لا يخفيها صاحب الدار عن الداخلين أو كانت رائحة الدخان الخبيث أو غيره من المسكرات توجد من فيِّ أحد أو من بيته فصاحب ذلك معلن مجاهر يسن هجره أو يجب، وكذلك إذا كان الرجل يسلم على أهل البدع أو يماشيهم أو يجالسهم ويأنس بهم أو يدخل عليهم في بيوتهم أو يدخلون عليه في بيته وهو عالم بحالهم فإنه معلن مجاهر بالمعصية يسن هجره أو يجب.
قال أبو داود: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدع أترك كلامه قال: لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه وإلا فألحقه به.
وقال ابن مسعود ﵁: المرء بخدنه. وقال عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي: قال لي أحمد إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه، قال النبي - ﷺ -: (ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم).
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في هجر أهل البدع
قال أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: (القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ورواه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر أحمد بن سليمان بن الحسن الفقيه حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث فذكره ثم قال:
[ ٦٤ ]
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع أبي حازم من ابن عمر ولم يخرجه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقال المنذري هذا منقطع، أبو حازم سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر. وقد روي هذا الحديث من طرق عن ابن عمر ليس فيها شيء يثبت. انتهى.
وقد رواه أبو بكر الآجري من طريقين عن أبي حازم عن نافع عن ابن عمر ﵄ ولكن قال أبو داود: أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنكره من حديث أبي حازم عن نافع. ورواه الآجري أيضا من طريق الجعيد بن عبد الرحمن عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنه يكون في آخر الزمان قوم يكذبون بالقدر ألا وأولئك مجوس هذه الأمة فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ورواه الطبراني في الصغير من حديث الجعيد به.
وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عمرو بن محمد عن عمر مولى غفرة عن رجل من الأنصار عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته ومن مرض منهم فلا تعودوهم وهم شيعة الدجال وحق على الله أن يلحقهم بالدجال). ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال: حدثنا أبو عتبة قال: حدثنا عمر مولى غفرة من أهل المدينة عن رجل من الأنصار من بني عبد الأشهل عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي - ﷺ -
[ ٦٥ ]
قال: (سيكون في آخر الزمان قوم يقولون لا قدر، فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم فإنهم شيغة الدجال وحق على الله أن يلحقهم به) ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن أبيه عن مؤمل عن عمر مولى غفرة بنحوه. قال المنذري: عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه ورجل من الأنصار مجهول وقد روي من طريق آخر عن حذيفة ولا يثبت اهـ.
وقال ابن ماجة في سننه حدثنا محمد بن المصفى الحمصي حدثنا بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن مجوس هذه الأمة المكذبون بأقدار الله، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم). ورواه الطبراني في الصغير عن عبد الله بن الصقر السكري عن محمد بن المصفى. ورواه الآجري في كتاب الشريعة عن الفريابي عن محمد بن المصفى، وقد أعل هذا الحديث بأن بقية بن الوليد عنعنه مع كثرة تدليسه.
وروى الآجري من طريقين عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ نحو حديث جابر وابن عمر ﵃ وأعل بالإنقطاع. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: لم يسمع مكحول من أبي هريرة ﵁، قال وأجود ما في الباب حديث حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر حدثني نافع أن ابن عمر ﵄ جاءه رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام، فقال: إنه قد بلغني أنه قد أحدث فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يكون في هذه الأمة أو في أمتي خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
قلت وقد رواه ابن ماجة في سننه من حديث حيوة بن شريح عن أبي صخر وعنده بالواو في قوله مسخ وخسف وقذف فأفاد أن (أو) في رواية الترمذي بمعنى (الواو) وليست للشك.
ورواه الدارمي في سننه فقال: أخبرنا أبو عاصم أخبرنا حيوة بن شريح حدثني أبو صخر عن نافع عن ابن عمر ﵄ أنه جاءه رجل فقال:
[ ٦٦ ]
إن فلانا يقرأ عليك السلام، قال: بلغني أنه قد أحدث، فإن كان أحدث فلا تقرأ ﵇. ورواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا هارون بن معروف أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرني أبو صخر عن نافع قال: بينما نحن عند عبد الله بن عمر ﵄ قعودا إذ جاء رجل فقال: إن فلانا يقرأ عليك السلام لرجل من أهل الشام فقال: عبد الله ﵁ بلغني أنه أحدث حدثا فإن كان كذلك فلا تقرأنَّ عليه مني السلام سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إنه سيكون في أمتي مسخ وقذف وهو في الزندقية والقدرية).
