الباب الثالث: في أدلة الحنابلة نقلًا ومعنى
الباب الثالث: في أدلة الحنابلة نقلًا ومعنى
اعلم –وفقك الله تعالى- أن الله - ﷾- قال: ﴿يَسْأَلونَكَ١ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ ٢.
وفي الصحيحين٣، وغيرهما٤، حيث حجّ ﷺ حجة الوداع٥، وقد استدار الزمان، كما كان قال في خطبته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض٦، السنة اثنا٧ عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث٨ متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب " الحديث٩.
وأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا١٠ عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا
_________________
(١) ١ في جميع النسخ: (ويسألونك)، بزيادة واو في الأول. ٢ الآية ١٨٩ من سورة البقرة. ٣ صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب من قال الأضحى يوم النحر ٣/٣١٧. وصحيح مسلم، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ٣/١٣٠٥، رقم: ١٦٧٩. أخرجاه بسنديهما عن أبي بكرة ﵁. ٤ مسند أحمد ٥/٣٧. وسنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الأشهر الحرم ٢/٤٨٣، رقم: ١٩٤٧. (حجة الوداع) أسقطت من (ك) . ٦ انظر كلام العلماء ﵏ على معنى هذه الجملة، في: شرح السنة ٧/٢٢٠. ٧ في (ك): اثنى. ٨ كذا في الأصل. وفي (س)، وفي صحيح البخاري. أما في (ك)، وفي صحيح مسلم، فبالتأنيث (ثلاثة) . ٩ انظر: صحيح البخاري وصحيح مسلم، الصفحات السابقة. ١٠ في (ك)، (س): اثني.
[ ٧٧ ]
أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ ١.
فأخبر سبحانه أن هذا هو الدين القيم لا ما عداه٢، فظهر بهذا عود المواقيت إلى الأهلة لا إلى العدد والحساب٣.
قال العلامة المجتهد تقي الدين ابن تيمية٤: وقد ذهب قوم منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية٥ وغيرهم، يقولون بالعدد دون الرؤية٦.
ومبدأ خروج هذه البدعة من الكوفة: فمنهم من يعتمد على جدول يزعمون أن جعفر الصادق٧ دفعه إليهم، وهذا كذب مختلق على جعفر، اختلقه عليه عبد الله بن معاوية٨.
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة التوبة. ٢ انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/١٣٤، فتح القدير ٢/٣٥٨. ٣ انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/١٤٠. ٤ الإمام الفقيه المجتهد أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ابن تيمية الحراني الدمشقي، المحدث الحافظ المفسر الأصولي، الزاهد شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره، كان من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين. من مصنفاته الكثيرة: الفتاوى، السياسة الشرعية، القواعد النورانية، درء تعارض العقل والنقل. مات مسجونًا سنة ٧٢٨هـ. ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة ٢/٣٨٧، تذكرة الحفاظ ٤/١٤٩٦، طبقات الحفاظ ٥٢٠، شذرات الذهب ٦/٨٠، هدية العارفين ١/١٠٥، الأعلام ١/١٤٤. ٥ الإسماعيلية: فرقة باطنية، انتسبت إلى الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق، ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها هدم عقائد الإسلام، تشعبت فرقها وامتدت عبر الزمان حتى وقتنا الحاضر. ٦ مجموع الفتاوى ٢٥/١٧٩. ٧ هو جعفر بن محمد بن علي، القرشي الهاشمي المعروف بجعفر الصادق، أحد الأعلام حدث عن أبيه، وعن عروة بن الزبير، وعطاء ابن أبي رباح، والزهري، وغيرهم. وحدث عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وآخرون، كان ذا منزلة رفيعة في العلم، وثقة الشافعي وأبو حاتم وغيرهما. مات بالمدينة سنة ١٤٨هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٣/١٩٢، وفيات الأعيان ١/٣٢٧، ميزان الإعتدال ١/٤١٤، الأعلام ٢/١٢٦. ٨ لم أقف على ترجمته.
[ ٧٨ ]
هذا وقد ثبت بالنقل المرضي عن جعفر وعامة أئمة أهل البيت، ما عليه جماعة المسلمين١.
ومنهم: من يعتمد على٢ أن رابع رجب رمضان، أو على٣ أن خامس رمضان الماضي أو رمضان الحاضر٤.
ومنهم: من يروي عن النبي ﷺ حديثًا لا يُعرف في شيء من كتب الإسلام، ولا رواه عالم قط، أنه قال: "يوم صومكم يوم نحركم" ٥.
وغالب هؤلاء يوجبون أن يكون رمضان تامًا، ويمنعون أن يكون تسعة وعشرين٦ [يومًا] ٧.
قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية٨:
لا خلاف بين المسلمين أنه إذا كان مبدأ الحكم في الهلال حسبت الشهور كلها هلالية، مثل: أن يصوم للكفارة في هلال المحرم، أو يتوفى زوج المرأة في هلال المحرم، [أو يولي٩ من امرأته في هلال المحرم] ١٠، أو يبيعه في الهلال
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/١٧٩. (على) في الموضعين أسقطت من (ك) . (على) في الموضعين أسقطت من (ك) . ٤ مجموع الفتاوى ٢٥/١٨٠. ٥ لا أصل لهذا، كما قاله الإمام أحمد وغيره. وذكره الزركشي بلفظ "نحركم يوم صومكم". وقال في الأسرار: ولو صح يحمل على الغالب، أو على سنة وروده، وهو عام حجة الوداع أو غيره. وانظر: المقاصد الحسنة ٧٤٥، رقم: ١٣٥٥، كشف الخفا ٢/٥٥٨، رقم ٣٢٦٣، الأسرار المرفوعة ٣٩٧، رقم: ٦٢٥، الدرر المنتثرة ١٨٢. ٦ مجموع الفتاوى ٢٥/١٨٠. (يومًا) زيادة من (ك) . ٨ مجموع الفتاوى ٢٥/١٤٣. ٩ الإيلاء: هو الحلف بالله تعالى على ترك وطء الزوحة في القبل مدة تزيد على أربعة أشهر. انظر: المذهب الأحمد ١٥٤، المغني ٧/٢٩٨ ١٠ ما بين القوسين أسقط من (س) .
