زمارة راع فصنع مثل هذا.
أخرجه أحمد ٢ / ٨ و٣٨، وابن سعد ٤ / ١٦٣، وأبو داود ٤٩٢٤ - ٤٩٢٦، ومن طريقه البيهقي في السنن ١٠ / ٢٢٢، وكذا ابن الجوزي ص ٢٤٧، وابن حبان في صحيحه ٢٠١٣ - موارد وابن أبي الدنيا ق ٩ / ١، والآجري رقم ٦٤، والطبراني في المعجم الصغير ص ٥ - هندية والبيهقي فيشعب الإيمان أيضا ٤ / ٢٨٣ / ٥١٢٠ من طرق عن نافع به وبعض طرقه صحيح وقد خرجتها وتكلمت عليها مفصلا مع متابع لنافع من مجاهد بنحوه في الروض النضير ٥٦٨ وفي المشكاة باختصار ٤٨١١ / التحقيق الثاني وقال الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر: حديث صحيح كما في تفسير الآلوسي ١١ / ٧٧، وكف الرعاع ص ١٠٩ - هامش الكبائر.
فقال ابن حزم عقب الحديث:
[ ١١٦ ]
فلو كان حراما ما أباحه رسول الله ﷺ لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه ولكنه ﵇ كره كل شيء ليس من التقرب إلى الله كما كره الأكل متكئا و.. و فلو كان ذلك حراما لما اقتصر - ﵇ - أن يسد أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه.
فأقول: عفا الله عن ابن حزم فقد خفيت عليه أمور ما يليق بعلمه أن تخفى عنه:
أولا: غاب عنه الفرق بين السماع والاستماع ففسر الأول بالثاني وهو خطأ ظاهر لغة وقرآنا وسنة ولذلك قال ابن تيمية عقب حديث عائشة المذكور آنفا:
وليس في حديث الجاريتين أن النبي ﷺ استمع إلى ذلك والأمر والنهى إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع كما في الرؤية فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس إنما يتعلق الأمر والنهى في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي.
وهذا مما وجه به حديث ابن عمر فذكره فإن من الناس من يقول - بتقدير صحة الحديث١ - لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه فيجاب بأن ابن عمر لم يكن يستمع وإنما كان يسمع وهذا لا إثم فيه وإنما النبي عدل طلبا
_________________
(١) ١ قلت: وهو الصحيح كما بينت.
[ ١١٧ ]
للأكمل والأفضل كمن اجتاز بطريقه فسمع قوما يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا يسمعه فهذا أحسن ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد.
ثانيا: أن ابن حزم كأنه يتصور أن الراعي الزامر كان بين يديه ﷺ ليأمره وينهاه وليس في الحديث شيء من ذلك بل لعل فيه ما قد يشعر بخلافه وهو أنه كان بعيدا لا يرى شخصه وإنما يسمع صوته ولذلك قال العلامة ابن عبد الهادي بعد أن ذكر نحو كلام ابن تيمية وخلاصته:
وتقرير الراعي لا يدل على إباحته لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤية أو بعيدا منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفا فلم يتعين الإنكار عليه١.
ثالثا: إن تحريم الغناء وآلات الطرب ليس بأشد تحريما من الخمر وهو يعلم أن النبي ﷺ عاش ما شاء بين ظهراني أصحابه وهم يعاقرونها قبل التحريم فهل يصح أن يقال: إنه ﷺ أقرهم ولم ينههم؟ كذلك نحن نقول - على افتراض دلالة الحديث على الإباحة -: إنه يحتمل أنه كان قبل التحريم ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
رابعا وأخيرا: وعلى الافتراض المذكور فهي إباحة خاصة بمزمار الراعي وهو آلة بدائية ساذجة سخيفة من حيث إثارتها للنفوس وتحريك الطباع وإخراجها عن حد الاعتدال فأين هي من الآلات الأخرى كالعود والقانون
_________________
(١) ١ نقلته من عون المعبود ٤٣٥/٤، وهو عن مرقاة الصعود للسيوطي.
[ ١١٨ ]
وغيرهما من الآلات التي تنوعت مع مرور الزمن وبخاصة في العصر الحاضر وابتلي بعض المغنين باستعمالها والجمهور بالاستماع إليها والالتهاء بها؟.
إن مما لا شك فيه أن الدليل في هذا الحديث - وعلى الافتراض المذكور - أخص من الدعوى كما يقول الفقهاء وإلا فالحقيقة أن لا دليل فيه البتة بل أن فيه دليلا على كراهة النبي ﷺ لصوت مزمار الراعي وهي بلا ريب كراهة شرعية بدخل في عموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ولذلك اتبعه عبد الله بن عمر ﵄ فوضع إصبعيه في أذنيه مع عدم وجود القصد كما شرحنا فهو مع وجود القصد أشد كراهة كما لا يخفى ولهذا قال ابن الجوزي ﵀ ص ٢٤٧:
إذا كان هذا فعلهم في حق صوت لا يخرج عن الاعتدال فكيف بغناء أهل الزمان وزمورهم؟!.