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا أبو عبد الرحمن بن يزيد حدثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب حدثني أبو صخر عن نافع قال: كان لابن عمر ﵄ صديق من أهل الشام فكتب إليه مرة عبد الله بن عمر ﵄ أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من
[ ٦٧ ]
القدر فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر) ورواه أبو داود في سننه وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة كلاهما عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، ومن طريق السري بن خزيمة كلاهما عن عبد الله بن يزيد المقري به، ثم قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وروى الإمام أحمد والبخاري في التاريخ وأبو داود وعبد الله بن الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم).
وروى ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها، قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذوقوا مس سقر. إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ أولئك شرار هذه الأمة فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بإصبعي هاتين.
وقد كان سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر السلف يهجرون المرجئة ويجانبوهم روى ذلك عنهم الإمام أحمد وابنه عبد الله في كتاب السنة. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت أحمد رحمه الله تعالى يقول: تقربوا إلى الله ببغض أهل الإرجاء فإنه من أوثق الأعمال عندنا.
[ ٦٨ ]
وقال الخلال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي النيسابوري أن أبا عبد الله سئل عن رجل له جار رافضي يسلم عليه، قال: لا، وإذا سلم عليه لا يرد عليه.
وقال أبو داود رأيت أحمد سلم عليه رجل من أهل بغداد ممن وقف فيما بلغني فقال: أغرب لا أرينك تجيء إلى بابي. في كلام غليظ ولم يرد ﵇ وقال له: ما أحوجك أن يصنع بك ما صنع عمر بصبيغ.
وقال أبو داود أيضا حدثنا حمزة بن سعيد المروزي قال: قال أبو بكر بن عياش من زعم لك أن القرآن مخلوق فهو عندنا كافر زنديق عدو لله لا تجالسه ولا تكلمه.
وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق الوراق في كتاب الورع سألت عبد الوهاب يعني الوراق: يجالس من لا يكفر الجهمية قال: لا يجالسون ولا يكلمون المرء على دين خليله. وروى أبو نعيم في الحلية عن اسماعيل الطوسي قال: قال ابن المبارك: إياك أن تجلس مع صاحب بدعة. وروى أبو نعيم أيضا عن عبد الله بن عمر السرخسي قال: إن الحارث قال: أكلت عند صاحب بدعة أكلة فبلغ ذلك ابن المبارك فقال: لا كلمتك ثلاثين يوما.
وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية عبدوس بن مالك العطار: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك الخصومات والجلوس مع أصحاب الأهواء، وذكر تمام الرسالة.
[ ٦٩ ]
وقال أبو داود في سننه: (باب مجانبة أهل الأهواء) وساق في الباب ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: حديث عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولوا الألباب﴾ قالت: فقال رسول الله - ﷺ -: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي والشيخان والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن حبان وغيرهم.
الحديث الثاني: حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله) وقد رواه الإمام أحمد وتقدم ذكره.
الحديث الثالث: طرف من حديث كعب بن مالك ﵁ المخرج في الصحيحين وغيرهما في قصة تخلفه عن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك قال: ونهى رسول الله - ﷺ - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة.
ثم قال أبو داود: (باب ترك السلام على أهل الأهواء) وساق في الباب حديثين:
الحديث الأول: حديث عمار بن ياسر ﵁ في قصة الخلوق بالزعفران وقد تقدم ذكره مع الأحاديث في هجر أهل المعاصي.
الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂ في هجر النبي - ﷺ - لزينب بنت جحش ﵂
[ ٧٠ ]
وتقدم أيضا مع الأحاديث في هجر أهل المعاصي.
والاستدلال بهذين الحديثين على ترك السلام على أهل الأهواء وبحديث كعب على مجانبتهم في غاية القوة والمناسبة لأن الجميع مشتركون في اسم المعصية إلا أن معصية هؤلاء المذكورين في هذه الأحاديث خفيفة بالنسبة لمعصية أهل الأهواء.