[ ٧٩ ]
إلى شهرين أو ثلاثة، فإن جميع /١ الشهور تُحسب بالأهلة، [وإن كان بعضها أو جميعها ناقصًا] ٢.
[فأما إن وقع مبدأ٣ الحكم في أثناء الشهر] ٤، فقيل تحسب الشهور كلها بالعدد، وقيل بل يكمل الشهر بالعدد والباقي بالأهلة.
وهذان القولان روايتان عن الإمام /٥ أحمد٦، أصحهما الثاني٧، وهو الصواب الذي عليه عمل المسلمين قديمًا وحديثًا٨.
فإن كان الشهر الأول كاملًا كمل ثلاثين يومًا، وإن كان ناقصًا جعل تسعة وعشرين يومًا٩.
إذا تقرر هذا /١٠ فاعلم أن الشهر قد يزيد١١ وينقص.
قال عبد الله بن الإمام أحمد، حدثنا أبي١٢، قال: حدثنا محمد بن جعفر١٣، قال: حدثنا
_________________
(١) ١ نهاية ل ٧ من (س) . ٢ ما بين القوسين أسقط من (س) . ٣ مبدأ أسقطت من (ك) . ٤ ما بين القوسين أسقط من (س) . ٥ نهاية ل ٤ من (ك) . ٦ مجموع الفتاوى ٢٥/١٤٣. ٧ مجموع الفتاوى ٢٥/١٤٤. ٨ مجموع الفتاوى ٢٥/١٤٤. ٩ المصدر السابق. ١٠ نهاية ل ٥ من الأصل. ١١ لفظة (يزيد و) أسقطت من (ك) . ١٢ انظر مسند أحمد ٢/٤٣. ١٣ الإمام الحافظ محمد بن جعفر أبو عبد الله الهذلي، مولاهم البصري، المشهور بـ (غندر)، روى عن شعبة، وابن جريج، وسفيان وغيرهم، وحدث عنه الإمام أحمد، وابن المديني، ويحيى بن معين، وخلق سواهم، كان من خيار عباد الله، وأحد المتقنين للحديث، وثقه غير واحد من المحدثين، قيل: كان فيه غفلة. مات سنة ١٩٣هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ٢/١٥٢، سير أعلام النبلاء ٩/٩٨، طبقات الحفاظ ١٣١، شذرات الذهب ١/٣٣٣.
[ ٨٠ ]
شعبة١، عن الأسود بن٢ قيس٣، سمعت سعيد بن عمرو بن سعيد٤، أنه سمع ابن عمر ﵄، يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، وهكذا" [وعقد الإبهام في الثالثة (والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا) يعني تمام الثلاثين] ٥.٦
[وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن٧، عن
_________________
(١) ١ الحافظ، العلم شعبة بن الحجاج، أبو بسطام الأزدي، العتكي، مولاهم، كان من سادات أهل زمانه حفظًا وإتقانًا، وورعًا وفضلًا، وهو أول من فتش عن أمر المحدثين بالعراق، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علمًا يقتدى به، وتبعه عليه بعده أهل العراق، وثقه غير واحد. مات سنة ١٦٠هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ٩/٢٥٥، وفيات الأعيان ٢/٤٦٩، حلية الأولياء ٧/١٤٤، سير أعلام النبلاء ٧/٢٠٢، طبقات الحفاظ ٨٩، الأعلام ٣/١٦٤. ٢ في جميع النسخ: الأسود بن قيس، وهو خطأ. ٣ الأسود بن يزيد بن قيس، أبو عمرو النخعي الكوفي، من المخضرمين، حدث عن معاذ بن جبل، وابن مسعود وعائشة ﵃، وحدث عنه ابنه عبد الرحمن، والنخعي وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي، وكان ذا منزلة رفيعة، ومكانة في العلم والثقة، يضرب بعبادته المثل. مات سنة ٧٤هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ١/٤٤٩، طبقات ابن سعد ٦/٧٠، حلية الأولياء ٢/١٠٢، تذكرة الحفاظ ١/٤٨. ٤ سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي الأموي التابعي الجليل، حدث عن أبي هريرة، وابن عباس وابن عمر ﵃، وروى عنه بنوه عمرو وإسحاق وخالد وغيرهم، وثقه النسائي وغيره. مات بعد سنة ١٢٦هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ٨/٤١٥، الجرح والتعديل ٩/٣٠٢، سير أعلام النبلاء ٥/٢٠٠، تهذيب التهذيب ١١/٤٠٣. ٥ وأخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ٢/٧٦١، رقم ١٥، ١٠٨٠. ٦ ما بين القوسين أسقط من (ك) . ٧ هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري، الإمام الحافظ، سمع من شعبة، ومالك بن أنس، والثوري، وغيرهم، وحدث عنه ابن المبارك وأبو ثور وأبو عبيد، وخلق سواهم، كان إمامًا حجة قدوة في العلم والعمل، وثقه غير واحد، وقال عنه الإمام أحمد: ثقة خيار صالح مسلم، من معادن الصدق. مات بالبصرة سنة١٩٨هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٩/٣، تاريخ بغداد ١٠/٢٤٠، سير أعلام النبلاء ٩/١٩٢.
