ومثل السيد (المستر) باللغة الإفرنجية. وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث أهل الإذاعات، لأنهم يجعلون كل من يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار والمنافقين سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير والصغير والشريف والوضيع والذكر والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافا لما شرعه الله من تأخيرهن. وبعض أهل الأمصار يسمون جميع نسائهم سيدات، وسواء عندهم في ذلك المسلمة والكافرة والمنافقة والصالحة والطالحة.
ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة ﵁ أهل الجرائد والمجلات وما شابهها من الكتب العصرية لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله وموادتهم وتعظيمهم بأسا، ولا يرون للحب في الله والبغض في الله والموالاة فيه والمعاداة فيه قدرا وشأنا.
فصل
وقد ورد النهي عن مجامعة المشركين ومساكنتهم في ديارهم والتغليظ في ذلك لأن مجامعتهم ومساكنتهم من أعظم الأسباب الجالبة لموالاتهم وموادتهم، والأحاديث في ذلك كثيرة:
الحديث الأول: منها عن سمرة بن جندب ﵁ قال: أما بعد قال رسول الله - ﷺ -: (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله) رواه أبو داود، ورواه الترمذي معلقا بصيغة الجزم فقال: وروى سمرة بن جندب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم).
[ ٢٧ ]
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فليس منا) قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه على شرط الشيخين: وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارا منه لذلك لا اضطرارا وعجزا اهـ.
الحديث الثاني: عن جرير بن عبد الله ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قالوا يا رسول الله: ِلم؟ قال: (لا تراءى ناراهما) رواه أبو داود والترمذي بهذا اللفظ، ورواه الطبراني في الكبير والبيهقي في سننه ولفظهما: (من أقام مع المشركين فقد برأت منه الذمة). قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد رحمه الله تعالى يُسأل عن معنى لا تراءى ناراهما فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم ولكن تباعد عنهم اهـ. وقال ابن الأثير في النهاية: أي يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل المشرك ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في منزله ولكنه ينزل مع المسلمين في دارهم وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان وحث المسلمين على الهجرة. وإسناد الترائي إلى النارين مجاز من قولهم: داري تنظر إلى دار فلان. أي تقابلها يقول: ناراهما مختلفتان، هذه تدعو إلى الله وهذه تدعو إلى الشيطان فكيف يتفقان اهـ.
[ ٢٨ ]
وفي هذين الحديثين وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا، فليحذر المسلمون المقيمون بين الوثنين والمرتدين والنصارى والمجوس وغيرهم من أعداء الله تعالى أن يلحقهم هذا الوعيد الشديد.
الحديث الثالث: عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا تستضيئوا بنار المشركين) رواه الإمام أحمد والنسائي والبخاري في تاريخه وابن جرير وأبو يعلى. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: معناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم واختار هذا القول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى اهـ. قال ابن الأثير: معناه لا تستشيروهم ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلا للرأي عند الحيرة اهـ.
قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري رواه عنه أبو يعلى وابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا﴾ قال الحسن: وأما قوله ولا تستضيئوا بنار المشركين فإنه يقول لا تستشيروهم في شيء من أموركم قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾. قال ابن كثير: وهذا التفسير فيه نظر.
قلت: والظاهر أن النهي شامل للأمرين كليهما فلا يجوز لمسلم
[ ٢٩ ]
مساكنة المشركين اختيارا ولا مشاورتهم وأخذ آرائهم، والقول الأول أظهر يدل ذلك قوله - ﷺ -: (لا تراءى ناراهما). وقوله في حديث الزهري الذي سيأتي ذكره قريبا: (وأنك لا ترى نار مشرك إلاّ وأنت له حرب) والله أعلم.
الحديث الرابع: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يقبل الله من مشرك بعدما يسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين) رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث الخامس: عن يزيد بن الشخّير قال: بينا أنا مع مطرف بالمربد إذ دخل رجل معه قطعة أدم، قال: كتب لي هذه رسول الله - ﷺ -، فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت أنا أقرأ، فإذا فيها: (من محمد النبي - ﷺ - لبني زهير بن أُقَيْش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفارقوا المشركين وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصَفيِّه أنهم آمنون بأمان الله ورسوله) رواه النسائي.
الحديث السادس: عن جرير ﵁ قال: بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وعلى فراق المشركين. رواه النسائي. وفي رواية له قال جرير: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم، قال: (أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين).
[ ٣٠ ]