وإذا كان النبي - ﷺ - قد هجر كعبا وصاحبيه وجانبهم وأمر أصحابه بهجرهم ومجانبتهم من أجل تخلفهم عن الجهاد الواجب عليهم وهجر زينب وجانبها من أجل القول الذي قالته في حق صفية.
ولم يرد السلام على عمار من أجل الخلوق الذي كان في يديه، فهجر أهل البدع ومجانبتهم مطلوبة بطريق الأولى والأحرى لأن ضررهم على الاسلام والمسلمين أعظم من ضرر أهل المعاصي والله أعلم.
وقد روى أبو بكر الآجري بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلوب. وروى أيضا بإسناده عن أبي قلابة أنه قال: لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم. وقد رواه الدارمي في سننه بنحوه.
وروى محمد بن وضاح بإسناده عن الحسن أنه قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك. وروى الدارمي في سننه عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ولاتسمعوا منهم. وروى الدارمي أيضا عن أبي جعفر محمد بن علي وقال: لا تجالسوا
[ ٧١ ]
أصحاب الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله.
وروى محمد بن وضاح بإسناده عن ابراهيم أنه قال: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. وروى بإسناده أيضا عن سفيان الثوري أنه قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث إما أن يكون فتنة لغيره وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار وإما أن يقول والله ما أبالي ما تكلموه وإني واثق بنفسي فمن أَمِن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن لا تدخل على السلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه.
وروى محمد بن وضاح بإسناده عن الأوزاعي قال: كانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم وتشمئز منهم قلوبهم ويحذرون الناس بدعتهم. وروى أيضا قال: أخبرني غير واحد أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: إياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب فإنه جاء الأثر: من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه ومن مشى إلى صاحب بدعة فقد مشى في هدم الإسلام وقد وقعت اللعنة من رسول الله - ﷺ - على أهل البدع وأن الله لا يقبل منهم صرفا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعا وكلما زادوا اجتهادا وصوما وصلاة ازدادوا من الله بعدا، فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله - ﷺ - وأئمة الهدى بعده.
وقال الإمام الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري رحمه
[ ٧٢ ]
الله تعالى في شرح السنة: قال سفيان الثوري من أصغى بإذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة الله تعالى ووكل إليها يعني البدع. وقال داود بن أبي هند أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵊ أن لا تجالس أهل البدع فإن جالستهم فحاك في صدرك شيء مما يقولون لأكبنك في نار جهنم.
وقال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة لم يؤت الحكمة. وقال أيضا: من عظم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله ﷿ على محمد - ﷺ - ومن زوج كريمته بمبتدع فقد قطع رحمها ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع. انتهى ما ذكره البربهاري.
وروى أبو نعيم في الحلية عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. وروى أيضا عن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل يقول: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر. وروى أيضا عن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: من أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام. قال وسمعت رجلا قال للفضيل: من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها. قال سمعت فضيلا يقول: نظر الرجل إلى صاحب البدعة يورث العمى. قال سمعت الفضيل يقول: من أتاه رجل فشاوره فقصر علمه فدله على مبتدع فقد غش الإسلام.
وروى أبو نعيم أيضا عن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل يقول:
[ ٧٣ ]
لإن آكل عند اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل عند صاحب بدعة فإني إذا أكلت عندهما لا يقتدى بي وإذا أكلت عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس، أحب أن يكون بيني وبين صاحب البدعة حصن من حديد، وعمل قليل في سنة خير من عمل صاحب بدعة، ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة، ومن جلس إلى صاحب بدعة فاحذره، وصاحب بدعة لا تأمنه على دينك ولا تشاوره في أمرك ولا تجلس إليه فمن جلس إليه ورثه الله ﷿ العمى وإذا علم من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له وإن قل عمله فإني أرجو له لأن صاحب السنة يعرض كل خير وصاحب البدعة لا يرتفع له إلى الله عمل وإن كثر عمله.
قال: وسمعت الفضيل يقول: أن لله ﷿ ملائكة يطلبون حلق الذكر، فانظر مع من يكون مجلسك لا يكون مع صاحب بدعة فإن الله تعالى لا ينظر إليهم وعلامة النفاق أن يقوم الرجل ويقعد مع صاحب بدعة، وأدركت خيار الناس كلهم أصحاب سنة وهم ينهون عن أصحاب البدعة. وروى أبو نعيم أيضا عن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل يقول: من علامة البلاء أن يكون الرجل صاحب بدعة.