[ ٨١ ]
سفيان١، وإسحاق، يعني الأزرق٢، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، وهكذا"] ٣ حتى ذكر تسعًا وعشرين، قال إسحاق: وطبق يديه ثلاث مرات، وخنس٤ إبهامه في الثالثة٥.
وأخرجه البخاري٦، عن آدم٧، عن شعبة، ولفظه: "إنا أمة أمية
_________________
(١) ١ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أحد كبار حفاظ الحديث، كان رأسًا في الحفظ، ومعرفة الآثار، والفقه والزهد والورع، قال عنه شعبة: سفيان أمير المؤمنين في الحديث، ساد الناس بعلمه وورعة. له من الكتب: الجامع الكبير، الجامع الصغير، وكلاهما في الحديث. وكتاب في الفرائض. مات بالبصرة ١٦١هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٦/٣٥٦، تاريخ بغداد ٩/١٥١، الجرح والتعديل ٤/٢٢٢، وفيات الأعيان ٢/٣٨٦، تذكرة الحفاظ ١/٢٠٣، الأعلام ٣/١٠٤. ٢ هو الحافظ إسحاق بن يوسف بن مرداس، أبو محمد الواسطي الأزرق، حدث عن الأعمش ومسعر بن كدام، وسفيان وغيرهم، وروى عنه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وأحمد بن منيع، وآخرون، كان من جلة المقرئين، حجة له قدم راسخ في التقوى، وهو أحد الثقات المأمونين الصلحاء، مات سنة ١٩٥هـ. ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/٣١٥، تذكرة الحفاظ ١/٣٢٠، تهذيب التهذيب ١/٢٥٧، شذرات الذهب ١/٣٤٣. ٣ ما بين القوس الأول من أول الحديث، وهذا القوس أسقط بكامله من (ك) . ٤ أي قبضها. وانظر النهاية ٢/٨٤. ٥ أخرجه أحمد في المسند ٢/٥٢. وقد أخرجه البخاري وغيره كما سيذكره المصنف بعد قليل. ٦ في كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب ١/٣٢٧. ٧ آدم ابن أبي إياس عبد الرحمن بن محمد الخراساني، المروزي، أبو الحسن الخراساني، أحد الثقات المشهورين، نشأ ببغداد، وبها طلب الحديث، وكتب عن شيوخها، ورحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز، ومصر والشام، وحدث عن كبار علمائها، مات بعسقلان سنة ٢٢٠هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ٢/٣٩، تذكرة الحفاظ ١/٤٠٩، طبقات الحفاظ ١٧٢، شذرات الذهب ٢/٤٧.
[ ٨٢ ]
لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، وهكذا" ١، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين.
ورواه أبو داود٢، عن سليمان بن حرب٣، عن شعبة، ولفظه٤: "إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، وهكذا"، وخنس سليمان أصبعه في الثالثة: يعني تسعة٥ وعشرين، وثلاثين.
ورواه النسائي٦، من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، كما ذكرناه٧.
ومن طريق غندر، عن شعبة أيضًا كام سقناه، وقال في آخره: (تمام الثلاثين)، ولم يقل: (يعني) ٨، فروايته من جهة المسند أجل الطرق وأرفعها
_________________
(١) ١ في الصحيح: (هكذا، وهكذا) فقط، وليس ثلاثًا كما ذكر المصنف. ٢ في كتاب الصوم، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين ٢/٧٣٩، رقم: ٢٣١٩. ٣ سليمان بن حرب بن بجيل أبو أيوب الواشحي، الأزدي، قاضي مكة المكرمة، حدث عن شعبة وحماد بن سلمة، وجرير بن حازم، وغيرهم، وروى عنه البخاري، وأبو داود، ويحيى بن سعيد القطان، وآخرون، كان أحد الأئمة الثقات، كثير الحديث، وكان لا يدلس، ويتكلم في الرجال وفي الفقه. مات بالبصرة سنة ٢٢٤هـ. ترجمته في: طبقات ابن سعد ٧/٣٠٠، تاريخ بغداد ٩/٣٣، وفيان الأعيان ٢/٤١٨، تهذيب التهذيب ٤/١٧٨. (ولفظه) أسقطت من (ك) . ٥ في سنن أبي داود: تسعًا. ٦ الإمام الحافظ، أحمد بن شعيب بن علي الخراساني أبو عبد الرحمن النسائي، كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان ونقد الرجال، وحسن التأليف، جال في طلب العلم في سائر الأمصار، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن. من مصنفاته: السنن الكبرى، الضعفاء والمتروكون، مناسك الحج، وغيرها، مات بالقدس سنة ٣٠٣هـ. ترجمته في: وفيات الأعيان ١/٧٧، تذكرة لاحفاظ ٢/٦٩٨، تهذيب التهذيب ١/٣٦، شذرات الذهب ٢/٢٣٩، كشف الظنون ٢/١٠٠٦، الأعلام ١/١٧١. ٧ انظر سنن النسائي كتاب الصيام ٤/١٣٩. ٨ انظر سنن النسائي، كتاب الصيام ٤/١٤٠.
[ ٨٣ ]
قدرًا، إذ غندر١، أرفع من كل من رواه عن شعبة، وأضبط لحديثه، والإمام أحمد أجل من رواه عن غندر، عن شعبة٢.
قال ابن تيمية: وهذه الرواية المفسرة التي رواها البخاري، وأبو داود والنسائي من حديث شعبة تفسر رواية الثوري، وسائر الروايات عن ابن عمر، مما فيه إجمال يوهم كما هو في كثير من الروايات٣.
