والإهانة لأعدائه والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه، وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وتقى وفجور وطاعة ومعصية وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بقدر ما فيه من الشر فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة. انتهى كلامه رحمه الله تعالى ملخصا وفيه فوائد جليلة ليست في كلام غيره من العلماء الذين تقدم ذكرهم فليتأمل من أوله إلى آخره فما أحسنه وأنفعه في هذا الباب.
فصل
وقد جاء في هجر أهل المعاصي أحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم وأنا أذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأما الأحاديث عن النبي - ﷺ - فالأول: منها حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة تخلفه عن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك قال: ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت
[ ٥٢ ]
أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله - ﷺ - وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم أصلّي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم قال: ففاضت عيناي. وذكر تمام الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي مطولا ومختصرا.
الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ أنه اعتل بعير لصفية بنت حيي ﵂ وعند زينب فضل ظهر فقال رسول الله - ﷺ - لزينب: (أعطيها بعيرا) فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية، فغضب رسول الله - ﷺ - فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر. رواه أبو داود.
الحديث الثالث: عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - خرج فرأى قبة مشرفه فقال: (ما هذا) قال له أصحابه: هذه لفلان رجل من الأنصار قال: فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها رسول الله - ﷺ - يسلم عليه في الناس أعرض عنه صنع ذلك مرارا حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه فشكى ذلك إلى أصحابه فقال: والله إني لأنكر رسول الله - ﷺ -
[ ٥٣ ]
قالوا خرج فرأى قبتك قال فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوّاها بالأرض فخرج رسول الله - ﷺ - ذات يوم فلم يرها قال: (ما فعلت القبة) قالوا: شكى إلينا صاحبها إعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها فقال: (أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلاّ مالا إلاّ مالا) يعني مالا بد منه رواه أبو داود.
الحديث الرابع: عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قدمت على أهلي ليلا وقد تشققت يداي فخلّقوني بزعفران فغدوت على رسول الله - ﷺ - فسلمت عليه فلم يرد علي ولم يرحب بي فقال: (اذهب فاغسل هذا عنك) فذهبت فغسلته ثم جئت وقد بقي عليّ منه ردع فسلمت فلم يرد عليّ ولم يرحب بي وقال: (اذهب فاغسل أثر هذا عنك) فذهبت فغسلته ثم جئت فسلّمت عليه فرد علي ورحب بي وقال: (إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب) رواه أبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وهذا لفظه.
الحديث الخامس: عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: مر النبي - ﷺ - على قوم فيهم رجل متخلق بخلوق فنظر إليهم وسلم عليهم وأعرض عن الرجل فقال الرجل: أعرضت عني قال: (بين عينيك جمرة) رواه البخاري في الأدب المفرد.
الحديث السادس: عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رجلا أتى النبي - ﷺ - وفي يده خاتم من ذهب فأعرض النبي - ﷺ - عنه فلما رأى الرجل كراهيته ذهب فألقى الخاتم وأخذ خاتما من حديد فلبسه وأتى النبي - ﷺ - قال: (هذا شر، هذا حلية أهل
[ ٥٤ ]
النار) فرجع فطرحه ولبس خاتما من ورق فسكت عنه النبي - ﷺ -. رواه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
الحديث السابع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أقبل رجل من البحرين إلى النبي - ﷺ - فسلم عليه فلم يرد وفي يده خاتم من ذهب وعليه جبة حرير، فانطلق الرجل محزونا فشكى إلى إمرأته فقالت: لعل برسول الله - ﷺ - جبتك وخاتمك فألقهما ثم عاد، ففعل فرد السلام وقال: جئتك آنفًا فأعرضت عني قال: (كان في يدك جمر من نار) رواه النسائي والبخاري في الأدب المفرد وهذا لفظه. وقد ترجم على هذا الحديث والحديثين قبله بقوله: (باب من ترك السلام على المتخلق وأصحاب المعاصي).
الحديث الثامن: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: مر على النبي - ﷺ - رجل عليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد النبي - ﷺ -. رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث التاسع: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: (لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني والترمذي والدارمي وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
الحديث العاشر: عن عمران بن حصين ﵁ قال: نهى
[ ٥٥ ]
رسول الله - ﷺ - عن إجابة طعام الفاسقين. رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي في شعب الإيمان.