وروى أبو الفرج ابن الجوزي بإسناده إلى سفيان الثوري أنه قال: من سمع من مبتدع لم ينفعه الله بما سمع ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة. وروى أيضا بإسناده إلى الفضيل بن عياض أنه قال: من جلس إلى صاحب بدعة فاحذره.
[ ٧٤ ]
وروى أيضا بإسناده إلى الفضيل أنه قال: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإسلام من قلبه. وروى أيضا بإسناده إلى الفضيل أنه قال: إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر ولا يرتفع لصاحب بدعة إلى الله ﷿ عمل ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام ومن زوج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها ومن جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة وإذا علم الله ﷿ من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له سيئاته. قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى وقد روي بعض هذا الكلام مرفوعا. قال وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام).
وقال محمد بن النضر الحارثي: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال الليث بن سعد لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته. فقال الشافعي: إنه ما قصر لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته.
قال ابن الجوزي وحدثت عن أبي بكر الخلال عن المروذي عن محمد بن سهل البخاري قال: كنا عند الفريابي فجعل يذكر أهل البدع فقال له رجل: لو حدثنا كان أعجب إلينا فغضب، وقال: كلامي في أهل البدع أحب إلي من عبادة ستين سنة. انتهى ما ذكره ابن الجوزي رحمه الله تعالى.
وقد جمع الشيخ الإمام اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني نبذة
[ ٧٥ ]
حسنة في عقيدة أهل السنة والجماعة قال فيها: ويجانبون أهل البدع والضلالات ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ولا يحبونهم ولا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين ولا يناظرونهم ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان ووقرت في القلوب ضرت وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة - إلى أن قال - واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم واخزائهم وإبعادهم وإقصائهم والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله ﷿ بمجانبتهم ومهاجرتهم اهـ.
وكلام السلف ومن بعدهم من أئمة الخلف في هجر أهل البدع ومن يميل إليهم كثير جدا وفيما ذكرته ههنا كفاية إن شاء الله تعالى، ومع هذا فقد أبى أهل العقل المعيشي إلا أن يخالفوا ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فتراهم يبالغون في توقير أهل البدع وتعظيمهم ويحرصون على مؤاخاتهم مصاحبتهم ودعوتهم إلى منازلهم والدخول عليهم في بيوتهم ومواكلتهم ومشاربتهم والأنس بهم والإنبساط معهم وتوليتهم في الأعمال من تعليم وغيره لا فرق عندهم بينهم وبين أهل السنة نعوذ بالله من الخذلان وعمى البصيرة.
وقد صار تقريب أهل البدع وتوليتهم في وظائف التعليم والوثوق بهم في ذلك سببا في إفساد عقائد كثير من المتعلمين وأخلاقهم فتراهم لا يبالون بترك المأمورات ولا بارتكاب المنهيات فلا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٧٦ ]
وقد روى الطبراني وأبو نعيم وغيرهما بأسانيد فيها مقال عن عبد الله بن بسر ﵁ مرفوعا: (من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام). وذكر ابن الجوزي عن عائشة ﵂ مرفوعا مثله وتقدم ذكره قريبا.
وروى أبو نعيم عن سفيان الثوري أنه قال لبعض أصحابه: إياك ومجالسة أهل الجفاء ولا تصحب إلا مؤمنا وألا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصحب الفاجر ولا تجالسه ولا تجالس من يجالسه ولا تؤاكله ولا تؤاكل من يؤاكله ولا تحب من يحبه ولا تفش إليه سرك ولا تبسَّم في وجهه ولا توسع له في مجلسك فإن فعلت شيئا من ذلك فقد قطعت عرى الإسلام.
والله المسئول أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن يجعلنا جميعا ممن يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله ويهجر أهل البدع والفسوق والعصيان لله إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.
وهذا آخر ما تيسر جمعه والحمد لله رب العالمين وصلى اللهم نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
وقد كان الفراغ من تسويد هذه النبذة في يوم السبت ثالث عشر شهر ربيع الأول من سنة ١٣٨٣ هـ ثم كان الفراغ من كتابة هذه النسخة في يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر المذكور من السنة المذكورة على يد جامعها الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله التويجري غفر الله له ولوالديه.
[ ٧٧ ]