وقال الإمام أحمد٤: حدثنا يحيى بن سعيد٥، عن محمد بن عمرو٦، أخبرني يحيى بن عبد الرحمن٧، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: الشهر تسع وعشرون"، فذكروا ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله
_________________
(١) ١ غندر هو محمد بن جعفر. تقدمت ترجمته ص ٨٠. ٢ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/١٤٨. ٣ انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/١٤٨. ٤ في المسند ٢/٥٦. وأخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الصيام ٣/٨٥-٨٦. ٥ الإمام الحافظ، يحيى بن سعيد بن فروخ، أبو سعيد التميمي، مولاهم القطان، سمع هشام بن عروة والأعمش، ويحيى الأنصاري وغيرهم، وحدث عنه الإمام أحمد، وابن مهدي، وإسحاق الكوسج، وآخرون. قال عنه الإمام أحمد: ما رأيت بعيني مثله، وقال ابن سعد: كان يحيى ثقة مأمونًا حجة، وقد وثقه جمع من المحدثين وأثنوا عليه، مات سنة ١٩٨هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٨/٣٨٠، طبقات ابن سعد ٧/٢٩٣، تاريخ بغداد ١٤/١٣٥، سير أعلام النبلاء ٩/١٧٥. ٦ الإمام المحدث الصدوق محمد بن عمرو بن علقمة، أبو الحسن الليثي المدني، حدث عن أبيه، وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وغيرهم، وحدث عنه مالك والثوري وسفيان بن عيينة وعدد غيرهم. قال النسائي وغيره: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، مات سنة ١٤٥هـ، وقيل غير ذلك. ترجمته في: التاريخ الكبير ١/١٩١، الجرح والتعديل ٨/٣٠، ميزان الاعتدال ٣/٧٦٣، تهذيب التهذيب ٩/٣٧٥. ٧ يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ابن أبي بلتعة اللخمي، روى عن أبيه، وأسامة بن زيد، وابن عمر، وروى عنه عروة بن الزبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة وغيرهم، كان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١٠٤هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٩/١٦٥، تهذيب التهذيب ١١/٢٤٩، التقريب ٢/٣٥٢.
[ ٨٤ ]
أبا عبد الرحمن١، وهل هجر رسول الله /٢ ﷺ نساءه شهرًا٣، فنزل لتسع وعشرين٤، فقيل له، فقال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين".
فثبت بالروايات الصحيحة عن ابن عمر، أن الشهر يكون مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين٥.
وأما رواية أيوب٦، عن نافع: "إنما الشهر تسع وعشرون " الحديث٧، أي: إنما الشهر اللازم الدائم تسعة وعشرون"٨.
فعلى هذا فالشهر اللازم الدائم تسعة وعشرون، فأما اليوم الزائد، فأمر جائز يكون في بعض الشهور، ولا يكون في بعضها٩.
والمقصود أن التسعة والعشرين يجب عددها واعتبارها بكل حال، بكل
_________________
(١) ١ تعني ﵂ عبد الله بن عمر ﵄، لما تعلمه فيه من تمسكه بقول رسول الله ﷺ وفعله. وانظر: الفتح الرباني ٩/٢٥٢. ٢ نهاية ل ٨ من (س) . (شهرا) أسقطت من (ك) . ٤ حديث هجر النبي ﷺ نساءه. أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا بالنية ٢/١١٠٤، رقم: ١٤٧٨. ٥ مجموع الفتاوى ٢٥/١٥٥. ٦ هو أيوب ابن أبي تيمية كيسان العنزي، مولاهم البصري، أبو بكر السختياني، من صغار التابعين، سمع من الحسن البصري، ومجاهد وابن سيرين وغيرهم، وحدث عنه الزهري، وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وغيرهم، كان فقيهًا ثقة كثير العلم حجة. مات سنة ١٣١هـ بالبصرة. ترجمته في: حلية الأولياء ٣/٢، طبقات ابن سعد ٧/٢٤٦، سير أعلام النبلاء ٦/١٥، شذرات الذهب ١/١٨١. ٧ بقية الحديث: " فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له". أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضات لرؤية الهلال ٢/٧٥٩، رقم: ٦، ١٠٨٠. وهو في مسند أحمد ٢/٥. ٨ الفتح الرباني ٩/٢٥١- ٢٥٢. ٩ شرح السنة ٦/٢٣٠، معالم السنن ٢/٩٣، شرح صحيح مسلم للنووي ٧/١٩٠-١٩١.
[ ٨٥ ]
وقت، فلا يشرع الصوم بحال حتى يمضي تسعة وعشرون من شعبان، ولا بد أن يصام في رمضان١ تسعة وعشرون لا يصام أقل منها بحال٢.٣
قال الوليد بن عتبة٤: صمنا على عهد علي ﵁ ثماني وعشرين، فأمرنا علي أن نقضي يومًا٥.