قلت: فماذا يقال في أهل زماننا وموسيقاهم؟.
فهل من معتبر؟
هذا، وقبل ختام الكلام على هذا الفصل بدا لي أن أتحف القراء بأثر عزيز مفيد لم أر أحدا ممن كتب في الملاهي قد تعرض لذكره وهو عن أحد الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ﵁ فإن القارئ الكريم سيتأكد منه أن المعازف كانت مستنكرة عند السلف وأن الساعي إلى إشهارها يستحق التعزير والتشهير فقال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى:
كتب مع عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه:
[ ١١٩ ]
" وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة سوء".
أخرجه النسائي في سننه ٢ / ١٧٨، وأبو نعيم في الحلية ٥ / ٢٧٠، بسند صحيح وذكره ابن عبد الحكم فيسيرة عمر ١٥٤ - ١٥٧ مطولا جدا ورواه أبو نعيم ٥ / ٣٠٩، من طريق أخرى مختصرا جدا.
فلا غرابة إذن أن يكتب أيضا إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض الملاهي والمعازف فقال أبو حفص الأموي عمر بن عبد الله١ قال:
كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده يأمره أن يربيهم على بغض المعازف:
ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بعض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم: أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه.
أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ق ٦ / ١، ومن طريقه أبو الفرج ابن الجوزي ص ٢٥٠. وجملة: أن الغناء ينبت النفاق قد صحت
_________________
(١) ١ لم أعرفه ويحتمل أنه عمر بن عبد الله مولى غفرة المدني فغنه يكنى بأبي حفص ولكني لم أر من نسبه أمويا.
[ ١٢٠ ]
عن ابن مسعود موقوفا ورويت عنه مرفوعا كما سبق في المقدمة ص ١٠، ويأتي تخريجه في الفصل الثامن ص ١٤٥،
تذييل:
ورب سائل يقول: قد عرفنا مما تقدم من الأحاديث والبحوث وأقوال العلماء تحريم آلات الطرب كلها بدون استثناء سوى الدف في العرس والعيد فهل هناك مناسبة أخرى يحل فيها الدف أيضا؟
فأقول: يرد في كلام بعض العلماء ما يشر إلى جواز الضرب على الدف في الأفراح - هكذا يطلقون - وفي الختان وقدوم الغائب وأنا شخصيا لم أجد ما يدل على ذلك مما تقوم به الحجة ولو موقوفا وقد رأيت ابن القيم ذكر في كتابه مسألة السماع ص ١٣٣، أثرا من رواية أبي شعيب الحراني بسنده عن خالد عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب كان إذا سمع صوت الدف سأل عنه؟ فإن قالوا: عرس أو ختان سكت.
ورجاله ثقات ولكنه منقطع وقد أبعد النجعة في عزوه لأبي شعيب الحراني وإن كان ثقة فإنه ليس مؤلف معروف وقد رواه من هو أشهر منه وأوثق ومن المصنفين كابن أبي شيبة ٤ / ١٩٢، وقال: أقره مكان سكت وعبد الرزاق ١١ / ٥، وعنه البيهقي ٧ / ٢٩٠، من طريقين عن أيوب عن ابن سيرين: أن عمر كان إلخ. ولفظ ابن أبي شيبة:
عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمر
[ ١٢١ ]
وهذا صريح في الانقطاع وما قبله ظاهر في ذلك لأن محمد بن سيرين لم يدرك عمر بن الخطاب ولد بعد وفاته بنحو عشر سنين.
وقد استدل بعضهم للمسألة بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه:
أن أمة سوداء أتت رسول الله ﷺ - ورجع من بعض مغازيه - فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا وفي رواية: سالما أن أضرب عندك بالدف [وأتغنى]؟ قال:
"إن كنت فعلت وفي الرواية الأخرى: نذرت فافعلي وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي".
فضربت فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب ثم دخل عمر قال: فجعلت دفها خلفها وفي الرواية الأخرى: تحت إستها ثم قعدت عليه وهي مقنعة فقال رسول الله ﷺ:
إن الشيطان ليفرق وفي الرواية: ليخاف منك يا عمر أنا جالس ههنا [وهي تضرب] ودخل هؤلاء [وهي تضرب] فلما أن دخلت [أنت يا عمر] فعلت ما فعلت" وفي الرواية: ألقت الدف.
أخرجه أحمد والسياق له والرواية الأخرى مع الزيادات للترمذي وصححه هو وابن حبان وابن القطان وهو مخرج في الصحيحة ١٦٠٩ و٢٢٦١ وسكت عنه الحافظ في الفتح ١١ / ٥٨٧ - ٥٨٨١.