الحديث الحادي عشر: عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، والقوهم بوجوه مكفهره والتمسوا رضا الله بسخطهم وتقربوا إلى الله بالبعد منهم. رواه ابن شاهين وفي رفعه نظر والأشبه أنه من قول ابن مسعود ﵁، وقد روي نحو هذا من كلام عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام.
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الزهد: حدثنا سيار حدثنا جعفر أبو غالب قال: بلغنا أن هذا الكلام في وصية عيسى بن مريم ﵉: يا معشر الحواريين تحببوا إلى الله ﷿ ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالمقت لهم والتمسوا رضاه بسخطهم قالوا: يا نبي الله فمن نجالس. قال: جالسوا من يزيد في أعمالكم منطقه ومن تذكركم بالله رؤيته ويزهدكم في دنياكم عمله.
الحديث الثاني عشر: عن علي ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: للجهاد أربعة شعب، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين. أي بغضهم وعداوتهم. رواه أبو نعيم في الحلية وفي رفعه نظر والأشبه أنه من قول علي ﵁.
الحديث الثالث عشر: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام، النرد والشطرنج وما كان من اللهو فلا تسلموا عليهم) رواه أبو بكر الآجري وفي رفعه نظر.
[ ٥٦ ]
فصل
وأما الآثار عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم فقد تقدم طرف منها وهو ما روي عن ابن عمر ﵄ أنه هجر ابنه لما عارض السنة برأيه. وما روي عنه أيضا أنه هجر الرجل الذي خذف بعدما علم أن النبي - ﷺ - كان ينهى عن الخذف.
وما روي عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء ﵄ من هجر معاوية ﵁ لما عارض السنة برأيه، وما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه هجر الرجل الذي ضحك في الجنازة.
وما روي عن عبد الله بن مغفل ﵁ أنه هجر الرجل الذي خذف بعدما علم أن النبي - ﷺ - كان ينهى عن الخذف، وما رواه الدارمي عن خراش بن جبير أن شيخا من أصحاب النبي - ﷺ - هجر الفتى الذي خذف بعدما علم أن النبي - ﷺ - كان ينهى عن الخذف، وما رواه الدارمي أيضا عن سعيد بن جبير أنه هجر الذي ظهر منه التهاون بحديث رسول الله - ﷺ -. وما رواه الدارمي أيضا عن ابن سيرين أنه هجر الرجل الذي عارض قول النبي - ﷺ - بقول غيره.
وما ذكره أبو داود عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه غطى وجهه عن رجل،
[ ٥٧ ]
وما ذكره ابن مفلح عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيمن ترك السنة مع العلم بها أنه يهجر.
وروى البخاري في الأدب المفرد عن الحسن أنه قال: ليس بينك وبين الفاسق حرمة. وقال البخاري أيضا في الأدب المفرد: (باب: لا يسلم على فاسق) وساق عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لا تسلموا على شراب الخمر. وقد أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الأثر معلقا بصيغة الجزم.
وروى سعيد بن منصور عن ابن عمر ﵄ أنه قال: لا تسلموا على من شرب الخمر ولا تعودوهم إذا مرضوا ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا. وقال البخاري في الأدب المفرد: باب عيادة الفاسق ثم ساق بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا.
ويدخل في شراب الخمر شراب الدخان الخبيث المسمى بالتتن والجراك لأنه قد ثبت إسكاره وتفتيره فلا يسلم على من يشربه ولا يعاد إذا مرض. وقد قال المروذي: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل رجل له والد بين يديه مسكر فيدعو ولده ترى له أن يجيب، قال: لا يدخل عليه.
وقال المروذي أيضا: سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون له الأخ يشرب المسكر ترسله والدته يدعو لها من الموضع الذي هو فيه ترى أن يذهب قال: نعم، لا يدعه يتزيد ولكن لا يدخل، يقوم خارجا.
[ ٥٨ ]
وقال البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد: (باب من لم يسلم على أصحاب النرد) ثم ساق عن الفضيل بن مسلم عن أبيه قال: كان علي ﵁ إذا خرج من باب القصر فرأى أصحاب النرد انطلق بهم فعقلهم من غدوة إلى الليل، ومنهم من يعقل إلى نصف النهار قال: وكان الذي يعقل إلى الليل الذين يعاملون بالورق وكان الذي يعقل إلى نصف النهار الذين يلهون بها وكان يأمر أن لا يسلموا عليهم.