قال الإمام أحمد: العمل على هذا، لأن الشهر هكذا وهكذا وهكذا، تسعة وعشرون، فمن صام هذا الصوم قضى يومًا ولا كفارة عليه٦.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل٧، قال: حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما الشهر٨ تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له ٩". قال نافع: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤي فذاك، وإن لم يُر ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًاَ١٠
_________________
(١) (في رمضان) كررت في (ك) . ٢ انظر: المصادر السابقة، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/١٥٣. (بحال) أسقطت من (ك) . ٤ الوليد بن عتبة، ويقال ابن عيينة الليثي، كوفي روى عن علي ﵁، وروى عنه حميد بن عبد الله الأصم. ترجمته في: التاريخ الكبير ٨/١٤٩، الجرح والتعديل ٩/١٠. ٥ أخرجه عبد الرزاق في كتاب الصيام ٤/١٥٦، رقم: ٧٣٠٨. والبيهقي في كتاب الصيام، باب الشهر يخرج في حساب الصائمين ثماني وعشرين فيقضون يومًا ٤/٢٥١. ٦ مجموع الفتاوى ٢٥/١٥٥. ٧ هو إسماعيل بن إبراهيم بن علية، سبقت ترجمته ص ٦٧. ٨ في (ك): إنما شهر، بالتنكير. ٩ أي قدروا له عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يومًا، وقيل: قدروا له منازل القمر، فإنه يدلكم على أن الشهر تسع وعشرون أو ثلاثون. وانظر: النهاية ٤/٢٣، شرح السنة ٦/٢٣٠. ١٠ سبق تخريجه ص ٥٨.
[ ٨٦ ]
وفي سنن أبي داود١ من حديث حماد بن زيد٢، قال: حدثنا أيوب هكذا سواء، ولفظه: "الشهر تسع وعشرون"، وقال في آخره: فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نظر له، فإن رؤي فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب /٣ ولا قتر أصبح مفطرًا، فإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب.
ورواه باللفظ الأول عبد الرزاق٤ في مصنفه٥، عن معمر٦، عن
_________________
(١) ١ كتاب الصوم، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين ٢/٧٤٠-٧٤٢، رقم: ٢٣٢٠. ٢ حماد بن زيد بن درهم، أبو إسماعيل البصري، الإمام الحافظ الثبت، سمع من عاصم ابن أبي النجود، ومنصور بن المعتمر، ويونس بن عبيد، وخلق كثير، وحدث عنه ابن المبارك وسليمان بن حرب، وعبد الرحمن بن مهدي، وآخرون، كان من أعلم الناس في زمانه بالبصرة، وثقه الإمام أحمد، وابن مهدي وغيرهما. مات سنة ١٧٩هـ. ترجمته في: حلية الأولياء ٦/٢٥٧، سير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦، طبقات الحفاظ ١٠٣، شذرات الذهب ١/٢٩٢. ٣ نهاية ل ٦ من الأصل. ٤ الحافظ الكبير، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، أبو بكر الحميري، صاحب المصنف، وأحد أعلام المحدثين، روى عن الأوزاعي ومالك والثوري، وغيرهم، وروى عنه خلق كثير، منهم: يحيى بن معين، وابن المديني، وإسحاق الكوسج، رجل في طلب الحديث إلى الحجاز والشام والعراق. مات سنة ٢١١هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٦/٣٨، ميزان الاعتدال ٢/٦٠٩، طبقات الحفاظ ١٥٨، الأعلام ٣/٣٥٣. ٥ في كتاب الجامع، باب كم الشهر؟ ١٠/٤٠٢، رقم: ١٩٤٩٨. ٦ الإمام الحافظ معمر بن راشد الأزدي، مولاهم أبو عروة البصري، حدث عن الزهري، وقتادة والأعمش وغيرهم، وروى عنه ابن المبارك، وعبد الرزاق، وعمرو بن دينار، وآخرون، كان من أهل اليمن من أوعية العلم، مع الصدق والتحري والورع، وثقه عدد من العلماء، وكان فقيهًا متقنًا. مات سنة ١٥٢هـ. وقيل غير ذلك. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٧/٥، تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٣، طبقات الحفاظ ٨٨، شذرات الذهب ١/٢٣٥.
[ ٨٧ ]
أيوب، عن نافع عن ابن عمر، [عن رسول الله ﷺ قال: "إنما الشهر تسع وعشرون". وبه عن ابن عمر] ١، أنه إذا كان سحاب أصبح صائمًا، وإن لم يكن سحاب أصبح مفطرًا٢.
وروى الشيخان٣، عن مالك٤، عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان، فقال: "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" ٥.
ورواه عن نافع غير مالك، جماعة منهم: عبيد الله٦ ابن عمر بن حفص بن عاصم٧، وأخوه عبد الله ٨ض
_________________
(١) ١ ما بين القوسين أسقط من (ك) . ٢ انظر: مصنف عبد الرزاق، كتاب الصيام، باب فصل ما بين رمضان وشعبان ٤/١٦١، رقم: ٧٣٢٣. ٣ صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي ﷺ: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" ١/٣٢٦-٣٢٧. وصحيح مسلم، كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال ٢/٧٥٩، رقم ٣، ١٠٨٠. ٤ الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، المدني، العلم المشهور، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، وهو من تابعي التابعين، أجمعت طوائف العلماء على إمامته وجلالته، وعلو كعبه في الفقه والحديث، وصنف كتاب «الموطأ» بطلب من أبي جعفر المنصور، مات بالمدينة المنورة سنة ١٧٩هـ. ترجمته في: الديباج المذهب ١٧، وفيات الأعيان ٤/١٣٥، تذكرة الحفاظ ١/٢٠٧، الأعلام ٥/٢٥٨. ٥ وانظر الموطأ، كتاب الصيام، باب رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان ١٤٥، رقم: ٦٣٦. ٦ في (س): عبد الله. ٧ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، أبو عثمان القرشي العدوي، الإمام الحافظ من صغار التابعين، كان من سادات أهل المدينة، وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا. مات سنة ١٤٧هـ. وقيل غير ذلك. ترجمته في: التاريخ الكبير ٥/٣٩٥، تذكرة الحفاظ ١/١٦١، تهذيب التهذيب ٧/٣٨. ٨ عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، أبو عبد الرحمن القرشي العمري، المحدث كان عالمًا عاملًا خيرًا حسن الحديث، قال أحمد: لا بأس به، وضعفه ابن المديني، وقال ابن حبان: كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة حتى غفل عن ضبط الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، فرفع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك، مات سنة ١٧١هـ، وقيل غير ذلك. ترجمته في: الضعفاء لابن حبان ٢/٦، الجرح والتعديل ٥/١٠٩.
