أما بعد:
فهذه نبذة وجيزة في بيان تحريم موالاة أعداء الله من المرتدين والمنافقين واليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أصناف المشركين، والتحذير من موادتهم وتعظيمهم وبداءتهم بالسلام، وتقديمهم في المجالس وغير ذلك مما فيه تعظيم لهم، بالقول أو بالفعل.
دعاني إلى جمعها ما وقع فيه كثير من المسلمين في زماننا من تعظيم أعداء الله تعالى وموادتهم واتباع سننهم حذو النعل بالنعل، والمقصود من ذلك النصيحة للمسلمين وتحذيرهم من سوء عاقبة التذلل لأعداء الله تعالى وموالاتهم وموادتهم.
والله المسؤول أن يصلح حالي وأحوال المسلمين، وأن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى من الأقوال والأعمال، وأن يجنبنا طريق أهل الغي والضلال، إنه قريب مجيب.
فصل
وقد نهى الله ﷾ عن موالاة أعدائه في مواضع كثيرة من القرآن، وأخبر أن موالاتهم تنافي الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأنها سبب للفتنة والفساد في الأرض، وأن من والاهم ووادهم فليس من الله في شيء وأنه من الظالمين الضالين عن سواء السبيل، وأنه مستوجب لسخط الله وأليم عقابه في الآخرة، والآيات في هذا كثيرة.
الأولى منها: قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من
[ ٤ ]
الحق﴾ إلى قوله تعالى: ﴿تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل﴾ ثم حث ﵎ عباده المؤمنين على متابعة خليله إبراهيم والتأسي به وبمن آمن معه في مصارمتهم لأعداء الله تعالى والتبري منهم ومما يعبدون من دون الله تعالى وإظهار العداوة لهم والبغضاء ما داموا على الكفر بالله، فقال الله تعالى: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ ومن لم يتأسى بإبراهيم الخليل ﵊ في مصارمة أعداء الله تعالى وإظهار العداوة والبغضاء لهم، فله من سفه النفس بقدر ما ترك من ملة إبراهيم الخليل، كما قال تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور﴾.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ثم حذر ﵎ من موالاتهم بأبلغ التحذير وتوعد على ذلك بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾
[ ٥ ]