وقال أبو داود في كتاب المسائل قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا جرير عن أسلم المنقري قال: كان سعيد بن جبير إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم.
وقال أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا محمد بن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن زياد بن حدير أنه مر على قوم يلعبون بالنرد فسلم عليهم وهو لا يعلم ثم رجع فقال: ردوا علي سلامي.
وقال أيضا: حدثنا وهب بن بيان قال حدثنا ابن وهب. وحدثنا ابن سرح قال: حدثنا ابن وهب عن عبد الله بن المسيب عن يزيد بن يوسف أنه سأل يزيد بن أبي حبيب عن الشطرنج فقال: لو مررت على قوم يلعبون بالشطرنج ما سلمت عليهم.
قلت ومثل اللاعبين بالنرد والشطرنج اللاعبون في زماننا بالجنجفة والكيرم وما أشبه ذلك مما يلهي ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة فلا يسلم عليهم ولا يسلم أيضا على اللاعبين بالكرة لأنها من أعظم
[ ٥٩ ]
ما يلهي ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة وفيها من المفاسد نحو مافي النرد والشطرنج أو أعظم.
وقال أبو داود أيضا: قلت لأحمد أمر بالقوم يتقاذفون أسلم عليهم، قال: هؤلاء قوم سفهاء والسلام اسم من أسماء الله تعالى. وقال أبو داود أيضا: قلت لأحمد أسلّم على المخنث قال: لا أدري السلام اسم من أسماء الله تعالى.
قلت: ظاهر هاتين الروايتين كراهة السلام على المخنث وعلى الذين يتقاذفون لأن ترك السلام عليهم فيه تعظيم لأسماء الله تعالى وصيانة لها عن الابتذال، والمخنث هو المؤنث الذي يتشبه بالنساء. ومن هذا الباب حلق اللحى فمن حلق لحيته فهو من المخنثين لأنه قد رغب عن مشابهة الرجال وآثر مشابهة النساء في نعومة الخدود وعدم الشعر في الوجه، وفاعل ذلك لا ينبغي السلام عليه لمجاهرته بالمعصية.
وقد روى أبو نعيم في الحلية بإسناد جيد عن زياد بن حدير قال: قدمت على عمر بن الخطاب ﵁ وعليّ طيلسان وشاربي عاف فسلمت عليه فرفع رأسه فنظر إليّ ولم يرد علي السلام فانصرفت عنه فأتيت ابنه عاصما فقلت له: لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس فقال: سأكفيك ذلك، فلقي أباه فقال: يا أمير المؤمنين أخوك زياد بن حدير يسلم عليك فلم ترد ﵇، فقال: إني قد رأيت عليه طيلسانا ورأيت شاربه عافيا، قال: فرجع إلي فأخبرني فانطلقت فقصصت شاربي وكان معي برد شققته فجعلته
[ ٦٠ ]
إزار ورداء ثم أقبلت إلى عمر ﵁ فسلمت عليه فقال: وعليك السلام هذا أحسن مما كنت فيه يا زياد.
وإذا كان عمر ﵁ قد هجر زياد بن حدير على إعفائه لشاربه فكذلك ينبغي هجر من حلق لحيته لأن كل من الأمرين معصية ظاهره لما فيهما من مخالفة أمر رسول الله - ﷺ - بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى، ولما فيهما أيضا من التشبه بالمجوس ومن يحذو حذوهم من أصناف المشركين.
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄. والهجر على حلق اللحية أولى من الهجر على إعفاء الشارب لما في حلق اللحية من مزيد التشبه بالنساء والدخول في عداد المخنثين، وقد لعن رسول الله - ﷺ - المخنثين من الرجال. رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية حنبل: إذا علم من رجل أنه مقيم على معصية لم يأثم إن هو جفاه حتى يرجع وإلا كيف يتبين للرجل ما هو عليه إذا لم ير منكرا عليه ولا جفوة من صديق.
ونقل حنبل أيضا عن احمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه قال: ليس لمن قارف شيئا من الفواحش حرمة ولا وصلة إذا كان معلنا. وقال الخلال في كتاب المجانبة: أبو عبد الله يهجر أهل المعاصي ومن قارف الأعمال الرديئة أو تعدى حديث رسول الله - ﷺ - وأما من سكر أو شرب أو فعل فعلا من هذه الأشياء المحظورة ثم
[ ٦١ ]