[ ٨٨ ]
وسلمة بن علقمة١، وفيلح بن سليمان٢، وعمر بن محمد بن زيد العمري٣، وأسامة بن زيد الليثي٤، وعبد العزيز ابن أبي رواد٥، والحكم
_________________
(١) ١ سلمة بن علقمة التميمي، أبو بشر البصري، روى عن ابن سيرين ونافع وغيرهما، وروى عنه حماد بن زيد، وابن علية وابن أبي عدي، وغيرهم، كان حافظًا متقنًا، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة، وقال النسائي: ليس به بأس. مات سنة ١٣٩هـ. ترجمته في: الجرح والتعديل ٤/١٦٧، تهذيب التهذيب ٤/١٥٠، التقريب ١/٣١٨. ٢ فليح بن سلميان ابن أبي المغيرة الأسلمي، المدني الحافظ أحد أئمة الأثر، ولد في آخر أيام الصحابة، قال عنه ابن معين وأبو حاتم والنسائي، ليس بالقوي، وقال الدارقطني: يختلفون فيه ولا بأس به، وقال أبو داود: لا يحتج به. مات سنة ١٦٨هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ٧/١٣٣، الجرح والتعديل ٧/٨٤، ميزان الاعتدال ٣/٣٦٥، تهذيب التهذيب ٨/٣٠٣. ٣ عمر بن محمد بن زيد العمري العدوي المدني، روى عنه أبيه وجده زيد، وعم أبيه سالم ونافع، وغيرهم، وروى عنه أخوه عاصم وشعبة ومالك والسفيانان وغيرهم، كانت ثقة قليل الحديث، وثقه غير واحد من العلماء، وكان من أفضل أهل زمانه، وكان أكثر مقامه بالشام، قتل سنة ١٤٥هـ. ترجمته في: ميزان الاعتدال ٣/٢٢٠، تهذيب التهذيب ٧/٤٩٥. ٤ أسامة بن زيد الليثي مولاهم المدني، حدث عن سعيد بن المسيب، ومحمد بن كعب القرظي، وعمرو بن شعيب، وجماعة، وروى عنه حاتم بن إسماعيل وابن وهب وأبو نعيم، وآخرون، قال النسائي: ليس بالقوي، وقال عنه الإمام أحمد: ليس بشيء له عن نافع مناكير، مات سنة ١٥٣هـ ترجمته في: الجرح والتعديل ٢/٢٨٤، كتاب المجروحين ١/١٧٩، ميزان الاعتدال ١/١٧٤. ٥ عبد العزيز ابن أبي رواد الأزدي شيخ الحرم، وأحد الأئمة الصالحين العباد، قال عنه الإمام أحمد: كان مرجئًا، وكان رجلًا صالحًا وليس هو في التثبيت كغيره. وقال أبو حاتم: صدوق، مات سنة ١٥٩هـ. ترجمته في: التاريخ الكبير ٦/٢٢، كتاب المجروحين ٢/١٣٦، ميزان الاعتدال ٢/٦٢٨، شذرات الذهب ١/٢٤٦.
[ ٨٩ ]
ابن عبد الله١، ووجه الحجة من هذا الحديث وغيره، من جهتين:
الأولى / ٢: فعل ابن عمر وأصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بمراده، فينبغي الرجوع إلى ما فهمه ابن عمر من هذا٣، كما رجعنا إليه في خيار المجلس، فإنه كان إذا أراد ثبت٤ البيع٥، ولزومه، فارق صاحبه٦.
الثانية: قوله: "إنما الشهر تسعة وعشرون يومًا"، مبين أن الأصل في الشهر ذلك، وإذا زال الأصل من أحدهما، ثبت الأصل من الشهر الآخر٧، فلما كانت الزيادة قد تقع، كان المراد أن الأصل في الشهر٨ هذا، وما عداه متردد٩.
وللعلماء في قوله: "فاقدروا له"، قولان:
أحدهما: أن المعنى قدروا للهلال زمانًا يمكن أن يطلع فيه، وذلك/١٠ ليلة الثلاثين، فأما الليلة التي بعدها فذاك لا يحتاج إلى تقدير١١،
_________________
(١) ١ الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي، روى عن القاسم ونافع والزهري، قال أحمد: أحاديثه كلها موضوعة، وكان ابن المبارك شديد الحمل عليه، وقال جماعة: هو متروك الحديث، وقال أبو حاتم: كان ممن يفتعل الحديث. ترجمته في: الجرح والتعديل ٣/١٢٠، لسان الميزان ٢/٣٣٢. ٢ نهاية ل ٩ من (س) . ٣ المغني ٣/٩٠، ٥٦٤، شرح منتهى الإرادات ١/٤٣٨، الشرح الكبير للمقدسي ٢/٤، ٣٥٧. ٤ في (س): بت، وفي (ك) بته. (البيع) أسقطت من (ك) . ٦ انظر: المصادر السابقة، الصفحات السابقة. ٧ انظر: الفتح الرباني ٩/٢٥١-٢٥٢، شرح السنة ٦/٢٣٠، معالم السنن ٢/٩٣، شرح صحيح مسلم للنووي ٧/١٩٠-١٩١. ٨ في (س)، (ك): (الشهور)، بالجمع. ٩ انظر: المصادر السابقة، ومجموع الفتاوى ٢٥/١٥٣. ١٠ نهاية ل ٥ من (ك) . ١١ العدة ١١٧، الكافي ١/٣٤٧، الفتح الرباني ٩/٢٥٠.