_________________
(١) ١ تنبيه: هذا الحديث مما فات الخ عبد الله بن يوسف الجديع فلم يورده في كتابه القيم أحاديث ذم الغناء. الذي قدمت كلمة طيبة عنه في التعليق على الصفحة =
[ ١٢٢ ]
_________________
(١) = ٣٧، فإن هذا الحديث من شرطه واورده ابن القيم مختصرا جدا في كتابه مسألة السماع ص٢٩٩ ولكنه أخطأ في متنه، فزاد في آخره زيادة منكرة لفظها: فلما جاء عمر أمرها بالسكوت وقال: إن هذا رجل لا يحب الباطل. وهذا المر والقول إنما روي في قصة أخرى من حديث الأسود بن سريع عند الحاكم وأحمد والطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة عنه في إنشاده النبي ﷺ محامد حمد بها ربه وقد ضعفها الذهبي وقصة الإنشاد صحيحة دون ذكر عمر وقد بينت ذلك في الصحيحة ٣١٧٩. وبالجملة فقصة عمر هذه ضعيفة وقد حسنها الأخ الفاضل سعد بن عبد الله آل حميد في تعليقه على مختصر استدراك الحافظ الذهبي ٥/٢٣٣٢، ٢٣٣٤، بمجموع طريقها الضعيفين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة غير متنبه لنكارتها لمخالفتها للطريق الصحيحة الخالية منها. ثم هي لا أصل لها في قصة الأمة السوداء خلافا لصنيع ابن القيم رحمه الله تعالى. وهناك زيادات أخرى وقعت عقب الحديث في موارد الظمآن ص ٤٩٣، ٤٩٤، هي أنكر من سابقتها بلفظ: وضربت بالدف وقالت: أشرق البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وهذه زيادة ضعيفة هنا وضعيفة في قصة قدومه ﷺ إلى المدينة وإسنادها معضل وليس فيها بيان هل كان قدومه من تبوك كما ساقها ابن القيم في مسألة السماع ص ٢٦٥،٢٦٦، واستدل له في زاد المعاد ١٨/٣، أم من مكة في هجرته منها كما يدل عليه صنيع البيهقي في دلائل النبوة ٢/٥٠٦،٥٠٧، وتبعه الحافظ ٧/٢٦١، وسواء كان الراجح هذا أو ذاك فأصل القصة ضعيف لا يثبت وما بني على ضعيف فهو ضعيف. وزاد فيه الغزالي زيادة أخرى أنكر من كل ما سبق بلفظ: بالدف والألحان؟ ولا أصل لها في القصة كما أفاده الحافظ العراقي في تخريج الإحياء ٢/٢٧٧. وقد فصلت القول في هذه القصة وما ذكرناه حولها في الضعيفة ٢/٦٣، والصحيحة ٥/٣٣١،. وإن من الغرائب حقا أن يسوقها ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص٢٣٩، مساق =
[ ١٢٣ ]
وقد ترجم لحديث بريدة هذا جد ابن تيمية رحمهما الله تعالى في المنتقى من أخبار المصطفى بقوله:
باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه.
قلت: وفي الاستدلال بهذا الحديث على ما ترجم له وقفة عندي لأنها واقعة عين لا عموم لها وقياس الفرح بقدوم غائب مهما كان شأنه على النبي ﷺ قياس مع الفارق كما هو ظاهر ولذلك كنت قلت في الصحيحة ٤ / ١٤٢، عقب الحديث:
وقد يشكل هذا الحديث على بعض الناس لأن الضرب بالدف معصية في غير النكاح والعيد والمعصية لا يجوز نذرها ولا الوفاء بها.
والذي يبدو لي في ذلك أن نذرها لما كان فرحا منها بقدومه ﵇ صالحا منتصرا اغتفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها خصوصية له ﷺ دون الناس جميعا فلا يؤخذ منه جواز الدف في الأفراح كلها لأنه ليس هناك من يفرح به كالفرح به ﷺ ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرمة للمعازف والدفوف وغيرها إلا ما استثني كما ذكرنا آنفا.
ونحوه في المجلد الخامس من الصحيحة ٣٣٢ – ٣٣٣،.
وقد شرح السبب الذي ذكرته الإمام الخطابي ﵀ فقال في
_________________
(١) = المسلمات وكذا ابن القيم في المسألة والزاد ولم يعلق عليه بشيء محققا طبعة المؤسسة منه ٣/٥٥١، شأنهما في أكثر مادة الكتاب!.
[ ١٢٤ ]
معالم السنن ٤ / ٣٨٢:
ضرب الدف ليس مما يعد في باب الطاعات التي يعلق بها النذور وأحسن حاله أن يكون من باب المباح غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله ﷺ حين قدم المدينة من بعض غزواته وكانت فيه مساءة الكفار وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي من نوافل الطاعات ولهذا أبيح ضرب الدف.
قلت: ففيه إشارة قوية إلى أن القصة خاصة بالنبي ﷺ فهي حادثة عين لا عموم لها كما يقول الفقهاء في مثيلاتها والله ﷾ أعلم.
[ ١٢٥ ]