[ ٩٠ ]
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ ١، أي: ضُيق٢.
الثاني: أن معنى (اقدروا) ٣:احكموا بطلوعه من جهة الظاهر، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ٤، أي: حكمنا بذلك٥.
هذا وقد ذكرنا فعل ابن عمر، ووجه الحجة منه، لا يقال كان ذلك باجتهاد منه، لأن قوله: "فاقدروا له"، دلّ على وجوب الصوم على ما قلنا، ولو دل على الفطر كان ابن عمر قد عمل بخلاف ما روى، والأصل أن الصحابي لا٦ يخالف ما يروي، لا سيما مع تكرر ذلك منه، لأن الراوي قال: كان ابن عمر يفعل كذا، وهذا يدل على تكرر الفعل منه، لا سيما وقد مرت النقول عن الصحابة بالحث على صوم يوم الشك٧، وحديث الصحيحين في سرر شعبان٨.
هذا ما يتعلق بالمنقول، وأما المعقول من حيث المعنى والحكم ففيه أوجه:
أحدها: أن نقول الفطر في هذا اليوم متردد بين الحظر والإباحة، فوجب فيه الصوم، كما لو غم الهلال في آخر رمضان.
والدليل على تردد الفطر أن هذا اليوم يجوز٩ أن يكون من رمضان، فيكون فيه الفطر١٠ محظورًا، ويجوز أن يكون من شعبان فيكون فيه الفطر
_________________
(١) ١ الآية ٧ من سورة الطلاق. ٢ فتح القدير للشوكاني ٥/٢٤٥. ٣ في (س): (قدروا) . ٤ الآية ٥٧ من سورة النمل. ٥ فتح القدير ٤/١٤٥. ٦ في (س): ما. ٧ انظر ص ٦٦ وما بعدها. ٨ انظر ص ٧٢. (يجوز) أسقطت من (ك) . ١٠ (الفطر) أسقطت من (س) .
[ ٩١ ]
مباحًا، ولا سبيل إلى إنكار تجويز الأمرين، وإذا تردد الأمر بين الحظر والإباحة، ترجح جانب الحظر.
ثانيها: إذا غم الهلال في آخر الشهر يجب الصوم اتفاقًا لما ذكرنا، وهذا أولى، لأن اليوم الأخير يجوز أن يكون من شوال فيحرم في الصوم، ويجوز أن يكون من رمضان فيجب فيه الصوم، فإذا كنا نرجح الصوم مع تردده بين الوجوب والحظر، فلأن نرجح الصوم هاهنا مع تردده بين الوجوب والإباحة أولى.
ثالثها: إذا اشتبهت الميتة بالمذكاة غلبنا جانب الخظر فحرمنا١.
رابعها: إذا اشتبهت أخته بنساء أجانب حرمن كذلك٢ أيضًا٣.
خامسها: إذا اشتبه الماء بالبول حرم استعمالهما٤.
سادسها: إذا طلق إحدى نسائه، ونسي عينها حرم الجميع٥.
سابعها: أنا أوجبنا إمساك جزء من الليل في أوله وآخره، وإن لم يكن محلًا للصوم ليتحقق صوم رمضان، وإذا وجب الإمساك في زمان ليس بمحل للصوم أصلًا ليتحقق صوم رمضان، فلأن يجب في زمان يجوز أن يكون من رمضان أولى.
ثامنها: لو لم نوجبه لم نأمن فوات٦ المصلحة، وإذا أوجبناه فإن وافق زمان رمضان حصل الفرض، وإن لم يوافق /٧ لم يحصل ضرر، وصار هذا كما
_________________
(١) ١ المغني ١/٦١، الإنصاف ١/٧٩. ٢ في (س): (لذلك) . ٣ الكافي لابن قدامة ١/١٢، الشرح الكبير للمقدسي ١/١٩، شرح منتهى الإرادات ١/٢٢. ٤ المغني ١/٦٠، المذهب الأحمد ٤: الإنصاف ١/٧٤. ٥ المغني ٧/٢٥٣، المحرر ٢/٦١. ٦ في (ك): (من فوات) . ٧ نهاية ل ١٠ من (س) .
[ ٩٢ ]
إذا شك في تضايق/١ وقت الصلاة، فإن يجب عليه فعلها حذر الفوات، وفارقت الصوم في أنا إذا شككنا في دخول وقتها لم يجب فعلها حذرًا من وقوعها قبل وقتها، فإذا أخرناها لم نخف الفوات، وفي مسألتنا إذا قدمنا الصوم لم تفت وظيفته، ومتى أخرناه٢ فاتت٣.
فإن قيل: الواجب عليه صوم رمضان، وهذا اليوم ليس من رمضان، لأنه يثبت إما بالقطع وهي الرؤية ممن يقع بهم العلم، أو إكمال عدد شعبان، أو بغلبة الظن بشهادة العدل الواحد عند قوم، والعدد عند آخرين٤، ولم يوجد في مسألتنا شيء من ذلك، لأن الغيم لا يدل على وجود الهلال ولا على عدمه، ولم يكن الشهر ثابتًا، فلا يثبت بمجرد الشك، كما لو شك في وقت الصلاة٥، وهل طلع الفجر؟ فإنه لا يحرم عليه الأكل٦، وخرج على هذا اليوم الأخير، لأن الأصل وجوب الصيام، وهاهنا٧ الأصل الفطر.
قلنا: قولكم: ليس هذا من رمضان قطعًا أو ظاهرًا، الأول مسلم، والثاني: ممنوع، لأن الأصل في الشهور النقصان على ما سبق في الأحاديث الصحيحة، وقد كان مقتضاها أن لا يجب صوم اليوم٨ الأخير، لكن أوجبناه احتياطًا٩.
سلمنا أنه ليس من رمضان ظاهرًا لكن يحتمل أن يكون منه أم لا؟
_________________
(١) ١ نهاية ل ٧ من الأصل. ٢ في (ك): أخرناها. ٣ انظر: المذهب الأحمد ١٤، المغني ١/٣٨٦، شرح منتهى الإرادات ١/١٣٧. ٤ انظر ص ٧٨. ٥ المقنع ١/١٠٩، الكافي ١/١٠٠، هداية الراغب ١٠٦. ٦ المغني ١/١٣٦، العدة ١٢٣. ٧ في (س): هنا. ٨ في (س): يوم. ٩ المغني ٣/٩٠، الشرح الكبير للمقدسي ٢/٤، زاد المعاد ٢/٤٦.
[ ٩٣ ]
الأول: مسلم، والثاني: ممنوع لأن كونه من رمضان، وكونه من شعبان على السواء في الإحتمال، فوجب أن يصام احتياطًا١.
سلمنا أن كونه من رمضان أبعد من كونه من شعبان، ولكن لِم لا يجب٢ صومه توصلًا إلى أداء الواجب بيقين، كما أوجبنا غسل قصاص الشعر مع الوجه٣؟
فإن قيل: الصوم عبادة فلا يجوز الدخول فيها إلا على يقين كسائر العبادات٤، وبيانه: أن الشرع لما أوجب العبادات المؤقتة نصب لها أسبابًا وأعلامًا، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها٥، وكذلك لو شك في ملك نصاب٦، أو في وجود الزاد أو الراحلة، وهل طلق٧، أو أعتق، أم لا؟
ويوضحه أن الخطاب يتعلق بالذمة، فيقصد٨ المكلف بأداء العبادة أن يبرأ، وهاهنا لم يتعلق بذمته شيء يحتاج أن يبرأ منه.
قلنا: هذا ليس بشك لما قررناه٩ من الأدلة السابقة.
سلمنا أنه شك، لكن من العبادات ما يلزم مع الشك، وهو ما إذا نسي صلاة لا يعلم عينها١٠.
_________________
(١) ١ المصادر السابقة. ٢ في (س): لم يجب. ٣ المغني ١/١١٥-١١٦، شرح منتهى الإرادات ١/٥٢. ٤ المجموع ٦/٤٢٦. ٥ الكافي ١/١٠٠، المذهب الأحمد ١٤. ٦ انظر: الشرح الكبير للمقدسي ١/٦٩٧، الإنصاف ٣/١٩٤-١٩٥. ٧ المقنع ٣/٢١٥، هداية الراغب ٤٩٠. ٨ في (ك): فيفضل. (قررناه) كررت في الأصل. ١٠ الشرح الكبير للمقدسي ١/٢٢٦، شرح منتهى الإرادات ١/١٣٨.
[ ٩٤ ]
وأما دخول الوقت فقد سبق جوابه، وهو: أن تأخير الصلاة لا يؤدي إلى ترك الإحتياط بخلاف مسألتنا.
وقولهم: لم يتعلق بذمته شيء، غير مسلم.
فإن قيل: الشك بالغيم ليس بأكثر من الشك الحاصل بشهادة من رد الحاكم شهادته، مع أنه هناك لا يجب/١ الصوم، فكذلك في الغيم، لأنه في الموضعين يحتمل أن يكون الهلال طالعًا.
وبيانه: أن الغيم ليس بسبب في وجوب الصوم، إنما السبب رؤية [الهلال] ٢، أو شهادة برؤيته، ونحن على الأصل، وهو شعبان، فلا بد من ناقل عن هذا الأصل، والغيم لا يصلح٣ أن يكون ناقلًا.
قلنا: رؤية الهلال خبر لا شهادة٤، وليس من شرط الخبر أن يقبله حاكم، وإن رد خبره لفسقه فليست تلك شهادة ولا خبرًا٥ موجبًا شكًا.
سلمنا أنها شهادة، لكن رد الحاكم إياها إسقاط لها، فكأنها٦ لم توجد.
وقولهم: الغيم ليس بسبب.
قلنا: ليس بسبب بانفراده، مسلم، ولكن قد أضيف إليه ما يوجب الترجيح، وهو صلاحية الزمان لطلوع الهلال، وذلك يوجب الإحتياط للصوم٧، كما تقول في آخر الشهر، يدل عليه أن الإمام أبا حنيفة٨ قبل شهادة الواحد مع الغيم، ولم يقبلها مع الصحو٩، والقياس في هذا واسع المجال، وفيما ذكرناه كفاية للمقلدين، والله سبحانه وتعالى١٠ أعلم.
_________________
(١) ١ نهاية ل ١١ من (س) . ول ٦ من (ك) . ٢ زيادة من (ك) . ليست في الأصل. ٣ في (س): لا يصح. ٤ المغني ٣/١٥٨، شرح منتهى الإرادات ١/٤٤٠. ٥ في (س): وخبرًا. ٦ في (س): وكأنها. ٧ شرح منتهى الإرادات ١/٤٤١، هداية الراغب ٢٤٤. ٨ هو النعمان بن ثابت التيمي بالولاء، أبو حنيفة إمام الحنفية، الفقيه المجتهد، مات ببغداد سنة ١٥٠هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد ١٣/٣١٣، الجواهر المضية ١/٢٦. ٩ تحفة الفقهاء ١/٣٤٦، ملتقى الأبحر ١/١٩٨. ١٠ لفظة (وتعالى) أسقطت من (س) .
[ ٩٥ ]